شارونية
كيان أم إسرائيلية" شارون؟!
عبد
اللطيف مهنا/شاعر وكاتب من فلسطين يقيم في
دمشق
كشفت
بعض ردود الأفعال العربية على جريمة اغتيال
القائد الفلسطيني، والرمز النضالي العربي،
الشيخ أحمد ياسين، أن بعض النخب العربية قد
عجزت للأسف، أو هي تعاجزت، عن فهم حقيقتين
ساطعتين، ترجمهما قرن كامل ويزيد من الصراع
مع الصهيونية، بل كانتا ماثلتين دائماً
للعيان عبر سنيه، إذ خُطتا على صفحاته
المريرة بالدم الفلسطيني المراق والمسفوح
على مداره، ورسمتهما مع مرور عقوده الحافلة
بالدروس معاناة وتضحيات بل عذابات أمة كاملة
لا زالت أجيالها وستظل تعيش تداعيات هذا
الصراع واستحقاقاته.
الأولى:
هي طبيعة هذا الكيان الصهيوني العدواني
الاستعماري الإحلالي المستحيل التعايش أو
المسالمة معه، والذي يعد وجوده أصلاً نفياً
للآخر، وتقيضاً للسلام والاستقرار في هذا
الجزء من العالم. بل هو يتبرع يومياً ليعيدنا،
رغم ما يضخ في عقولنا من أوهام تكاتف الخارج
مع عجزنا على ترسيخها، إلى حيث المربع الأول،
حيث نواجه أبجديات صراعنا معه، فيذكرنا
بمسلماتنا المنسية لخوضه، وكل ما بدا للبعض،
أو ظنّ مخطئاً، أنه قد عفا عليه الزمن.
والثانية:
هي أن هذه الأمة الكسيرة المغيبة المغلوبة
على أمرها لا تزال، رغم واقع التردي الذي
تعيشه، أو ما يبدو على السطح من أحوالها،
تمتلك مخزوناً كفاحياً هائلاً، ووعياً
عالياً بجسامة الأخطار المصيرية المحدقة
بها، ربما فاق بكثير ما لدى نخبها، بل هو
يتأصل لديها مع الزمن، رغم تهافت أغلب نظمها،
عناداً لا ينقصه إلا أن تقود إصراره إرادة
سياسية طال افتقادها لمواجهة تلك الأخطار
ودرئها، والبدء في أول خطوة، هي متاحة رغم
واقع الحال، في مسيرة نهوضها المنتظرة، التي
طال تأجيلها.
المسألة
الأولى: تبدت أولاً: في قصر نسبة الجريمة
البشعة إلى الشارونية، أو تحميلها إلى شخص
رئيس الوزراء الصهيوني وحده لا السياسة "الإسرائيلية"،
وكأنما هي أول جريمة اغتيال يأمر بها واحد ممن
تعاقبوا على سدة الحكم في هذا الكيان الدموي،
أو أن واحداً منهم لم يفعلها قبله، متناسين
مسلسلاً من الاغتيالات والتصفيات والمذابح
استمر منذ نكبة فلسطين وسوف يتواصل، وآخر
حلقاته نفذها ما يدعى اليسار الصهيوني
المتمثل في حزب العمال وليس اليمين أو
ائتلافه الحاكم راهناً، وأمرت به حمائم
مزعومة، مثل بيرز وباراك ورابين. ومن تلك
الحلقات القريبة اغتيال القائدين أبو جهاد
وفتحي الشقاقي، ومن تلك المجازر مذبحة قانا
وما تلاها من مذابح. أي نحن هنا إزاء ما يعني
الفصل تعسفاً وتزييفاً بين شارونية مجتمع
عدواني و"إسرائيلية" الرجل الذي انتخبه
ليمثله ويعبّر عنه أصدق تمثيل وأوضح تعبير.
بل
إن شارون، وباعتراف "الإسرائيليين"
أنفسهم، الذين لاحظ بعض كتابهم في صحيفة "يدعوت
آحرونوت" كيف أصبح "القتل نوعاً من
الترفيه الجماهيري" لديهم، لم يفعل أكثر من
تحقيق مطلب شعبي "إسرائيلي". ويدعم ذلك،
عديد الاستطلاعات للرأي العام التي قالت أن 60%
من "الإسرائيليين" يؤيدون جريمة
الاغتيال، مع إدراك 81% منهم بأن ارتكابها سوف
يزيد من تصعيد العمليات الفدائية الفلسطينية
ضدهم، أو كما تقول المصادر "الإسرائيلية"
وضع "الإسرائيليين" في حالة انتظار "العملية
الكبرى"، حيث تصف تلك المصادر نفسها انعكاس
ذلك الانتظار بالقول أن "الشوارع خالية،
والحافلات فارغة والأسواق مقفرة". أي أن
"الإسرائيليين"، أو هكذا مجتمع هو من
طبيعة مجتمعهم، يعيشون فصاماً، أو حالة
تتناهشهم فيها الرغبة في ممارسة القتل كترفيه
جماهيري، وفق تعبير كاتب "يدعوت آحرونوت"
المشار إليه، والرعب جراء توقع الرد
الفلسطيني على الجريمة التي يؤيدها غالبيتهم.
وثانياً:
في الكلام جزافاً عن الخطأ الجسيم في
الحسابات الذي ارتكبه شارون حول مردود
العملية من الناحية الاستراتيجية، عندما أمر
وأشرف بنفسه على تنفيذ جريمة الاغتيال
النكراء، وكأنما، وهو الذي أفاد من مناخ
إقليمي ودولي مناسب في مواصلة سياسته
المتمثلة في انتهاج سبل الإبادة السياسية
لشعب كامل، عبر فل إرادته المقاومة، واستهداف
رموزها النضالية، وفي سياق حرب مفتوحة ومعلنة
لا خطوط حمر فيها، لم يدرس سلفاً ردود الأفعال
المحلية والإقليمية والدولية على ما أقدم
عليه، ويجري حساباته الدقيقة حولها.
ترى
ما هو كنه ردود تلك الأفعال كما شهدتها الأيام
التي تلت الجريمة، وكيف وظفها أو سيوظفها
شارون في سياق سياساته المقبلة؟
"إسرائيلياً":
بالإضافة إلى تأييد غالبية "الإسرائيليين"
لاقترافها، وفق ما أشرنا، وحّد شارون اليمين
"الإسرائيلي" المتطرف خلفه، بعد أن سبق
وأن وحّد اليسار خلف كلام عام عن نيته تنفيذ
خطته الموعودة المعروفة ب"الانفصال من طرف
واحد"، كما تهرب بفعلته هذه من استحقاق
موشك لحجب الثقة عن
حكومته في الكنيست، بل هو استثمر جريمة
اغتيال القائد الفلسطيني الشهيد في توحيد
جبهته الداخلية، الأمر الذي وصفته "يدعوت
آحرونوت" بـ"إصابة عصفورين برشقة
صاروخية واحدة: أولاً إعدام المقعد المكروه
جداً في "إسرائيل" أدى إلى تخليصه من
صورة الانهزامي وأعاده إلى مكانه "أريئيل
ملك إسرائيل".. وثانياً، تعزيز تحالف بين
حزب الله وحماس وفتح في غزة هو البرهان الأفضل
على عدم وجود شريك تفاوضي في الجانب الآخر
للتحدث معه حول التنازلات المؤلمة في الضفة"!!!
إقليمياً،
أو بالأحرى عربياً: الواقع أنه ليس هناك ما
يدعو شارون للقلق المسبق لتداعيات ما اقترفه
في غزة، بل لعله سخر من كلام المندوبين لدى
جامعة الدول العربية المجتمعين في مقرها
لتداول أمر الجريمة عندما طالبوا بما دعوه
"ردع فوري وجدي للحكومة الإسرائيلية"،
بينما هو يلاحظ، وبعيداً عن كومة من عبارات
الاستنكار والإدانة، أن القمة العربية
المزمعة التي نحن على أبواب انعقادها الموشك
في تونس لازالت تبحث عن جدول أعمالها
المفقود، بعدما توافقت كما يشاع سلفاً على
تأجيل مشروع إصلاح آليات أداء الجامعة
المختلف حوله إلى قمة الجزائر التي سوف تتلو
بعد عام، والأمر ذاته حيال مشاريع درء
الإصلاحات الوافدة وفق الأجندة الأمريكية أو
الأوروبية التي يراد فرضها عنوة كما تبشر
بذلك شرق أوسطية بوش الموسّعة أو النسخة
الأوروبية الموازية لها. بحيث لا ندري بعد
شجبها المؤكد لعملية اغتيال الشيخ أحمد
ياسين، ماذا تبقى لهذه القمة لتبحثه سوى ما
اعتادت بحثه، وما الذي سيصدر عنها مخالفاً
لما تعودنا صدوره؟!
دولياً،
لنطرح جانباً، الموقف الأوروبي المنافق،
الذي يكفي للدلالة عليه توضيح خافير سولانا
منسق الشؤون السياسية والأمنية للاتحاد
الأوروبي، مثلاً، عندما سأله الصحافيون حول
التناقض الذي يقع فيه هذا الاتحاد عندما يدين
عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين، التي يصفها ب"الإعدام"،
وهو الذي يعتبره هو والمنظمة التي يتزعمها
إرهابيان؟
قال
سولانا: نحن لا ندين القتل ولكن طريقته!!!
ولنطرح
جانباً أيضاً، موقف ما تسمى بالرباعية، التي
اجتمعت في القاهرة، وخرجت بكلام عن استئناف
عملية السلام، وإحياء "خارطة الطريق"، و"الخروج
من دائرة العنف المتبادل، والعودة إلى طاولة
المفاوضات". أو حتى التأييد الأسترالي
المتوقع من الدول الأنغلو- سكسونية للاغتيال..
يبقى، الموقف الأمريكي، ولعله هنا بيت القصيد
بالنسبة لشارون. وهو الموقف الذي يمكن وصفه
بالثابت إزاء ما يسميه الأمريكان تلطيفاً بـ"القتل
المستهدف"، والذي كان بامتياز تغطيةً
متوقعةً للجريمة، يؤكد هذا الفيتو الأمريكي
في مجلس الأمن على مشروع قرار بإدانة الجريمة
"الإسرائيلية". ثم أنه وعلى الرغم من زعم
كونداليسا رايس، والناطق باسم الخارجية، بأن
لا علم مسبق للأمريكان بما حدث، فإن حدثاً
بهذا المستوى وبهذا الحجم، لا يمكن لعاقل
يتابع شبه العلاقة العضوية بين الولايات
المتحدة و"إسرائيل" وتعاظم صهينة
السياسة الأمريكية، إن يتصور حدوثه دون تشاور
مسبق بين تل أبيب وواشنطن... ويؤيد هذا قول
الرئيس بوش معقباً: "من حق إسرائيل الدفاع
عن نفسها"!
المسألة
الثانية، أو الحقيقة الأخرى، التي قلنا أن
كثير من النخب العربية قد عجزت أو تعاجزت عن
فهمها، إلى جانب عجزها عن فهم طبيعة عدوها، هي
طبيعة هذه الأمة، التي قلنا أيضاً، أنها
تمتلك مخزوناً كفاحياً، ووعياً عالياً،
وممانعة صلبة بما يفوق تصور الانهزاميين بين
ظهرانيها، ولا أدل على ذلك من تلك الغضبة
الفلسطينية والعربية والإسلامية التي ترجمها
الشارع ولا زال عقب حدوث الجريمة..
فلسطينياً،
تكفي الإشارة إلى ما لاحظته صحيفة "يدعوت
آحرونوت" "الإسرائيلية" إياها، من أن
"الناصرة قد أصبحت غزة" إثر جريمة
الاغتيال. أما عربياً فالأمة كلها من محيطها
إلى خليجها عبّرت عن غضبتها، وطافت شوارع
أغلب عواصمها المظاهرات الرافعة "مقعداً
متحركاً"، بما أصبح يعنيه ويرمز إليه هذا
المقعد في وجدانها... والأمر نفسه يمكن سحبه
بشكل أو بآخر إسلامياً.. لكن لعل أكثر ما يشير
إلى عظمة هذه الأمة كان عراقيا هذه المرة،
وكان عميق الدلالة، وكان في أمرين:
الأول: انتصار بغداد المحتلة للقدس المحتلة، أي وقوف المكتوين بنار الاحتلال مع أشقائهم الرازحين تحته.. أن يستشهد العراقيون برصاص شرطة بريمر وهم يشجبون اغتيال الشيخ أحمد ياسين.. أن تتظاهر الموصل وكربلاء المحتلتان مع نابلس والخليل المحتلتين.. وأن تعلن مسؤوليتها عن غارة على مطار المثنى المحتل إحدى فصائل المقاومة العراقية تطلق على نفسها كتيبة الشيخ أحمد ياسين.. والثاني: سبق حدوث جريمة غزة، عندما وقف إمام أحد مساجد السنة الذي تمت مهاجمته في سياق استهداف وحدة العراقيين، يؤبن ولده وصهره المغتالين مع سواهما إبان الهجوم قائلاً: "إنهما ليسا أفضل من قتلى كربلاء والكاظمية".. كأن يريد أن يقول أن الضحية واحدة والقاتل واحد.. ولو أن جريمة غزة قد حدثت حينها لما تأخر في ضمها لسابقتيها من حيث الإشارة إلى ذات الجاني وذات الضحايا!