العالم لا يشفق على المذبوحين ولكنه يحترم المحاربين! *

نضال حمد/كاتب من فلسطين يقيم في أوسلو

هذه العبارة ليست من بنات أفكاري ولا من أرشيف أحلامي أو بعض أوهامي بل جاءت على حساب شعب فلسطين وآلام الضحايا وعائلاتهم في أرض فلسطين العربية... جاءت على لسان إرهابي لم يعد حيا.. إنها كلمات لمناحيم بيغين أحد أكبر قادة "اسرائيل" الصهيونية وزعيم واحدة من أخطر العصابات الإرهابية المسلحة (الارغون) الخارجة عن القانون، التي حاربت الاستعمار البريطاني في بلادنا. على الرغم من أنه كان ينفذ مخططات الحركة الصهيونية العالمية في فلسطين والعالم العربي منذ "وعد بلفور" السيئ الذكر، ولازال ينفذها بدقة حتى اليوم في عهد بلير الأسوأ.

لقد وردت تلك العبارة في كتاب اليوميات لهذا القائد الصهيوني الذي قاد عصابة (الاراغون( ونفذ مجزرة دير ياسين ومن ثم اصبح رئيسا لوزراء "اسرائيل". في عهده شنت الحرب على لبنان وحدثت مجازر صبرا وشاتيلا بقيادة شارون وزير دفاعه وشريكه في تجمع "الليكود" حينها ووريثه هذه الايام.

كما أنه في عهد بيغين تصالحت مصر السادات مع "اسرائيل" المحتلة والغازية، فنال السادات جائزة نوبل للسلام على خيبته وبيعه لمصر وفلسطين وأمة العرب، ونالها بيغين لقبوله بتفكيك مستوطنة كانت مقامة في سيناء وكذلك إعادة سيناء المحتلة للسادات على دفعات وعبر سنوات واتفاقيات تحد لسنوات طوال من السيادة المصرية على المنطقة المستعادة.

عندما ينال شخص مثل بيغن تلك الجائزة تصبح الأمور مكشوفة ومفضوحة ومعلومة، فالجائزة تعطى أما للذين يخدمون بأفعالهم وأعمالهم وسياساتهم مشاريع الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي المتمثل بالإدارة الأمريكية وحلفائها في العالم. أما الذين لا يوجد مفر من حصولهم عليها لأنهم بجهدهم غيروا فعلا مسار التاريخ (نيلسون مانديلا).

أما أن تعطى الجائزة لمن خذلوا شعوبهم وقاموا بعمليات سلام جعلت الأمور أكثر تعقيدا ولم تأت بسلام لكن بأوهام، (رابين، عرفات وبيرس) فهذا إجحاف وكلام فارغ وسياسة حمقاء تتبعها لجنة هي بالأصل غير محايدة في توزيعها للجائزة وتحديدها لشخصية الفائز. ويكفي للتأكد من تلك الادعاءات العودة لروزنامة جائزة نوبل للسلام وقراءة أسماء من نالوا الجائزة، ورابين جنرال تكسير عظام فتيان وفتيات الانتفاضة الفلسطينية خير مثال على ذلك.

هنا في أوسلو حيث مقر جائزة نوبل للسلام حدثت عدة فعاليات تضامنية منددة ومستنكرة لجريمة اغتيال الشيخ احمد ياسين زعيم المقاومة في فلسطين المحتلة. جرت تظاهرتان أمام البرلمان النرويجي وأمام السفارة "الإسرائيلية" وأقيمت بيوت عزاء بدعوة من أبناء وأصدقاء فلسطين في النرويج، كما تفاعلت فئات المجتمع النرويجي مع القضية، حيث قامت الحكومة بإدانة عملية الاغتيال، وحصلت عدة مواجهات تلفزيونية في برامج التلفزة النرويجية المعروفة بسخونتها، فتمت استضافة سفيرة "اسرائيل" في أوسلو بأحد أهم البرامج الصباحية (تلفزيون الفطور) الذي يبث من الساعة السابعة صباحا، ولوحظ غياب الوجود الفلسطيني تماما، لماذا لا نعرف؟ ولا ندري إن كان أصحاب البرنامج اتصلوا بالمعنيين الرسميين الفلسطينيين في أوسلو أم لا. المهم أن السفيرة تحدث بلغة إنكليزية ممتازة وكذلك بفصاحة صهيونية ووقاحة جعلت من الضحية إرهابيا ومن الجلاد، القاتل والإرهابي ضحية.

في مساء اليوم نفسه واليوم الذي تلاه كان هناك مبارزة تلفزيونية بين رئيس الوزراء السابق كوري فيلوخ الذي انقلب منذ عدة سنوات من صديق لـ"اسرائيل" إلى صديق لفلسطين وبين جماعات اللوبي والضغط الصهيوني في النرويج، في محطتي التلفزيون الرئيسيتين في النرويج، وقد وضع القائمون على البرنامجين سؤالا محددا وطلبوا الإجابة عليه عبر الهاتف، والسؤال يقول: "هل أنت مع اسرائيل في تصفيتها للشيخ احمد ياسين أم لا"؟!

كان الجواب 58% للأسف في برنامج القناة الأولى مع و57% في القناة الثانية أيضا أجابوا مع. ويقال أن عدد الذين اتصلوا بالبرنامج بلغ 15 ألفا من المشاهدين. لكني أضيف وأقول بأن أنصار "اسرائيل" في النرويج وسفارتها بالتأكيد حشدوا كل قوتهم وإمكانياتهم في البرنامجين، لذا كانت النتيجة لمصلحتهم أما عملا بقول بيغن أعلاه أو بسبب غياب التنسيق والوجود الفلسطيني الفاعل رسميا وحتى شعبيا في البرنامج الأول وفي وسائل الإعلام النرويجية. كما قد يكون للدعاية الصهيونية الآخذة بالتصاعد تدريجيا في النرويج بعدما كانت هزمت تماما في السنتين الماضيتين دورها الفعالّ في تعتيم الصورة ونجاح أعداء القضية الفلسطينية في نيل تلك الأصوات المؤيدة للإرهاب الذي تقوم به دولة عضو في الأمم المتحدة، لكن بنفس الوقت لا تلتزم بالقانون الدولي ولا ترضى بقرارات دولية ملزمة.

* جملة شهيرة لمناحيم بيغين رئيس وزراء "اسرائيل" الراحل