صورة المستقبل العراقي كما توقعناها قبل العدوان

ـ من أجل المراجعة العامة لمعرفة الصواب من الخطأ..

ـ من أجل وعي الماضي واِستيعاب دروسه المختلفة..

ـ متابعات نقدية لمقدمات العدوان على العراق ـ

ماذا قالت دروس التاريخ العربي الإسلامي؟

باقر الصراف

الحلقة التاسعة

وإذا شئنا الاِسـتزادة من دروس تاريخنا العربي القديم إبان الفترة الأولى لنشوء الرسالة الإسلامية، وقيام دولتها الراشـدية الإسلامية المعروفة وتبلور سلطتها الدينية وخلافتها، فعلينا التعلم من المعاني العميقة الثرَّة التي تنطوي عليها دروس تجارب القيادات المجَرِّبة التي واجهت الحروب الداخلية، وملابساتها الفكرية ومشكلاتها الدينية، ومساءلة مختلف الاِجتهادات والتدقيق بمعانيها وأهدافها ومقولاتها، واِستخلصت أحكامها العميقة على ضوء الظرف الملموس، والمرحلة السياسـية بخاصية تطورها من حيث والزمان المعلوم المحسوس، ومن ثَمَ اِستنطاق الخليفة الراشدي الرابع : الإمام علي بن أبي طالب، أول فتى في الإسـلام والمستوعب العميق لنشوء وصيرورة الدين بحكم معايشته للرسـول العربي،والرائد الفكري للرؤية الإمامية في المذهب الإثنا عشرية، وصاحب كتاب نهج البلاغة، الذي أفاضت ومضـاته الفكرية في كل المجالات الإسلامية: ((الحقُ لا يُعرَف بالرجال... اِعرِفْ الحق تعرف أهله)) أي ضرورة اِلتزام النظرة الموضوعية عند تحليل التطورات، ولا تجعل عواطفك وغاياتك الذاتية هي مقياس التطورات، وتفكيرك الشخصي النفعي هو معيار بناء التحليل السياسي عند الرصد والتحليل والتقرير.

كما إنَّ قوله/اِستخلاصه التالي : ((والٍ غشوم خيرٌ من فتنة تدوم)) كما جاء في الأثر الطيب لهذا الرائد، هو الدلالة الجوهرية لأهمية، بلهَ ضرورة، المقارنة في الظرف الملموس الصالح والأصلح : عند البشر المسلم، بين السـيء والأسوأ لدى المسلمين، كون المجتمع بحاجة إلى قيادة في الظروف الطارئة... وأيُّ ظرفٍ طاريء واِسـتثنائي من ظروف الحروب : سواء الأهلية أو الخارجية التي يتعرض فيها البلد المسلم إلى عدوان تقوده الصليبية ـ المتصهينة؟!.

إذ ((لا بـد من أمير بِـرٌ كان أو فاجر))، أي عارف لطريق الحق... متبع دروبه واِختيار الوسائل التي تفضي إليه، أو مال عنه لضرورات موضوعية، ورأى في اِنتقاء وسائل الحكم التي توفر الأمـن للناس هو الأهـم لديه، على حساب حريتهم الليبرالية المنفلشة، كانت مقولاته / حكمه تلك فيضاً حيوياً لقناعاتٍ فكرية تشربها على ضوء الدين الإسلامي، ووفقاً للاِستنتاج التجريبي الذي أفرزته الممارسـة العملية الميدانية لقيادة السلطة/الخلافة...اِسـتخلصته رؤية الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أثناء حواره مع المؤمنين بقيادته خلال حرب صفِّن، وتوقفاتها ضد الخارجين عن ولايته، بعد أنْ رفع الخوارج شـعار ((لا حكم إلا الله)) رداً على الخديعة التي اِبتكرها عمرو بن العاص، لصـالح الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، وهو شعار ديني وسياسي رأى فيه الخليفة الشـرعي المُبايَع ((كلمـة حق يُراد به باطل)).

إنَّ الخوارج الذين هُم فرقة دينية كانوا قد حاربوا إلى جانب الخليفة الشرعي الإمام علي كرم الله وجهه، لم يرفعوا شعارات مخاتلة وسائلها تخفي دوافعها، وبريقها المُبهِر يمرر أهدافها الحقيقية كما هي ممارسات الدعاية الإعلامية الغربية، المغرقة في أكاذيبها وصراخها وتدجيلها، التي تنفذها أمريكا وأصدقاؤها ضد العرب والمسلمين، بمسـميات الشرعية الدولية مثلما تحاول التفرد بـ((حقوق الإنسان أو شعارات الديموقراطية... وغيرهما)) :

كما هي المواقف السياسية المخاتلة لمدعي محبي الإمام علي ورافعي راية الولاء له عن غير إيمان حقيقي عملي مرئي للمجموع العراقي ومروجي إدعاء الإيمان بمعصوميته وثرثرات الاِعتقاد بها، إذ لم نرَ مرجع عالمي ما يدعي اِمتلاكه منصب الحاكمية العالمية بالاِستناد : للمعرفة الأعلمية الحقة ويطالب منظمة الأمم المتحدة إِصدار الحكم على الوضع العراقي، أو مَـنْ ينوب عنها يقوم بتلك المهمة.

لم يراءِ حتى أنصاره في ذلك الموقف الحربي العصيب، وهو في أشد الظروف التي يحتاجـه إليهم فيها، ولم يدارهم اِعتماداً على الباطل في حمأة الحرب التي يخوضها بالسيف والتِرسْ والكلمة العادلة، فكيف النفاق مع الأعداء بالرحيل إلى عاصمتهم البيزنطية، والاِستنجاد بقوتهم الطاغية لتحقيق مآربه الذاتية، لأنه يدرك جيداً وبالملموس : إنهم أعداء الحضارة العربية الإسلامية.

كما هو ديـدن المجموعات الطائفية ممن تتزيا بلباس البرقع المعارض للنظام، والتي لم تخجل من رحيل ممثليها إلى عاصمة العدوان : واشنطن على الدولة العراقية، والاِتصال برموزها المسيحية المتصهينة التي لم تأنف من القول بأنَّ : ((خدمـة إسرائيل هو أحد متطلبات أنْ يكون المرء مسيحياً صالحاً))، واِعتبار الدين الإسلامي : ((دين شيطاني جداً))، والإسلام : ((أُكذوبة ودين زائف))، وغيرها من الأوصاف البائسة والنعوت الكريهة التي لم يسلم حتى محمد (ص) من بهتانها.

كان موقف الإمام علي : الخليفة الراشدي الرابع هذا قد تبلور على ضوء مرحلة اِسـتعار حرب صفِّين بين طرفين مسلمين وفي مواجهة العديد من المواقف العملية، وبمواجهة مختلف الاِجتهادات الدينية/السياسية، وليس بين طرفين أحدهما دولة مسلمة في الدستور والممارسات الإعلامية وترفع راية الله أكبر، وتذب عن حياضها وأرضـها ومجتمعها، من جهة، وضد ثانيهما طرف عدواني غازي صليبي / صهيوني تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، قيادتها ورئيسها وجنرالاتها وساستها القياديين غير مسلمين بالمرة، من جهة أُخرى.

بالإضافة إلى التحادث مع أتباعهم من العرب والمسلمين الذين فتحوا أراضي دولـ((هم)) لجـزمات جنودهم وهيئوا المطارات في بلدانهم للاِعتداء على الجار العربي المسلم : كونهم قد نالوا رضاهم وأموالهم و((مساعداتهم))، وكونهم ـ أيضاً كما نعتقد ـ اِتبعوا ملتهم سياسياً ودعائياً، يرددون اِدعاءاتها ببغاوياً دون تفكير وتمحيص، من جهة أخيرة، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة المُلهمة ودروسها الغنية النافعة... والغزيرة المفيدة لعِبرَها العميقة وعِظاتها الكبيرة.

مثلما ينبغي غض البصر عن طرائق هنري كيسـنجر مسؤول الأمن القومي الأسبق، وزبينيو بريجينسكي مسؤول الأمن القومي السابق أيضاً، وأقرانهما وأمثالهما من العاملين في الشؤون الإستراتيجية، ككونداليزا رايس مستشارة شؤون الأمـن القومي في البيت الأبيض خلال مرحلة إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الاِبن : ونزعتها العدوانية وروحها الحربية، وغيرهما من أساطين الصناعة النفطية ونصائح ممتلكي الشركات النفطية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من المعروفين على مستوى إدارة المعارك السياسـية، وتنفيذ مخاتلاتها الدعائية.

وكذلك درايتهما العملية العميقة في كيفية تنفيذ حلقات الصراع السياسي، العنيف أو غير العنيف، وفق مفاهيم الإستراتيجي الألماني كلاوز فيتز عن معنى الحرب، وضرورة إنجاز الهدف السياسي في كل الأحوال، مع توفير ((أثاث ومستلزمات)) المعركة الدعائية في سياق العملية السياسية الأساسية و((صناعة الفتنة)) التي تؤدي إلى الغرض السياسـي المطلوب تحقيقه، أي حبك الأزمـة ومراكمـة تفاعلاتها : خطوة فعلية بعد خطوة عملية، وضمان ((الشعور بالرضى)) لدي البعض العراقي والعربي والمسلم ممن ينخرطون بنشاط في همروجة الفتنة المرسومة على ضوء فكرة/مفهوم التقاطع التي تعني حصراً: ((اِلتقاء حركة عدة قوى في نقطة ما، فعند حدوث حدث معين كمحصلة لتقاطع مصالح عدة أطراف، يشعر كل طرف : كبيراً كان أم صغيراً، بأنه حقق شيئاً [...] وبما أَنَّ حالة التقاطع الموجـه والمرسوم، حيث تدفع القوى الأقوى إلى تحريك العمليات السياسية، في اِتجاه يحقق مصالحها، أو على أقـل يتحرك ضمن مصالحها هي، ففي هذه الحالة سـيحقق الطرف الأقوى مصـلحته... وسـيضمن في نفس الوقت شـعوراً بالرضا ـ ولو مؤقتاً ـ لدي الأطراف الأضعف)) خاصة عندما ((تتيح القوة القادرة التأثير في هذه الحركة، بل على [إطلاق] هذه العملية ثم مراقبة حركتها، وعدم التدخل إلا عندما تخرج عن المجرى العام، الذي يتفق مع مصلحة القوة القادرة )) لا سيما وإنَّ ((ظروف الحرب والأزمات والتوتر هي ظروف خصبة بوجه خاص)) بغية رسم ((التوجهات العامـة)) للطرف الأقوى والأغنى والأوعى. (3). التي تستطيع فيها من تحقيق أغراضها السياسية...

هذه الفتنة التي تتصاعد متوالياتها الحسابية لكي تصبح كوارثها وفق معطيات المتواليات الهندسية، وحسب الظروف التي تخدم المصالح الأمريكية، وتصب نتائجها السـياسـية التكتيكية في مرامي إستراتيجيتها الكلية الحتمية، الهادفة إلى تجزئة العراق سياسياً، وتفتيت لحمـة مجتمعه وجعل القتال العمودي هو ناظم علاقاته الأساسية، وتركيع شعبه لصالح النظام الشـرق الأوسطي، الذي ينبغي لكيان الاِغتصاب الصهيوني تسيده منفرداً، ناهيك عن الاِستحواذ على ثرواته النفطية والغاز التي تحرك شهية القوى المعتدية في الأساس.

 

المطلوب وطنياً على ضوء المصلحة العراقية

الحلقة العاشرة

في حين إنَّ المطلوب : وطنياً عراقياً وقومياً عربياً وحضارياً إسلامياً مخلصاً إخلاصاً مبدئياً غير مساوم على المباديء والحق بهدف معالجة المأزق السياسي العراقي في الداخل على مستوى إدارة العلاقات السياسية بين قوى المجتمع، من أجل التطوير المتناغم وتخطي العقبات القائمة، والتي سـتطرأ خلال الممارسة والعمل ضرورة وعي الموقف الملموس في المرحلـة الراهنة وقواها المؤثرة في الواقع والمُتصَوَر، ووجوب الوعي التاريخي لمفردات الصراع ضد العدوان الأمريكي وعموم منطق الشمال الغربي، الذي يسعى ليس على العراق فقط إنما العالم كله.

كونه القوة العالمية الوحيدة والتدبر في مسارات ووسائل العدوان الأمريكي على الوطن العراقي والأمـة العربية والعالم الإسلامي منذ الحرب العالمية الثانية وسياسة ملء الفراغ في المنطقة بعد تقهقر الاِستعمار الأوروبي، باِنتهاج أُسلوب التحليل العيني للواقع السياسي العيني خلال مختلف المراحل التي مرت على الأمـة بشتى أقطارها... توفر الوعي السـياسي الكلي : الفكري والتاريخي : الوطني والقومي لمختلف أبعاد الأزمـة في المنطقة العربية، كون التعامل الأمريكي معنا ينطلق من مفهوم المنطقة وليس مفهوم الموقع الجغرافي : أي العراق بعينه... وإنما منطقة الخليج العربي وما يسمى بالشرق الأوسط.

والعدوان الأمريكي المديد : العسكري المباشر وغير العسكري المباشر على العراق العوامل الدافعة لهذا العدوان والإِسـتهدافات الأساسية له والنتائج السياسية والاِقتصادية والاِجتماعية والتاريخية التي ستنعكس على مفهوم الوطن الموحد والمجتمع الموحد وناظمهما الدولة أي : ((الاِنتقال من الحساب إلى علم الجبر... ومن مفردات المواقف إلى المنهج... والحكم على المنهج من وجهة نظر كل مفردات التاريخ وخطـه الأساسي)) كما يذهب إلى ذلك المفكر العربي الفقيد إلياس مرقص.

وشعار إسقاط النظام الدائم والمستمر هو البوابة الرئيسة : بلهَ الأساسية لتتابع الأخطاء السياسية والخطايا المبدئية بحق مفاهيم والصيرورات الناجمة عنها : الوطن والمجتمع ومؤسسات الناظمـة لتوحيد عملها المتكامل ـ كما نعتقد ـ فلكي يكون هذا الشعار السياسي قابلاً للتنفيذ العملي ينبغي أنْ تكون مُستلزماته بيد صانعي التغيير. وشروطه العملية متوفرة. وتكاملهما مع الظروف الموضوعية ضرورية... وحسب اِعتراف الجميع المعارض الذي يدعي تمثيله للشعب العراقي : بأحزابه الكثيرة ومنظماته الأكثر، الرافعـة لذلك الشعار السياسي ليس قادراً بمفرده على التصدي لأَداء هذه المهمة السياسية أو محاولتها... ناهيك عن إنجازها.

إذاً: فلتكن هناك صيغة ما للعمل السياسي المشترك المتعاون أو الموحد بين الأطراف التي ترفع ذلك الشعار بصخب دعائي على الصاعد والنازل : أي تكوين جبهة أو مؤتمر أو تنسـيق أو تجمع... إلخ، ومن ثم : عند إنجـاز مهمة التجميع والحشـد وهي المهمة التي كان للأطـراف الإقليمية والعالمية الدور الأكبر في إنجازها... سواء عبر ولادة قيصرية على يد النطاسي الأمريكي ونقوده الكثيرة التي تغذي وتطور وتدعم إعلامياً ودعائياً أو بواسطة السَوق بالعصا المخابراتية التابعة لإحدى السلطات العربية المهددِة، أو من خلال الرشوة السعودية ـ الصباحية القارونيتين.

وعلى ضوء ذلك التجميع والحشد تنبثق الحاجة الضرورية لدهن ترس العجلة بغية ضمان مسارها المرسوم، وتوفير المتطلبات التي تُيسِّـر أَداء المهمة وإنجاز المطلوب : من مكاتب وكومبيوترات ورحلات تدريب للإعلاميين وغير ذلك، وما في ((الجيوب العائدة لقادة تنظيمات المعارضة العراقية))من أموال خاصة تراكمت ذاتياً على المستويات القيادية الفردية أو التسـميات الموروثة عن أسمائها التنظيمية المشابهة : المسؤول المالي... لجنة تنظيم المالية، يعوي فيها الإفلاس، جراء اِنقطاع غالبيتها عن الداخل وتلكؤ الأنصار عن تسديد ((تبرعاتهم)) وقلة المتبرعين لجهدهم السياسي من العراقيين، الأمر الذي وفَّـرَ الفرصة المناسبة لربط هذه التنظيمات بأجهزة المخابرات الأجنبية، وتلقي مسـاعدات الدول التي لها مصلحة في شن الحرب على العراق، ومعلوم إنَّ الدول الغربية تعتبر إن رؤوس الأموال المتدفقة تحت بند المساعدات المالية، تُـعَّد أموالٌ للاِستثمار ينبغي لها أنْ تحقق الأرباح على المدى البعيد.

فليتم البحث عن ميدان جديد للتسول عند هذه الدول : بعد اِنسـداد الحنفيات الليبية وقفل تدفق المساعدات الإيرانية، التي كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية إحدى مبرراتها، وما رحلات ممثلي المعارضة العراقية إلى واشنطن، وتخصيص أمريكا لحوالي مائة مليون دولار لها، وإفصاح الخارجية الأمريكية عن تقديم مسـاعدات مالية تبلغ 11,8 مليون دولار، كما ورد في الأنترنيت تحت الرمز :

 

him. 9906 / 2002/ www.state.gov / r / pa / ps بتاريخ 2/5/2002

 

سوى غيض من فيض، ومؤشر على ذلك الاِتجـاه. (*)

وليكن الرحيل إلى عواصم الحكّام الذين يتربعون على عروشهم الملوثة بالدم، والمزدانة سـنوات حُكمهم بالقمع والاِضطهاد، في بلـدان السعودية والكويت وغيرهما، مثلاً، الذين لهم حساباتهم السياسية بالتأكيد، سواء كانت هذه الحسابات خاصـة بنظمهم أو شخوصهم، لأنَّ حركة شعوبها مضادة لهم ولأسيادهم، أو مرشومـة من خطف أُنـوف حكّامهم والمتحكمون بشؤون ممالكهم ونُظمهم بحبل التبعية السياسية والدبلوماسية للأجنبي ومخططاته الإستراتيجية : والأمريكي على وجـه التحديد...

ليكون هؤلاء الحكاُّم وأموالهم النفطية هم المنجد والممول ـ إذاً ـ فلنقدم هذا التنازل المبدئي : السياسي أو الوطني أو القومي... والتساهل السياسـي هناك ونسكت عن تلك المسألة الاِقتصادية الحيويـة... والقضية القومية العربية في تلك المنطقة... ولنراعِ ذلك الطرف في هذا الموقع... ولننافق الطرف الآخـر في تلك السـاحة، حتى لو كان جميع المُنجِدِّين والممولين، والداعمين لكل مَـنْ هب ودب من العراقيين المعادين للدولة العراقية : متناقضين في الرؤيـة الفكرية ومتخالفين في الموقف السياسي.

فلنرحل إليهم بحثاً عن المال والمنشطَّات المقوية فالمعركـة السياسية الشاملة الأساسية في سبيل ترجمة شعار الإسقاط دعائياً... وليس لديها غير تقديم المعلومات وتأدية الخدمات في واقع الحال تتطلب ذلك يومياً : مرحلياً وإستراتيجياً والوصول إلى كراسي السلطة : تقتضي اِرتكاب كل ((المحظـورات المُحـرَمـة)) حتى لو كانت الاِرتباط بالقوى الأجنبية.

 

تناقضات منطق ما يُسمى بالمعارضة السياسية

الحلقة الحادية عشر

وبالرغم من دعايتها الإعلامية اليومية القائلة بأَنَّ السُلطة العراقية الحالية جاءت إلى الحُكم عبر ركوب القطار الأمريكي فإنها لا تشعر بتناقض في منطقها عند الرحيل إلى واشنطن ولندن والاِستعانة بقواتهما : بوارجها وطائراتها وقواتها ودباباتها... فضلاً عن تحريضهما على شـنِّ الحرب ضد العراق والمشاركة في وليمـة المائة المليون دولار المخصصة لدعم الدعاة العراقيين لرؤيتهما السياسـية، وترديد دعايتها الدبلوماسية... ولا تحُّـسُ بأي وخـز الضمير الشخصي: الفكري والسياسي جـرَّاء اِزدواجية مواقفها [بالأحرى : معاييرها] حول نفس الظواهـر المتشابهةعلى ذات الصعيد.

إنْ كان لديها ضمير وطني عراقي وقومي عربي وحضاري ديني وإنسـاني وسبق لصاحب نهج البلاغـة : الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه، أنْ قال : ((أكبر العيب أنْ تعيب ما فيك مِثله))، طالما تقول بتلك المعايير والاِدعاءات، وفي أيـة حال فإنَّ للمستعينين بالشيطان الأمريكي الأكبر : ((سـوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد)). [ القرآن الكريم]. ولهم في الدنيا الخـزي الأبدي والعار التاريخي... وللمريدين منهم والموافقين على منطقهم كذلك.

ولكن مع ذلك، فالمسألة تتطلب المزيد عناصر العون الخارجي الأخرى... وكذلك الدعم المتواصل في مجالات القوة بأشكالها المتنوعـة... في إطار المحاكمات العقلية والمنطقية : فكرياً وسياسياً.

هنا يجري التفكير لدى قادة المعارضة العراقية التي ترفع شعار الإسقاط حول ضرورة توفر عناصر مقومات القوُّة القادرة على التغيير في بنية النظام ولا شكَ إن السلطة السياسية القائمة الحاكمة في بغداد هي الأقوى مادياً في ميدان الصراع بين مكونات المجتمع، وكذلك معنوياً لاِستقلالها السياسي عن الأجنبي وعدم اِنصياعها الجوهري لمخططات القوة الأعظم، خاصة على صعيد السـاحة الداخلية ولأسباب عديدة : موضوعية وذاتية.

والمعارضة الرافعة لشعار الإسقاط تعترف بذلك عبر الاِعتراف بعجزها الذاتي عن إنجاز مهمة التغيير، وإلاّ لَما بحثت لإنجاز مهمتها التي تصرخ بها عن نجـدات خارجية، وتمويلات لها في الرياض والكويت ولندن وواشنطن... فلتبحث ـ إذاً ـ عن مصدر للقوَّة في خارج العراق وبعيداً عن قوى شعبها ومناقضة لوطنها العراق، من أجل إحداث التغيير السياسي في النظام وفق مصالحها الذاتية وطموحاتها البراغماتية الذرائعية و بالتـالي ترجمة شعار الإسقاط الذي ترفعه يومياً !.

ومَـنْ هو في عالم اليوم السياسي يمتلك شروط القوة العسكرية الكبرى في اللحظة التاريخية المعاصرة وخلال مرحلة العولمة المتفردة، مرحلة النزوع الإِسـتئثاري المهيمن على الجميع في العالم متسلحة بجيوشها المتنوعة، ومستوياتها الاِقتصادية الغنية المختلفة ومستويات مدخولاتها المتنوعة وأسلحتها الطاغية، بما فيها أسلحة التدمير الشامل وإرادتها السياسية التي يقودها ((المحافظون الجُدد))، المنفلتة من عقال الشـرعية الدولية، والهائجة على ضوء المـذاقـات المتنوعة المشَهية لثروات المنطقة العربية والموقع العراقي الهائلة، والتي تتطلع لتحقيق المزيد منها لملء جيوب أساطينها ومحتكريها وشركاتها.

فلترحـل لعاصمتها : واشنطن ـ إذاً ـ ولتبحث مع ساستها المختصين في المنطقة، وإدارتها الحربية، وأجهزتها الاِستخبارية، ومؤسساتها الدبلوماسية، وغالبيتهم من اليهود الصهاينة... للبحث معهم بما يتعلق في شـؤون العراق وكيفية التزود بذخائر هذه القوة التي تعمل وتستهدف التغيير بغية مواصلة تطبيق شعار نواياها الإِسـقاطية !.

 

الرؤية الأمريكية ومَـنْ يحددها!

الحلقة الثانية عشر

ومعلوم إنَّ أغلبية هؤلاء المسـؤولين المطلقة في إدارة جورج بوش الاِبن الرئيس الأمريكي الحالي قد نشـؤوا على فكر معين أفرزته تجربة الرؤية الاِستيطانية الغربية وإبادة أصحاب الأرض من الهنود الحمر والفكر الإمبريالي العالمي، واِختمرت عناصر وعيهم في وقائع الشبكة الرؤية اليهودية ـ الصهيونية تجاه المنطقة العربية ومستقبلها السياسي، وحسب رؤية وثيقة أَدونين في كيفية إِجـتراح آليات تمزيق المنطقة العربية وتجزيء دولها إلى دويلات لا حولَ لها ولا قوة وتفتيت لحمة مجتمعاتها العربية، قد تشربوا ثقافتهم التاريخية والسياسية من مصدرين :

المصدر الأول : يكمن في المعلومات التي يقدمها الثقاة... أي عن طريق ما يدونه اليهود والمعجبون بإسرائيل داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر الثاني : فهو صحيفة ((جيروزاليم بوست)) الإسرائيلية.

فضلاً ـ وهذا هو مصدر معلوماتهم الثالث والأهـم ـ عن مكونات تفكيرهم العميق بمصالح دولتهم ضمن رؤية إسـتراتيجية للعالم كله والمنطقـة العربية وكذلك العراق : بضمنها ومن بينها بطبيعة الحال. [4].

إنَّ ما في حوزتها من أوراق فعلية على مستوى الصراع الأساسي كمعارضة ترفع شعار الإسـقاط للتغيير في العراق وبجميع أطيافها الفكرية ومكوناتها السياسيةـ باِسـتثناء دور المرتزق السياسـي ـ يكاد أنْ يكون صفراً على الشـمال ـ لا قيمة فعلية له في الرياضيات البسيطة... غير المتطورة... غير المعقدة ـ وفق معايير المعركة الأساسية الفاصلة بين الدولة العراقية، من جهة، وبين الدولة الأمريكية، من جهة أُخرى.

فلتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية وفي نطاق مساعيها الحثيثة الهادفة لحسم المعركة السياسية ضد الدولة العراقية وبمختلف الوسائل المتوفرة : العنيفة المتوحشة والدبلوماسية الحريرية، القوية ولكنها الناعمة من أجل تحقيق أهدافها الخاصة بمناطق الخليج البترولية ونفط العراق، ومناطق أزمـة الشرق الأوسط... أي حل القضية الفلسطينية وفق رؤية الطريقة الصهيونية... وتسييد الكيان الصهيوني على المنطقة رسمياً ـ وإنجاز مهمته الإستراتيجية ـ وهي التي أنفقت ـ وخصصت كذلك ـ المليارات من الدولارات في سبيل تحقيق هذه الأهداف مباشرة ـ زيادة الموازنة العسكرية حتى بلوغها 340 مليار دولار ـ مثلاً ـأو عبر أدواتها وحلفائها أو أتباعها...

فلتستخدم أيضاً ضمن جهودها المختلفة والمتكاملة لشَـنِّ الحرب الإِسـتباقية... وغير المتوازية، كما تطلق عليها كمفهوم ملموس ومحدد واشنطن، هؤلاء ((المتطوعين المتوسلين المتسولين)) كيفما شاءت وترتئي لقاء عدة عشـرات من الملايين الدولارات طالما هي تدعونهم فيستجيبون، وتلقنهم التعليمات فينفذون، وترسم لهم المسارات الدعائية فيتبعونها ويغترفون الدعاية السياسية منها، ومعلوم إنَّ مَـنْ يدفع المال يشترط المتطلبات، ويحدد المهمات، ويسير الأرقام البشرية، ويتلقى المعلومات.

وذلك في إطار سياسة ما تحتاجه الولايات المتحدة منها وهي التي تتمحور في الراهن الزمني حول : جهد مخابرات، معلومات مخابرات، شبكات مخابرات، نظراً لأهمية الجاسوس التقليدي ـ الجاسوس الإنسان ـ الذي يعزز قُدرة التجسس الإلكتروني، كونه يحس ويرى ويسمع ويبلغ في الوقت المطلوب، كما ينقل ذلك الأستاذ : محمد حسنين هيكل.

لذا فالأمر الطبيعي أنْ يجد أبطال هذا الشـعار السياسي الذي يتمحور حول مفهوم الإسقاط أنفسهم ـ شاءوا أم أبوا ـ أسـرى التمتع بدفء الأحضان الأمريكية الحنونة على العملاء ولو إلى حين، ورضاعتهم بغية الوقوف دعائياً على سيقانهم... ورعايتهم في ميدان النشاطات السياسية الدعائية... وتغذيتهم في الدورات لتنمية قُدراتهم على مواجهة الجمهور... والنفخ في أذهانهم الأساليب الشيطانية لتمرير أكاذيبهم وخداع ذلك الجمهور.

وهي التي تسـوقهم بحملاتها الإعلامية والدعائية : سواء في صحفهم أو قنواتها المرئية أو المسموعة أو القنوات الفضائية التابعة لها ـ مباشرة أو بالواسطة ـ على أنهم هم ممثلو الشعب العراقي، يرددون أقوالها ويرفعون شعاراتها، ويروجون لأهدافها الحقيقية، بذريعة عدم قدرتهم على مقاومة القوُّة الأمريكية الطاغية وكأنَّ العراق هو الذي يشن الحرب على أمريكا وليس الولايات المتحدة هي التي تتأهب لغزو المنطقة.

أو يدلسون على أهدافها بكلمات براقة ووعود معسولة بغية ترجمة تطلعاتها الإجرامية بسحق المؤسسات العراقية الخدمية : وتجزئة الوطن الواحد وتفتيت المجتمع العراقي، بلغة عربية وسـحنات عراقية مثلما ترجـم لبنانيو لحد لفترة طويلة قبل فرارهم وهزيمتهم السياسية والعسكرية وجيشهم الجنوبي الذي كان يتقوى بالمنشطات الصهيونية تطلعات الأهداف الإسرائيلية في لبنان بلغة عربية مسلَّحة وسـحنات لبنانية ومفردات لهجتها في طبعتها : ((السعيدية العَقَلية)) نسبة إلى المروج لهذا الأسلوب الدعائي : الشاعر الكبير السيد سعيد عقل.

ربما يلفت نظر بعضنا من المتابعين السياسيين للوضع العراقي إلى الدور الذي يعوله العديد من المسميات على المنطقة الشمالية التي ترى إنَّ وجودها المادي السياسي والمعنوي الدعائي، يعتمد على ضمان أمنها من الغرب جراء الحظر الجوي لأمريكا وبريطانيا، نعني بها كردستانالعراق، في ترجمة هذا الشعار وتحويله إلى أَمـرٍ واقع، وبالتالي تطبيقه في الواقع العراقي، فعلينا الاِستخلاص بناءً على قراءة مدققة للواقع الملموسإنَّ كردستان هي أعجز من أنْ تشكل بوابة للغزو المباشر بسبب عوامل طبوغرافية وإقليمية وبشرية، علاوة على أنَّ كون معظم القيادات السياسية فيها أسرى الخارج : الإيراني والتركي والسوري إلى حـدٍ ما.

ناهيك عن الأمريكي الغربي الذي يأخذ النظرة التركية للأُمـور بنظر الاِعتبار في ما يخص المنطقة الكردية في المنطقة، وكونها أيضاً : لا ترفع هذا الشعار جدِّياً بسبب خبرتها العملية وتجربتها الميدانية الخاصة طوال العقود الماضية التي تصرمَّت على اِندلاع حركتها المسـلَّحة، إنَّ مطلبها الذي يتبرقع بـ((اللافتة القومية الكردية)) ـ إنْ لم نقل ذاتي مادي أو معنوي خاص ـ يقتصر حصراً على مسـتوى الزعامـة، ومصـلحي بحت على صعيد مريديها والغنائم التي اِستحوذوا عليها بالمصادرة القسرية.

إذ هـي تدرك جيداً إنَّ اِنهيـار الوضع السياسي العراقي على صعيد التكوين الوطني الموحد في دولة واحدة، وبقاء مجتمعه في ظل دوامة مديدة من حالة التجزئة وفوضى التقاتل العبثي، يحقق طموحاتها الذاتية مؤقتاً حتى لو تعهدت الولايات المتحدة بضمان أمنهم الذاتي... وحتى لو اِنطـوت ـ كذلك ـعلى مخاطر جدِّية محتملة قد تتمثل في تقدم عسكري تركي/طوراني شامل لاِحتلال كردستان العراقية أو بعض مناطقه، وتنفيذ أهداف تركيا القومية المؤجلة منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، من اِحتلال للموصل وكركوك ـ على شاكلة الاِحتلال للأجزاء القبرصية الشمالية.

وتنصيب قوُّة حاكمة عليها ـ كما جرى على أرض كردستان شهرياً تقريباً منذ عدوان 1991 وللآن على يد القوات التركية الغازية بغية تنفيذ بروفات عسكرية وإجراء تدريبات ميدانية للقوات على أرض كردستان بذريعة القضاء على الفوضى المنتشرة هناك والتي تؤثر على الأمن القومي التركي، ولملء الفراغ السياسي والأمني الذي قد يخلفه غياب الدولة العراقية، وإنقاذ الشعب العراقي في شماله من عبث التخريب والإشراف على أمنه الاِقتصادي والاِجتماعي، فضلاً عـن أَنَّ لبعضها صلات كبيرة ووطيدة مع السلطة العراقية القائمة ويجرى التنسيق بينهما على الصُعد المفصلية.

 

(3) ـ راجع كتاب زبيغينيو بريجنسكي المعنون بين عصرين : أمريكا والعصر الألكتروني، إصدار دار الطليعة، بيروت/لبنان، عام 1982، تلخيص من الصفحات 11 ـ 20.

(*) ـ عن تلك الوثيقة تحدثنا في الجزء الخامس من مؤلفنا المعنون : العولمة الأمريكية ضد الدولة العراقية، وأبرزنا صورة خاصة عنها مستخرجة من أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، وإلى جانب ذلك ذكرنا المعلومات الخاصة بممثلي القوى السياسية أو المؤسسات التي اِستلمت ((المساعدات المالية))التي سربتها إحدى الشخصيات العراقية ممن تهتم بشؤون حقوق الإنسان العراقيين والعرب.

(4) ـ راجع كتاب الأستاذ عبد المالك خلف التميمي المعنون الإسيطان الأجنبي في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة (العدد 71)، الصادر في تشرين الثاني 1987، ص 356 ـ 359.