لا
ديمقراطية في غياب السيادة الوطنية
د.
عبد العزيز المقالح/شاعر وأكاديمي من اليمن
الدعوة إلى الحرية
والعدل والديمقراطية جديرة بالتقدير
والاحترام وإن من أي فضاء تهبط، ومن أي نفق أو
ثقب تخرج حتى لو كان ذلك الثقب للثعابين، بشرط
أن تكون هذه الدعوة مصحوبة بممارسة عملية
وبإلحاح على التطبيق وليس لهدف سياسي، قريب
أو بعيد، أو لتغطية جريمة بشعة، فالكلمات
المشار إليها ليست معبرة عن أشواق الإنسان في
العصر الحديث، بل كانت تسكن وجدان البشرية
منذ بدأ الإنسان يشعر انه إنسان حر، وليس
عبدا، ولا حيوانا، وأن الله تعالى أوجد البشر
جميعا متساوين في الخلق وفي الحقوق، وفي
الإحساس بالألم والشعور بالجوع والرغبة في
الأمان والبحث عن الاستقرار.
لكن الدعوة إلى الحرية والعدل والديمقراطية
تفقد أهميتها ومعناها، وتتحول إلى شعارات
خادعة حين تأتي نفيا للسيادة الوطنية أو
لأهداف سياسية مؤقتة أو لتغطية جريمة بشعة
كاحتلال العراق ـ مثلا ـ أو مساندة الصهيونية
النازية بالمال والعتاد.. لذلك لا ولن تجد هذه
الدعوة من يلتفت إليها، بل ستجد الكثيرين ـ
وفي الساحة بخاصة ـ يتساءلون: لماذا الحديث عن
الديمقراطية الآن وليس قبل هذا الوقت؟ أين
كانت واشنطن عندما كانت سجون الأقطار العربية
تغص بالمعارضين والمطالبين بالحرية والعدل
الاجتماعي؟ ولماذا استيقظ الاهتمام بهذه
المنطقة بعد أن بدأت بعض الأنظمة تتجه من
تلقاء نفسها إلى الأخذ بإصلاح أوضاعها
السياسية، وفتح المجال للمشاركة، وإن في
إطارات ضيقة؟
إنه التعبير الموروث الذي يشير إلى كلمة الحق
الذي يراد به الباطل. والدعوة إلى
الديمقراطية، في هذا السياق بخاصة، لا تمتلك
صفة واحدة من صفات الحق العظيم، ومع ذلك فأنها
لا ينبغي أن تصرف الناس والأنظمة عن متابعة
الإصلاح السياسي، وانتهاج طريق الديمقراطية.
إن الدخول في عملية إصلاح حقيقي وجذري في
الأنظمة العربية هو الرد الصحيح على الدعوات
المشبوهة والمفرغة من كل معنى، وهو السبيل
إلى حماية الاستقلال والسيادة الوطنية، وإلى
فضح هؤلاء الذين يحاولون الجمع بين ممارسة
الاحتلال والدعوة إلى الديمقراطية.
والمواقف الصادقة والمخلصة من جانب الأنظمة
العربية في الانفتاح، وتطوير أساليب
المشاركة كفيلة بتعرية كل الشعارات المفروضة
على العرب في هذه المرحلة العاصفة، وفيها
تعرية كافية للعملاء والجهلاء الذين يسيرون
وراء كل ناعق، ولا يدركون العلاقة الثابتة
بين الحرية والسيادة الوطنية، وبين هؤلاء ـ
للأسف الشديد ـ مثقفون مخدوعون وخادعون، وهذا
ما تنبه إليه الشاعر الكبير/محمود درويش الذي
قال قبل أسابيع: انه من السهل التوصل إلى
تعريف جنس الملائكة من التوصل إلى تعريف جامع
للمثقفين العرب، وأن هناك مثقفين عربا
يتباهون باستقبال الديمقراطية على ظهر دبابة
أمريكية، ولا يكفون عن الاعتذار عن إيمانهم
بمبادئ الحرية والكرامة والاستقلال، بل هناك
من يستطيع أن يروج ليس للزمن الأمريكي فقط،
وإنما للزمن "الاسرائيلي".
ذلك بعض ما قاله محمود درويش، وهو على حق،
فالجمع بين ممارسة الاحتلال والدعوة إلى
الديمقراطية يثير السخرية ويجعل من المستحيل
على المثقف العربي وغير العربي أن يقتنع، من
قريب أو بعيد، بأن الغزاة وأصحاب المصالح هم
دعاة للعدل والحرية، وأن معاناة الشعوب، وما
تكابده من قهر واستعباد تعني هؤلاء الغزاة أو
تحرك عواطفهم الميتة، وإذا كان ممكنا أن
تتحول الذئاب إلى حمائم والصقور إلى عصافير،
فإن الغزاة يمكن لهم أن يكونوا دعاة للحرية
وأنصارا للعدل وناشرين لألوية الديمقراطية،
وحتى يتم ذلك الذي يتنافى مع حقائق الوجود،
فأننا سنظل في حالة شك، بل في حالة يقين من أن
قوات الاحتلال لن تكون في يوم من الأيام قوات
للعدالة والديمقراطية.
تأملات شعرية:
أيها الخائفون من الضوء
شيء من الحب للوطن المتوجس خوفا
وشيء من الصدق
يمنع أشجارنا إن تلوذ بأعدائها
وتبيع الكرامة للعاصفة.
أيها الخائفون من الصوت
إن العصافير حين تغني
تغادر أحزانها
وتهدهد بالصوت أوجاعها النازفة.