محنة الثقافة العربية

سامي هابيل/دمشق

لعل الوهن الذي تعانيه الثقافة العربية قد تجلى في صورة أزمة عكست نفسها في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحالت دون نجاح أي مشروع نهوض حضاري على الرغم من تعدد التجارب في العصر الحديث.

ذاك أن الثقافة هي الأساس البنيوي الذي ينجم عن فيضه المعرفي تجليات حضارة الأمة وملامحها الخاصة فإذا كانت الثقافة والحضارة ظاهرتين إنسانيتين متداخلتين فإن الثقافة تعبر عما هو عقلي ومعرفي والحضارة عما هو مادي وإبداعي وبذلك فإن الثقافة هي التي تعطي الحضارة نمطها وطريقة حياة المجتمع ومفاهيمه الخاصة به.

ومثلما أن لكل أمة ثقافتها الخاصة فأن لها أيضاً معطياتها الحضارية وخصوصياتها لأن ثقافتها هي التجلي الذي تعبر فيه الأمة عن تجسيد الحاضر والمستقبل وتحقيق رؤى معاصرة تتفاعل ومعارف العصر ومعطياته وإذا كانت الثقافة تعتبر ظاهرة إنسانية تتعلق بالانسان والمجتمعات من خلال خاصيتها وإمكاناتها في التعبير عن العلاقات الاجتماعية والانسانية عبر رموز وقيم فأن الحضارة تبقى تعبيراً عن هذه الثقافة وقدراتها وإمكاناتها وبقدر ما تكون الثقافة متطورة فأنها تنتج حضارة متقدمة.

والثقافة الثرية هي التي تستطيع أن ترتقي دوماً وباستمرار في حركة ديناميكية وقدرة ذاتية على تمثل التطورات التاريخية والتعامل معها ومع معطياتها في إطار مفاهيمها وتصوراتها وقيمها وحين تعجز الثقافة عن التعامل مع عملية  التطور، ورصد حركة الزمان  فأنها تدخل في دائرة العجز، والقصور والتخلف عن معارف العصر ومنجزاته فينعكس ذلك على التجلي الحضاري للأمة.

فالثقافة ليست مجرد معلومات للمثقف بل هي حركة حية في الموقف الفكري والاجتماعي، نحو تحقيق الارتقاء بالإنسان والأمة.. وهذه الحركة لا تتوقف ولا يمكن أن تتوقف عند مرحلة تاريخية أو زمنية، بل ينبغي لتحققها إدراك فردي واجتماعي لأهمية ديناميكية الزمان وحركته المتقدمة إلى الأمام.

والثقافة كمنظومة مفاهيم وقيم وتراكم معرفي للأمة، ليست هي المسؤولة عن الدخول في دائرة التخلف، والعجز عن التعامل مع معطيات التطور الإنساني وتمثله واستيعابه، بمفاهيمها ومعارفها ولغتها الحضارية الخاصة، بل تقع المسؤولية في هذا النطاق، على القائمين على الثقافة أو من يدعون امتلاك ناصيتها، الذين يمكن أن نضعهم في إطار مصطلح (المثقفون) أو (المنظرون) أو (المجتهدون).. الذين يلعبون دوراً جوهرياً. أما في إحباط قدرة الثقافة الذاتية على التطور وتمثل المعارف المتجددة وتعطيل الحركة الاجتماعية، وإما بدفعهم إياها في مسار التطور والقدرة على التجدد والتمثل الحضاري والاستمرار.. باعتبارهم يقودون أو يشاركون في إنجاز مشروع حضاري يستهدف توظيف ثقافة الأمة، في إنتاج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتأسيس بناها..

ليس ثمة خلاف في الآراء، عند معظم المثقفين، حول تقرير حقيقة محزنة، وهي أن الثقافة العربية اليوم قد دخلت وأدخلت قسراً في دائرة العجز والتخلف الحضاري، ولكن ربما يكون هناك خلاف في أسباب هذا التخلف والعجز ووسائل تجاوزه إذ تبدو الاجتهادات متباينة إلى درجة كبيرة، بحيث تعكس هذه الاختلافات نفسها على أي مشروع نهوض ثقافي وحضاري مستقبلي.

ثمة اعتبارات متعددة، وظروف خارجة عن إرادة الأمة، وأخرى ذاتية نابعة منها، دفعت إلى الوقوع في هذه الدائرة لعل أهمها الشروط الموضوعية للانتقال من عصر عالمي إلى عصر آخر.. إذا شهدت مرحلة الانتقال من العصر العربي الإسلامي إلى العصر الرأسمالي الأوروبي، وظهور وتبلور ثقافة أوربية، ترتكز على تفسير حوادث التاريخ حول المحور المركزي الأوروبي، فالثقافة والتاريخ والفكر الإنساني تتمركز في الفاعلية الأوروبية، بدءاً من عزل اليونان وحضارتها عن حضارات شعوب الشرق في المنطقة العربية، متجاوزة العصر الوسيط الذي شهد نهوض الحضارة العربية الإسلامية، ولأن أوروبا غابت عن الحضور الثقافي والحضاري في العصر الوسيط فقد أطلقت عليه عصر الظلام تعبيراً عن العجز الأوروبي، وفي تجاهل متعمدو قسري لفاعلية الحضارات الأخرى غير الأوروبية، وإنكارا لحقائق تاريخية وموضوعية، لا ينبغي لأي فكر حر وموضوعي أن يتجاهلها أو يتجاوزها.

فالحضارة العربية الإسلامية، طبعت العصر الوسيط بطابعها الثقافي ونظامها وشرائعها الاقتصادية والاجتماعية، وخلقت حالة تفاعل مع أفكار المجتمعات الأخرى وثقافاتها من خلال عالميتها وإنسانيتها وأنجزت نظاماً متكاملاً، أرسى انتقال البشرية من عصر عبودي إلى عصر جوهره إنساني.. وتفاعلت مع مجتمعات أوروبا عبر استطالتها الأندلسية.. ولذلك فقد سجل سقوط غرناطة في الأندلس بداية تراجع هذه الحضارة، والانتقال من عصر حضاري إلى عصر آخر، وتحول البشرية من طور عربي إسلامي إلى طور أوروبي حديث عبر عن نفسه من خلال أبعاد جوهرية:

1 - نهوض المشروع الثقافي الأوروبي الحديث.. الذي تمحور حول نظرية المركزية الأوروبية، وارتكز على تفسير حوادث التاريخ والفكر الإنساني من خلال الفاعلية الأوروبية فحسب، وأن هذا الفكر هو صانع الثقافات والحضارات في الماضي من خلال فكر اليونان والرومان وصانع المستقبل من خلال المركزية الأوروبية الحديثة، وأن مرحلة العصر الوسيط، كانت مرحلة ظلام إنساني، أفلت فيها الزمان من قبضة الثقافة والحضارة الأوروبية ومثلت انقطاعاً عن الحضور الأوروبي في التاريخ.. ولذلك فقد أسست منظومة فكرية قيمية مناهضة للفكر العربي الإسلامي في جوهره.

2 - استنهاض البدائل الاقتصادية والسياسية وعلاقات الإنتاج المتقدمة على تلك التي سادت في العصر العربي الإسلامي.

3 - الانسياح الاستعماري الذي أدى إلى قهر الشعوب واستعبادها، والذي كان يعبر بشكل حيوي عن جوهر الثقافة الأوروبية، القديمة والحديثة التي تنطوي على جوهر يسوغ العبودية وهيمنة القوي على الضعيف.

خلال القرون اللاحقة استكملت النظرية الأوروبية المركزية أغراضها الثقافية، وأسست نظامها السياسي، على الرغم من تعدد مراكزه وعواصمه.. حتى استقر أخيراً عند النظام الاحتكاري العالمي والذي تقوده الولايات المتحدة، في إطار مشروعها الجديد المتجدد وما تطلق عليه ((العولمة)) الذي يمثل مشروعاً ثقافياً – سياسياً –اقتصادياً، غرضه الهيمنة على الشعوب الأخرى، في إطار شعار معلن ((صدام الحضارات)) الذي اختارت له اللحظة التاريخية المناسبة، من خلال الشروط الموضوعية والذاتية للمجتمعات الإنسانية وتعتقد أنها الشروط المناسبة لمشروع الهيمنة العالمية الجديد..

لم تكن عملية الانتقال من عصر إلى عصر تلقائية وآلية، بل شهدت صراعاً طويلاً بين حضارتين إحداهما الإسلامية، والأخرى الأوروبية الناهضة.

ولقد كان من سوء الطالع أن يقود هذا الصراع دفاعاً عن الحضارة الإسلامية الحكم العثماني فالمشروع العثماني الذي عمل تحت راية الإسلام كان يفتقر إلى إمكانية تأسيس مشروع حضاري إسلامي متطور وأسهم بشكل واضح في جمود الفكر الإسلامي وتوقفه عن التطور  عن الانتقال إلى الحضور في العصر الحديث وكانت العوامل الذاتية التي أسهمت في عجز هذا الشروع عن مواجهة المشروع الأوروبي تتمثل بالتالي:

1 - أفقد الحكم العثماني مشروعه الإسلامي من حامله الاجتماعي العربي عبر تقويض جدلية العلاقة بين العروبة والإسلام وإحلال الحامل الاجتماعي التركي والطوراني.

2 - تشبث الحكم العثماني بالبنى والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتمي إلى عصر أوشك على الأفول وعزز النظام الإقطاعي الذي لم يكن من جوهر المشروع العربي الإسلامي، بل استعاره من أوروبا التي تجاوزته حين أسست نقلتها النوعية المتطورة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

3 - لقد كان لقيادة الأتراك للمشروع الإسلامي، أثرها الواضح في العجز الحضاري والأداء المتخلف المنقطع عن التطور، ولاسيما أن الإسلام لا يمكن فهمه بنزوعه الروحي والقيمي والحضاري إلا عبر اللغة العربية، والحامل الاجتماعي العربي، الذي ينطوي على قابلية التطور والإبداع ولذلك عجز هذا المشروع عن خلق وحدة إسلامية بين الشعوب التي تدين به كما عبرت عنه المرحلة العربية الإسلامية إزاء القوى المعادية الأخرى..

لم تجد محاولات الحكم العثماني الذي مثل امتداد عصر مضى في عصر ناهض في الدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها، فقد كان العثمانيون يتشبثون بالماضي ويدافعون عن قيمه بينما كان الأوربيون يمتلكون المستقبل ويؤسسون لعصر جديد، عالمي النزعة، وكان من المنطقي أن ينتصر من امتلكوا المستقبل، بمفاهيمهم ومعارفهم وقيمهم، وأسسوا ثقافة، سوغت الهيمنة والانسياح الاستعماري، وشكلت للعقل الأوروبي عالمه الخاص المنفصل عن عالم الآخرين وثقافتهم وحضارتهم، وأقامت مشروعه السياسي والاقتصادي الذي ينظم عالمه الخاص، ويدفعه باتجاه الأمم الأخرى ليستنزف ثرواتها ويغتال آمالها في المستقبل ويدفعها إلى دائرة الحصار والتخلف والاستباحة.

لم يهزم الحكم العثماني نتيجة تطور ثقافي عربي إسلامي في داخل المجتمع، وإنما هزمته ثقافة أوروبا الجديدة الناهضة، بمفاهيمها وتجلياتها، على الرغم من المحاولات التي جرت في الداخل من بعض المفكرين العرب للانفتاح والتعامل مع مفاهيم العصر وتطوراته ووقائعه..

غير أن هذا المشروع النهضوي لم يكن يمتلك أساس التطور المعرفي والمفهومي الخاص بالثقافة العربية للتعامل مع معطيات العصر، والارتقاء بها، على مستوى التفاعل الاجتماعي والمعرفي والعلمي، بل تعامل معه في تجلياته السياسية، ومنظومة علاقاته الداخلية الاجتماعية، التي لا يعتبرها نموذجاً للآخرين، والمتمثلة في نزعات الديمقراطية وأفكار عصر الأنوار والتي كانت تعكس في بعدها الخارجي نزعات الهيمنة والاستعمار وهو الوجه الذي كانت تصدره للآخرين، وللمجتمعات الأخرى ولذلك فقد تعثر هذا المشروع في متاهات الأوضاع والمستجدات التي خلفها الحضور الاستعماري المباشر في المنطقة العربية ومصادرة الإرادة السياسية للأمة..

خلال عملية الصراع الطويلة، كانت الثقافة العربية الإسلامية، تعاني من حالة الكمون، ينتابها الخوف من التعايش مع الآخرين، وتتوجس من التعامل مع وقائع العصر و تطوراته و معطياته المتقدمة في المجال العلمي و التقني على شتى المستويات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية.

ولعل ذلك يعود إلى أن الإنسان العربي يشعر بالاطمئنان وهدوء النفس، حين يقترب من أصالته الثقافية – ولاسيما جوهرها الإسلامي- وهذا المناخ النفسي الذي يركن إليه، هو الذي شكل أحد العوامل التي ساهمت في الاستكانة المعرفية، وعدم الاستجابة السريعة لعملية التطور، وعدم ايلائها تلك الأهمية التي كان ينبغي أن يعطيها إياها وتضاؤل الإحساس بديناميكية الزمان حتى بات يرى نفسه مشدوداً إلى مرحلة تاريخية أنتجت حضارة ورجال فكر وثقافة وعلم وقيادة، من خلال منظومة ثقافية يعتز بها و يزهو بذكرها، ويختزنها في ذاكرته الجمعية تمده بزاد ثقافي كبير، وتشكل له عقيدة روحية ونظاماً أخلاقياً.. ولقد عمقت مشاعر التوجس من ثقافة أوروبا الجديدة إحساسه بالدفاع عن عالمه الخاص و كلما تعمقت ممارسات هذه الثقافة الوافدة من خلال مشروعاتها السياسية والاستعمارية واتضحت ملامح الهيمنة، ازدادت مشاعر القطيعة مع العالم الجديد الوافد وأحس بضرورتها الأخلاقية والسياسية ولاسيما عبر أنماطها الاجتماعية والاقتصادية وتبلورت هذه المشاعر والأحاسيس في رفض فكري، شكلت جميعها موقفاً اتسم بسمة الدفاع الذاتي في وجه الثقافة الوافدة وتعبيراتها وتصاعدت أشكال الرفض لتتخذ سمات عنيفة أحياناً، وموقفاً ماضوياً أو سلفياً في الاعتبار الفكري والثقافي المعاصر ورجعياً في التعبير  السياسي.

هذا الموقف الذي قطع الذي قطع ثقافة الأمة القومية، عن إمكانية التطور الذاتي واستيعاب مستجدات العصر وحداثته ووقائعه التي غيرت كثيراً من معارف الانسانية، حول الكون والطبيعة والمجتمع، ورسخت دور العلم كوسيلة بشرية لاستكشاف قوانينها خلق قطيعة وهوة ثقافية وحضارية تحولان دون إمكانية امتلاك المستقبل، وذلك بتردده و خوفه من اقتحام المستقبل، واعتبار ذلك مغامرة ومجازفة بثقافة الأمة ومنظومتها القيمية وقد كان هذا الموقف، فعلاً ينطوي على جهل حقيقي، بمنظومة المعارف والمفاهيم والقيم التي عبرت عنها الأمة العربية، خلال النقلة الحضارية العريضة التي أعطاها إسلام وأعاد بها تشكيل منظومتها الثقافية من جديد، باعتباره عقيدة وثقافة وحضارة للفرد وللأمة، تجدد فها ما ينبغي أن يتجدد مع تطور الحياة بشتى مناحيها الاجتماعية والعلمية والمادية، وتحافظ على ثبات القيم التي لا ينبغي أن تتبدل باعتبارها ثوابت للأمة تقع خارج نطاق الانتاج الاجتماعي والتاريخي للأمة، وتتعلق بالصلة الروحية بين الفرد والله، وما يترتب عنها من معان إلهية، وقيم أخلاقية تنظم حياة الفرد والمجتمع.

وهكذا فقد عجز القائمون على هذه الثقافة عن النهوض بمشروع حضاري متجدد متسق مع ثقافة الأصالة التي تمسكوا بها ودافعوا عنها، وبقيت مشاريعهم في نطاق الذاكرة الجمعية للماضي ومنظومته الثقافية، مع أنهم كانوا يمتلكون وجدان الأمة ويستطيعون التأثير في اعادة انتاج المستقبل الحضاري وذلك لأنهم افتقدوا أفق المستقبل في دعوة الأصالة، وانطوى مفهومها على التمسك بمحاورة الماضي، واستحضار معارفه وقيمه، ومفاهيمه مع إغفال عنصري ديناميكية التطور وآلية الزمان المتقدمة.. وإخضاعها لقانون الثبات المجرد منذ أوائل القرن العشرين تعددت مشروعات النهوض تارة باسم الدين وأخرى باسم القومية أو التقدمية، وكان لكل من هذه التيارات مشروعه الثقافي الخاص به، وقد كان مصيرها حتى الآن التعثر والعجز عن تحقيق مشروع ينهض بالأمة حضارياً ويحقق حضورها الانساني الفاعل والايجابي في العالم المعاصر.

وقد لعب المثقفون دوراً أساسياً في إحباط هذه المشروعات وفي عجزها وإخفاقها لأنها لم تكن تلبي حقيقة متطلبات النهوض الحضاري بما يقتضيه ذلك من تأسيس ثقافة عربية معاصرة تهدف إلى استحضار الثقافة العربية في الحياة المعاصرة وتمثل وقائع العصر ومعطياته ومعارفه العلمية واستيعابها من خلال منظوماتها المعرفية والقيمية ونظرتها الشمولية للكون والحياة والإنسان وما يمكن أن تتجلى به من فيض حضاري يشمل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية كافة..

وتناول القائمون على المشروع الثقافي الديني، مسالة النهوض الحضاري من خلال شعار التمسك بالأصالة، وأرادوا بهذا المصطلح الثقافي أن ينتج نقيض المعاصرة، وأن يصوروا ثقافة النهوض بأنها رهن بالتمسك بالمفاهيم والمعارف التي توقفت عندها عملية التطور الحضاري في العصر الإسلامي العربي، وبالحفاظ عليها وعلى أطرها المسبقة التي استوعبت مراحل زمنية حضارية زاهية للأمة، وبات أي تطوير في منظومة مفاهيمها ومعارفها لاستيعاب وتمثل وقائع وأحداث ومعطيات التقدم المادي والتقني والعلمي، يعتبر عندهم خطراً، ينبغي اتقاؤه كي لا يزلزل كيان الأمة الثقافي ويهدد مستقبلها ولذلك فان حالة الدفاع عن ذات الأمة، تتمثل عندهم في الحيلولة دون أي تطوير أو ارتقاء لمفاهيم الأمة ومعارفها  الهادفة لاستيعاب معطيات العصر ووقائعه ومكتشفاته وآفاقه، مؤثرين قانون الثبات على قانون التطور والديناميكية الذاتية والموضوعية.

أما دعاة المعاصرة، فقد تناولوا المشروع الثقافي تحت مصطلح المعاصرة، ولقد كان هذا المشروع منذ بدايته، محكوماً عليه بالإخفاق،لأسباب متعددة،تعود في أهمها أنهااستعارت ثقافة أوروبية وأرادت من خلال مفهوماتها ومعارفها وقيمها، أن تنشئ مشروعاً ثقافياً يتولد عنه تصورات لنظام سياسي واقتصادي واجتماعي متطابق إلى حد كبير مع صياغات نظم الغرب، يترافق مع نظرة ازدراء وتجاوز لقيم الماضي التي تستغرق جدان الأمة، من جهة، وموقف دوني تبعي إزاء الفكر الأوروبي.. ومع أن الماركسية، قد مثلت ثقافة الشعوب الفقيرة، ومست عواطفها وأثارت غضبها على النظام الرأسمالي، وأنتجت حالة تمردعلى الثقافة الأوروبية التي ولدت في رحمها، وعبر مفاهيمها وقيمها ومعارفها، إلا أنها لم تستطع أن تمتلك عقل الأمة ومنهج تفكيرها، لأنها بقيت بالنسبة إليها، تقوم على مفاهيم وقيم غريبة عنها، وتمثل روحاً حضارية مختلفة عن روح الأمة ونزعتها، وما يختزنه وجدانها.

لقد أخفق دعاة المعاصرة، حتى الآن،في التمييز المعرفي، واشاعة الوعي عند الأمة العربية، بين العلمية –والعلمانية-والعالمية وهي مصطلحات أساسية في مشروعهم الثقافي.

فالعلمانية كانت ومازالت تمثل مشروعاً ثقافياً أوروبياً –ينطوي على السياسي والاقتصادي، تجلى في تعبيراته الاستعمارية وهيمنته الاقتصادية واستنزاف الشعوب، وإذا كانت العلمية تمثل منهج تفكير لهذا المشروع الثقافي، أنتج وأشاع روح البحث العلمي.

وأضفى عليه وجهه الايجابي وفيضه الحضاري، فان العلمية أصبحت ضحية السياسي والاقتصادي وطموحات القائمين عليها.. أما العالمية فينصرف مفهومها إلى معنى الشمولية الكونية، وهو مصطلح قد ينطوي على جوهر ونزعة إنسانية لمصلحة الإنسان، وقد ينصرف أيضاً إلى معنى السيطرة والهيمنة وإخضاع الشعوب واستعبادها، وتعميم ثقافة أوروبا وأنماطها، ويتحول إلى مصطلح ( العولمة ) الذي يسوق اليوم، كقدر لا مفر منه، من دعاة المعاصرة..

والواقع، أنه من العبث أن يستطيع أي مشروع ثقافي عربي مستقبلي، أن يفلت من مصطلحات العصر ومنجزاته، وآفاقه، ونهجه العلمي وتقنيته، لأنها أصبحت حقائق إنسانية، ولكن هذه المصطلحات في عمومها، تتوقف على موقفنا منها وكذلك على طريقة استخدامها والغاية من توظيفها، فالأيدي والعقول التي تديرها توجهها الوجهة التي تبتغيها، وقد علمتنا التجارب، أن القائمين على المشروع الثقافي – - الأمريكي الصهيوني، اليوم سوف يسوقون مصطلحاتهم هذه في خدمة نيات الهيمنة والسيطرة على الشعوب..

كل ذلك، ينبغي أن يحرض المشروع الثقافي العربي للتعامل مع هذه المصطلحات، من خلال الإبداع الذاتي للأمة، عبر تطورها المعرفي والقيمي،لإعادة إنتاج حضاري، يمثل روحها الخاصة، ونوازعها الإنسانية تجاه البشرية، والتي تقع في نطاق مسؤولياتها التاريخية تجاه الشعوب المقهورة.

ومن العبث، أن يبحث دعاة المعاصرة، عن أي ثقافة خارجية، ولاسيما منها الأمريكية كي تكون إطارا لثقافة الأمة العربية، تشكل تأسيسها لمشروعها الحضاري المستقبلي، فالمشروع الأوروبي الثقافي، بالقيادة الأمريكية – الصهيونية، لم ينطو فقط على إقامة مجتمع مدني و ديمقراطية كما يحاول مثقفو المعاصرة أن يصوروه، بل أنتج وجهاً مباشراً آخر، تمثل في الهيمنة الاستعمارية وقهر الشعوب و استنزافها و لا على إنجازات علمية فحسب، لمصلحة الإنسان ورفاهيته، بل هو مشروع تفوق عسكري و اقتصادي، يرسخ تحكم تحالف احتكاري عالمي، في مقدرات الأمم و الشعوب.

لقد ظلت المعاصرة ومشروعها الثقافي، وظل المعاصرون، يعيشون في حالة غربة عن واقع الأمة وحياتها وروحها، وثقافتها وتعبيراتها الحضارية، ومهما جهدوا، فإنهم يشعرون أنهم في تعاملهم الاجتماعي، يعيشون في حالة عزلة عن إمكانية تحريك الواقع الثقافي- الاجتماعي وإعادة إنتاج عقيدة وثقافة بديلة، فلم يفلح المشروع العلماني في أن يمتلك تباراً حقيقياً داخل واقع الأمة الاجتماعي، وأن يغير من حقيقة المعارف والمفاهيم والقيم التي تمتلكها، بل بقي المشروع يشكل قشرة على سطح الواقع الاجتماعي، على الرغم مما أتيح له من مناخ سياسي واقتصادي ملائم في بعض المجتمعات العربية.. لاقى خلالها التشجيع والمباركة من بعض الأنظمة.

لقد اقتصر المشروع على شرائح المثقفين الذين يحاكون بعضهم بعضاً دون أن يكون لذلك أي تأثير في عمق الوجدان المعرفي والقيمي للأمة، الذي تكون عبر التراكم الثقافي الذي اختزنته خلال تاريخها الحضاري، وعقيدتها الروحية، والذي أدى إلى تأصيل مفاهيمها ومعارفها ونظرتها الكونية والروحية وخصوصيتها الحضارية والثقافية بحيث يكون للمعاصرة فهمها الخاص، وتأسيسها المتميز بطابع الأمة، عن فهم الثقافات الأخرى، ولاسيما الثقافة الأوروبية

وكان ينبغي لمثقفي المعاصرة، أن يطرحوا على أنفسهم تساؤلاً.. كيف نرتقي بالأمة إلى حضارة العصر؟عبر تطوير مفاهيمها،بلغة العصر ومنجزاته وهذا ينطوي على معنى أن الأمة تمتلك أسس النهوض والتطور من داخلها.. وعبر آلية التطور الذاتي للتعامل مع حضارة العصر ومنجزاتها ورموزها..

لقد آثر دعاة المعاصرة.. أن ينطلقوا في مشروعهم من تساؤل ينطوي على مسلمة العجز والنقص في الامكانات الذاتية والموضوعية للأمة العربية.. وهو: ما الذي تحتاج إليه الأمة للتخلص من حالة العجز، والظهور بالمظهر الحضاري الأوروبي المعاصر؟ فكانت إجاباتهم تتضمن باستمرار-تقديم وصفات أوروبية سياسية واقتصادية وثقافية، خارجة عن المنظومة المعرفية للأمة، التي تؤهلها للنهوض الحضاري.

وإذا كان جناحا المشروع القومي العربي للثقافة يقوم على الأصالة والمعاصرة، فان طريقة تناول هذا المشروع، كان ومازال يسبب مشكلة حقيقية ينبغي حلها وتأسيسها، كي يستطيع النجاح ويتجنب الإخفاق والتعثر، ونعني بذلك، إن كثيرا من مثقفي هذا المشروع، والقائمين على استنهاضه، يثيرون المسألة، بطريقة صنعية، وكأنهم يريدون (توليفة) ثقافية، تخضع للتسوية والتوفيق بين مفاهيم وقيم غير متجانسة، يستهدفون من خلالها إعادة إنتاج منظومة معرفية بطريقة فيزيائية وكيمائية.

إن عملية التطور الثقافي والحضاري للأمم، هي عملية تاريخية متطاولة زمنياً، ولا يمكن أن تحسب بالسنوات، لأن النقلة النوعية في منظومة القيم والمفاهيم والمعارف والعادات والتقاليد، تدخل في نطاق آلية فكرية ونفسية اجتماعية، تنعكس في التلقي الاجتماعي، والأداء الاقتصادي والسياسي الذي يقوم بدور جوهري في تسريع عملية التطور أو إبطائها، وبهذا الاعتبار فان عملية التطور الثقافي، ليست عملية تركيبية أو دمج أو اتحاد مفاهيم ثقافية غير متجانسة بحيث تقترب من الآلية الفيزيائية والكيمائية والتي لا تعدو كونها محاولة للجمع بين نقائض من نسيج معرفي وقيمي متباين، ينجم عنها صورة مشوهة وتركيب إنتاجي مضطرب ومشوش، بل هي في حقيقتها هي عملية تمثل واستيعاب تنعكس في صورة إنتاج جديد، تفيض به بين منظومة القيم والمفاهيم والمعارف الثقافية للأمة، وتؤدي إلى تأسيس ثقافة عربية متجانسة تنتمي الى الأصل وترقى إلى العصر.

صحيح أن التطور لا يكون عفوياً، ولا يمكن أن ينهض إلا في مناخ التفتح المعرفي الذي يستقرئ الجديد، من حيث أتى، ولكن هذا الجديد، والمكتشفات التي تفتح آفاقاً جديدة في المعرفة الإنسانية، ينبغي تمثلها عبر منظومة القيم والمفاهيم الخاصة، والتي تحتفظ بحيويتها وديناميكيتها، وتنطوي على قابلية التطور والتجدد، عبر آلية (التلقي) و(الاستيعاب) و(التمثل) وإعادة الإنتاج).

ومن جهة أخرى، فان الفعل البشري يؤدي دوراً رئيسياً في تسريع عملية التطور الثقافي للذات الجماعية للأمة، وهذا الفعل البشري ينبغي أن يقوده المثقفون يؤازرهم في ذلك قادة المجتمع من السياسيين والاقتصاديين من خلال الخطاب الثقافي، وما يمكن أن يعبر عنه الخطاب السياسي والاقتصادي، من تجليات واقعية في تطوير العلاقات والبنى الفوقية للمجتمع.

فالمشروع الثقافي هو الذي ينبغي أن يؤسس للمشروع الحضاري في شتى مجالاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، لا العكس.. لأن تطور قدرات الأمة وحضورها الإنساني، ينبع مبدئياً من قدرة منظومتها الثقافية على تمثل معارف العصر ومستجداته واستيعابه، وإعادة إنتاجها حضارياً، من جهة، وقدرة مثقفيها على التعبير والتطور المعرفي من خلال اتساق أدائهم مع ديناميكية التطور الجماعي للأمة من جهة أخرى.

غير أن محنة الثقافة العربية، تتجلى اليوم، في أن المشروع الثقافي، تابع للسياسي والاقتصادي، وينجم عن ذلك، تبعية المثقفين للسياسيين والاقتصاديين، وهذه التبعية عكست نفسها في مساهمات ذررائعية وتبريرية، شوهت الموقف الثقافي ومشروعه النهضوي، بحيث بات كثير من المثقفين يعملون في خدمة المشروع السياسي والاقتصادي، ويبحثون في إطار مستلزماته عن اجتهادات ونظريات وذرائع تبرر مواقفهم، التي يسوقونها عبر أجهزة إعلام هذا المشروع، بصرف النظر عما تعكسه من خدمات لمصلحة المشروع أو ضده، ويجنح بعضهم إلى تقمص موقف الحياد، في محاولة للتنصل من التزاماته تجاه قضايا المجتمع وأمال الأمة، وعدم الصدام مع السياسي أو الاقتصادي.

وهذا يقودنا، إلى تأكيد العلاقة الوثيقة بين الثقافي والسياسي والاقتصادي لأنه لا يمكن الفصل بينها، بل ان العلاقة بينها جدلية ومستمرة، إنما ينبغي أن يكون الانعكاس السياسي والاجتماعي متسقاً ومتطابقاً مع الثقافي، وأن تكون الأولوية للثقافي، الذي يولد المنهج الفكري، ودليل العمل الذي يستهدي به السياسي والاقتصادي، لا العكس.. ويستتبع ذلك بالضرورة الترام المثقف بالتفاعل مع الاحتياجات والمتطلبات الاجتماعية والآمال المنشودة للأمة، في شتى جوانبها القومية.

لا شك أن امتلاك ناصية التطور، عبر منظومة الثقافة القومية للأمة واعادة الانتاج الحضاري، هو الذي يبدد مصطلح الغزو الثقافي والحضاري، الذي نجم عن حالة العجز العربي في شتى الميادين، والذي أشاع ويشيع حالة فزع في أوساط كثير من المثقفين فالأمة العربية بما تملكه من مخزون ثقافي وحضاري، وقابلية للتجدد منيعة على الغزو، ولا تخشى الريح العاتية، سواء حملت روائح طيبة أم فاسدة، وعصية على الاختراق الذي يزلزل كيانها، وتستطيع أن تستوعب وأن تتمثل الأفكار والمستجدات العلمية والمعرفية والتقنية، وأن تعيد إنتاجها بما يتسق مع منظومتها القيمية..