شيخ الجهاد والشهادة يعبر المحيط إلى ارض الكرامة والسيادة

بقلم: المهندس نور الدين عواد/هافانا – كوبا

اعتدت الاطلاع على آخر أخبار الوطن الصغير والكبير، مباشرة قبل نوم الساعات التي لا بدّ منها، لكي أصحو على نفس الاهتمام، وكأن كياني اصبح مدمنا على هذا الغرام، كما لو كنت أتغذى وأشمّ أوكسجين حقول الزيتون والبرتقال، عبر هذه الشاشة، وحاش لله أن اعبد الأصنام.

الحادية عشرة ليلا ، لا جديد على شلال الدم الفلسطيني النازف، ولا جديد على أخطبوط الجدار الفاشي الجارف،لا جديد على رجولة الشعب المارد، ولا جديد على مسرحية طريد ومطارد.

السابعة صباحا، تفتح الشاشة الحمراء بدم فلسطيني لا يخطر ببال، فلخصوصيته هالة من المحال، يسبح بحمد الله على رؤوس الأطفال والأشبال، وبإيماءة من رأسه يحرك الرجال، لكي يشمخوا كالجبال، وينالوا من الدين والدنيا حسن المآل.

الخبر: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تنعي القائد الوطني الكبير المجاهد الشيخ احمد ياسين.

"إنّا لله وإنّا إليه راجعون" ورحمة الله على شيخنا الجليل. كنت اعلم أن سيدنا الشيخ مريض، وعندما يشتد المرض تزداد احتمالات الموت الجسدي، والأعمار بيد الله. وكنت اعلم أيضا، أن مجرم الحرب شارون، كان يهدد باغتيال هذا الرمز، الذي استعصى على السجان والسجون، و نائبات الدهر وفقدان العيون، لم يقنط ولم  يهن، ولم يبع و لم يهادن، لم يساوم ولم يسلّم، بل رضي بالقضاء والقدر، ولم يركن إلى وكر أو جحر، ولم يكفر بالبشر، وسار على هدى إيمانه بربه، وثقته بشعبه وأمله في أمته، لم ينهزم ولم ينكسر، لم يتضعضع ولم ينحسر، تمنى الشهادة فنالها، وصبر على ما عليها وما لها، وانطلق من جديد في مسيرة الحرية والتحرير، ناذرا روحه للإنسان ولفلسطين، من يومه هذا إلى يوم الدين.

إنه لا يمر يوم في هذا البلد، دون أن نرى ونسمع مشاهد من فلسطين والعراق، وتعليقات صحفية من شتى الأصقاع، وتحليلات وتوقعات، من السطوح والأعماق، وتقارير مصورة من مختلف البقاع. كل العالم يرى وكل العالم يسمع وكل العالم يتأوه، والدم الفلسطيني والعراقي ينهمر ويتدفق شلالا، والعروبة نائمة بين قيل وقالا، لا تلقى منها إلا سموما وبالا، ترفل في ثياب الذل استسلاما، مالها من حول ولا قوة، ولا بأس ولا نخوة، أطاعت رومها وباعت عرضها وحرّفت قرآنها، نسيت ماضيها المجيد، وفقدت حاضرها العتيد، وتنازلت عن مستقبلها البعيد.

لم أكن أتصور بأن مخلوقا ما، ومهما كان سيئا وشريرا، قد تصل به نزعة العدوان، والقتل العمد ومع سبق الإصرار، إلى هذا الحدّ من الانحطاط وفقدان الآدمية. الجريمة نكراء وتشهد على ماهية القاتل، لم يبق مجال للشك إطلاقا: الصهيونية نقيض للبشرية، نقيض للسلام واللاهوتية. لا مفر أمامنا وقلناها مرارا وتكرارا: فلسطين لنا ، وصراعنا صراع وجود وليس صراع حدود. فعلام الخوف والترهل؟ وعلام الانتظار والتمهل؟ هل المطلوب من الضحية أن تبارك سكين الجزار قبل ذبحها؟ وأن تتلو عليه آية الكرسي لكي يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

إننا لا نريد الموت ولكننا نستعذبه في سبيل الحياة الكريمة. ألم يتجاوز الظالمون المدى؟ ألا يحق الجهاد والفدا؟  هل بقي خط احمر واحد لم يتجاوزه شارون وصحبه؟ هل ننتظر أن يطلقوا صواريخ طائراتهم، وحمم دباباتهم، على رأس الرئيس عرفات، وعلى رحم يتكون فيها في الليل فدائي؟ لنحسم امرنا ونعد عدتنا ونصحو من غفوتنا وندك حصون خيبر؟ انهم يقتلون الرئيس عرفات يوميا، وفي كل ساعة ودقيقة وثانية، وليسوا بحاجة إلى تمزيق جسده بقذيفة. متى سندرك اللعبة؟ ونمتطي أرواحنا ونذود بها عن كينونتنا؟ أم أننا سنغرس رؤوسنا في الرمال ونؤمن بأننا في أمان؟

هذه تساؤلات وربما شطحات، أيقذها شيخنا المجاهد الجليل، الذي ارتقى إلى السماء في آخر الليل، تاركا لشعبه وأمته درسا ليس له مثيل، في الصبر والصمود والتحدي وهو عليل، عليل الجسد سليم الروح، رابض كالأسد كاظم للجروح، خالد إلى الأبد شاهق كالصروح.

إلى هذه الجزيرة الخضراء، ارض الكرامة الغراء، ومنبر الحرية والسيادة الشماء، وصلت يا سيدي الشيخ المجاهد، على جناح الشهادة وصورة المساجد دخلت القلوب إلى صميمها، ورددت الإذاعات والصحف اسمك وذكراك، وتناقلت النساء والرجال والأطفال نبأ استشهادك، دخلت البيوت والقلوب ومعك فلسطين وارض الرافدين، شعب وحكومة وحزب وثورة هبوا لنصرتك، وتأييد قضيتك ومؤازرة جهادك وشعبك. تقبلنا التعازي – التهاني بك في الشارع والمعهد والمؤسسة والاتحاد العربي وفي سفارة فلسطين وأقيمت عليك صلاة الغائب.

فنم قرير العين يا سيدي الشيخ قليلا، فأنت شهيد ولست قتيلا، وانتظر منا الوفاء والجهاد الثقيلا، وإننا على خطاك جيلا جيلا.