باستثناء
الجماهير العربية!
د.
عوده بطرس عوده/مفكر عربي يقيم في القاهرة
الذكرى
السنوية الأولى للعدوان الأمريكي البريطاني
على العراق بزعامة بوش الابن وتابعه بلير
كانت مناسبة للشعوب التي تزهو بالحرية
للتعبير عن غضبها واستنكارها مجددا
والمطالبة بالمظاهرات التي عمت الكثير من
المدن الأسترالية في أقصى الشرق إلى المدن
الأمريكية في أقصى الغرب مرورا بمدريد ولندن
وباريس وغيرها من المدن الأوروبية تندد كلها
بعدوانية وكذب بوش وبلير وداعية إلى وقف هذه
الحرب الإجرامية وسحب قوات الاحتلال فورا
إنقاذا لأرواح الجنود وأبناء العراق الذين
يعيشون في رعب دائم وسط أنقاض وحشية جنود
الإمبراطورية الأمريكية الإرهابية.
وطننا العربي بكل تقسيماته كان غائبا مغيّبا
رسميا وشعبيا عن المشاركة في التعبير عما
تمتليء به المشاعر العربية، مشاعر الإنسان
العربي المحروم من كافة حقوقه وأولها حقه في
العمل والخبز وحرية التعبير، تجاه الذين
تعمدوا اقتراف جريمة العدوان لمصلحة العدوان
الصهيوني المتجسد في فلسطين ضد شعبها الأعزل
المحاصر، ولمنفعة تجار الحروب من الطغمة
الصهيونية الرأسمالية المتحكمة بالشرير
الجاهل بوش الابن الذي يتخذ من الكذب سبيلا
للعدوان.
هذا الاستثناء العربي يحتاج إلى الدراسة
لمعرفة أسبابه وهى أسباب هذا التخاذل المعيب
تجاه الركن العراقي الأساسي في البنيان
العربي الذي كان على مدى التاريخ حاميا
لمشرقنا بجزيرته وخليجه.
أما التخاذل الرسمي الذي بلغ مداه إلى حد
المشاركة وتهيئة الأجواء الملائمة للعدوان
فمرجعه إلى أن هناك من يعتمد على الأمريكان في
حمايتهم وهناك من يعتمد عليهم في المساعدات
من أجل البقاء.
أما التخاذل الجماهيري فمرجعه وأسبابه عديدة
من أهمها وضع الأحزاب السياسية تلك الأحزاب
التي بمجرد السماح لها بالعلنية في أجواء
البطالة والفقر السائد سهل اختراقها
بالدولارات والعطاءات والعطايا، فتفسخت
وتعددت وأصبح رموزها وجاهات وأصحاب مصالح
وتجار مكاتب وتقارير! كذلك حال ما يطلق عليه
مسمى مؤسسات المجتمع المدني، الجمعيات
والنقابات والاتحادات حتى المؤسسات
الإنسانية والخيرية. وبذلك ساد الفساد
والإفساد. وصار الإنسان العربي الذي كان في
الخمسينيات والستينيات أيام عبد الناصر قدوة
للمناضلين من أجل الحرية ومثالا يحتذى في
الشجاعة والوعي، هدفا للتجهيل بمناهج
التعليم الإقليمية، إنسانا محبطا متخاذلا
باستثناء فئات المجاهدين الاستشهاديين في
فلسطين والعراق!
هذا الحال هيأ الإقليميات العربية، بأنظمتها
وناسها لأن تصبح استثناء مفضوحا في أيام
الذكرى الأولى للعدوان الإجرامي التدميري
الأمريكي البريطاني الذي تحول إلى احتلال
إرهابي للعراق بشرعية عربية تتمثل في احتضان
عملائه من حثالات الشعب العراقي الذين كانوا
المحرضين على العدوان وهم في الخارج وصاروا
واجهته وأدواته بعد العودة بحمايته.
هكذا مرت هذه الذكرى المأساوية لتدمير ركن
أساسي في البنيان العربي بدون مظاهرات غاضبة
باستثناء مظاهرة ميدان التحرير في القاهرة
ومظاهرات إعلامية وهمية لرفع العتب! فهناك
الآن حالة من الإحباط تسود الشوارع العربية
الإقليمية كلها ناتجة عن إرهاب المتسلطين
وحاملي الهراوات المكهربة وتفشى الفساد من
أعلى إلى أسفل عموديا وأفقيا وبيع الكرامات
بل الأوطان واللاجئين في أسواق النخاسة
بالدولار واليورو! واللي يسبق يكسب!