حرب
الجيل الرابع.. المرحلة الثالثة للمقاومة
بقلم:
أ. د. محمد العبيدي/أستاذ من العراق جامعي يقيم
في بريطانيا
تعتقد الإدارة
الأمريكية وخصوصاً مخابراتها والبنتاغون بأن
الحرب على العراق واحتلاله مرّت بثلاثة
مراحل، حسب ما نشرته صحيفة (واشنطن بوست)
المقربة من دوائر القرار الأمريكية. وهذه
المراحل هي:
المرحلة
الأولى: الحرب الرسمية بين العراق وأمريكا
ومن جاء معها والتي انتهت بسقوط بغداد.
المرحلة
الثانية: مرحلة حرب التحرير الوطنية التي قام
بها أعضاء في حزب البعث وأفراد من الجيش
العراقي السابق والفدائيون المرتبطون بهذا
التوجه.
والمرحلة
الثالثة: وهي التي من المحتمل جداً أن تكون
المرحلة الحاسمة، هي حرب الجيل الرابع
الحقيقية، حرب تشن بتشكيلة عريضة من قوى
عراقية سياسية ودينية لها نفس الأهداف
والدوافع وهي مقاومة المحتلين وأعوانهم
وطردهم من العراق، حرب صعبة جداً بالنسبة
للمحتلين حيث تتمثل صعوبتها من أنه ليس
وراءها تنظيم واحد بل عدة تنظيمات وتعمل بشكل
لا مركزي وحيث تكمن صعوبة احتواءها والقضاء
عليها.
فمرحباً
بالمرحلة الثالثة للحرب، حرب الجيل الرابع
للمقاومة، إن كانت هذه المرحلة هي التي يعتقد
الأمريكان أنها قد بدأت والتي ستمثل في
المستقبل المنظور الشكل المهيمن والفعال
لعمليات المقاومة ضدهم في العراق.
فإن
كانت تلك هي فعلاً المرحلة الثالثة لمقاومة
الاحتلال، فماذا يا ترى ستكون عواقبها على
محاولات أمريكا خلق ما تسميه "عراق
ديمقراطي مستقر"؟ إنه بالتأكيد سيمثل
عائقاً كبيراً أمام وضع خططها موضع التنفيذ
والتي رسمتها لما بعد احتلالها للعراق وذلك
للأسباب التالية: أولاً، إنه يعني صعوبة
بالغة إن لم تكن مهمة مستحيلة لخططها من أجل
إنشاء دولة عراقية عاملة وليس فقط حكومة خونة
يعيشون تحت حماية قواتها في الحزام الأخضر،
إذ أن حرب الجيل الرابع تمثل مقاومة جديدة
بعيدة جزئياً بمكوناتها عن المرحلة الثانية
إلا أنها ملتصقة بها من حيث الثوابت والأهداف
المتوخاة. إضافة لذلك، فإنه مع استمرار
المرحلة الثالثة الحالية وتسريعها ستظهر
أكثر فأكثر تنظيمات جديدة أخرى مستوعبة دروس
وتكتيكات حركات المقاومة الأخرى التي سبقتها
في التصدي للاحتلال، وبالرغم من تباين
أيديولوجياتها فإنها جميعاً تعمل من أجل هدف
مشترك واحد وهذا ما سيجعل المحتلين يذوقون
مرارة لم يحسبوا حسابها من قبل. والأهم من ذلك
هو أنه حتى لو تعرضت واحدة أو أكثر من حركات
المقاومة إلى هزيمة أو انحسار لعملياتها بفعل
الضربات الأمريكية لها فهذا بالتأكيد لا يعني
هزيمتها بأجمعها لأن جميع فصائل المقاومة
العراقية تعمل بشكل لا مركزي وأنها غير
مرتبطة بعضها بالبعض الآخر ولا يوجد هناك
مركز مفصلي واحد لقيادتها جميعاً لكي يمكن
توجيه ضربة له من قبل المحتلين وأعوانهم يؤدي
إلى انحسار عملياتها بأجمعها، إضافة إلى
استمرار ظهور فصائل مقاومة جديدة تعوض انحسار
تلك الفصيلة أو الفصائل التي قد تتأثر
بالضربات الأمريكية. كما أن قوات الاحتلال،
ورغم عددها الكبير، تواجه الآن حرب استنزاف
موجعة، وأن هذه القوات بالرغم من فعالية
سلاحها والتقنية العالية المتوفرة لها لصد
المقاومة ومحاولة تحييدها أو القضاء عليها
فإنها بالتأكيد سوف لن تكون قادرة على ذلك
لسبب بسيط هو أنها تقاتل في أرض ليست بأرضها،
إضافة إلى أن أعداد المقاومين بالتأكيد أكثر
من أعداد قواتها لذا فمهما قدمت المقاومة من
شهداء على طريق التحرير فإنها ستبقى دائماً
متفوقة عددياً على قوات الاحتلال.
كما
أن أهمية كثرة عدد فصائل المقاومة العراقية
وعدم ارتباطها تحت قيادة مركزية واحدة جعل
قوات الاحتلال تواجه مسألة شائكة في تحييد
المقاومة أو التقليل من فعالياتها وضرباتها
ذلك لأن قوات الاحتلال، لو استطاعت ذلك، لم
تتمكن لحد الآن التحدث مع قادة أي فصيل من
فصائل المقاومة لغرض تحييده من جهة أو إيجاد
أي موضوع مقنع يمكن التحدث به معه من جهة أخرى
ذلك لأن إستراتيجية جميع قيادات فصائل
المقاومة هو إيقاع أقسى الضربات والخسائر
البشرية والمادية بقوات الاحتلال
والمتعاونين معها ولا يوجد هناك ما يمكن
التحدث به مع قوات الاحتلال. كذلك عندما يكون
حماس المقاومة في طرد المحتلين ليس سياسياً
بحتاً فقط بل دينياً أيضاً فالمسألة بالنسبة
للمحتلين تصبح أكثر تعقيداً إذ لا يوجد هناك
قاسم مشترك أو موضوع فاصل يمكن التحدث به مع
أي فصيل من فصائل المقاومة ذات المنحى
الديني، وأن تحييد فصيل أو أكثر من فصائل
المقاومة يبقى عديم الفائدة بالنسبة
للاحتلال لأن إخراج ذلك الفصيل أو تلك
الفصائل سيبقي الحركات الأخرى قادرة على
إيقاع ضرباتها بالعدو. وتجدر الإشارة إلى أن
قوات الاحتلال وأعوانها في "مجلس الحكم"
الذي جاءوا به هي التي تحاول الانغلاق
وتتحاشى بشكل مستمر تعرضها لضربات المقاومة
وليس العكس وهذا ما يشكل عقبة كبيرة لهم في
التصدي لها. من هنا يتبين أن وجود فصائل عديدة
للمقاومة العراقية لها هدف مشترك واحد ولكنها
ترتبط بقيادات ذات توجهات أيديولوجية مختلفة
بدلاً من ارتباطها بقيادة سياسية واحدة هو
أفضل سبيل لدحر الاحتلال وأعوانه، ومن هنا
جاء اسم الجيل الرابع الجديد للمقاومة
المسلحة الشعبية العراقية.
وعند
وضع الأمور أعلاه سوية فإنه سوف لن يبقى أمام
المحتلين وأعوانهم إلا التفكير بحل واحد ألا
وهو انسحاب كافة قواتهم الغازية من العراق
والذي سيمثل بالتالي أكبر هزيمة عسكرية
وسياسية لأمريكا وحلفاءها وبذلك ستتغير
خصوصية هذه الحرب القذرة التي شنتها وتشنها
تلك القوات على العراق والعراقيين.
واستناداً
لمخابراتها، فإن ما تتوقعه أمريكا وحلفاءها
في العراق هو ليست ولادة مقاومة ذات
أيديولوجيات سياسية فقط بل الدخول التدريجي
لمقاومة تحفزها دوافع دينية، كما يعتقد
الاحتلال بأنه ستكون هناك ولادة لنوع أخطر
على قواتها وهو دخول عنصر الأطفال والنساء
الذين سيلعبون دوراً فعالاً في تصعيد حدة
المقاومة واتساعها جغرافياً وكذلك تعاون
أفراد من قوات الشرطة والأمن معها إضافة إلى
إمكانية حدوث عصيان مدني واسع النطاق قد ينهي
الأمر بحدوث انتفاضة شعبية عارمة. وبناء على
تزايد وتيرة ما تتكبده قوات الاحتلال من
خسائر والتي تزداد على مر الأيام وكما تتوقعه
دوائر المخابرات الأمريكية ومخابرات الدول
الأخرى المتحالفة معها في احتلال العراق فإن
الصيف القادم قد يكون بداية انتعاش سريع
لعمليات المقاومة، وإن حدث ذلك فسيكون العراق
لبناناً وصومالاً أخرى وعليه سيكون لقوات
الاحتلال في العراق خيار واحد فقط وهو سرعة
مغادرتهم إن أرادوا تجنب هزيمة مذلة لهم.
لقد
حاولت أمريكا وأجهزة مخابراتها والماكنة
الإعلامية التي تدور بفلكها التقليل من وقع
تأثير المقاومة على خطط الاحتلال المرسومة
للعراق مدعية مرة بأنها "حوادث متفرقة"
من فعل "بقايا النظام السابق" ومرة أخرى
بأنها من قبل تنظيم "القاعدة" أو من
يسمونهم بالمقاتلين من "خارج الحدود"،
إلا أن حدة المقاومة وهجماتها المتزايدة
والنوعية في كل أنحاء البلاد سواء على قوات
الاحتلال أو المتعاونين معها من العراقيين قد
حطمت تلك الخرافة. والأهم من ذلك أن جميع
العراقيين الرافضين للاحتلال وأعوانه في "مجلس
الحكم" يعلمون تمام العلم بأن مقاومة
الاحتلال يقوم بها عراقيون أباة رفضوا
ويرفضون تدنيس أرض الرافدين من قبل هؤلاء
الذين ما جاءوا إلا لتدمير العراق والسيطرة
على ثرواته.