أسرار
مي زيادة لا
تزال طي الكتمان..
لماذا
اختفى مخطوطها عن (ليالي العصفورية)؟
(السر
الموزع) هي عبارة اختارتها الأديبة مي زيادة
عنواناً للأقصوصة التي كتبتها
ونشرتها في مجلة الرسالة
القاهرية في عددها الرابع لعام 1935 ووقعتها
باسم الآنسة
مي، وهو واحد من الأسماء
العديدة (كنار عائدة)
التي كانت توقع بها إنتاجها الأدبي
المتعدد الأنواع والموضوعات.
لم
تكشف مي في أقصوصتها
ماهية السر الموزع لصاحبة
الثوب (ذي الزرقة الكهربائية) وبطلة القصة ولا
هويتها ولا
السر الموزع للفتى الدون جوان
ولا هويته، إذ تتعرض البطلة أو تعرض نفسها لا
فرق لإحدى
غراميات فتى على نمط دون جوان: سار نظره
رسولاً إلى أعماق عينيها، فاهتدى
هناك إلى شيء كان يطلبه، ولم
تدر هي ماهيته، وكان وجهه جاداً، ونظره
جاداً، شأن
الرجل عندما ينبه إلى أمر هام..
فجمدت الابتسامة على شفتيها، وكأن الذي وجده
فيها
يسأل السر الذي بعث به نظره: (ماذا؟؟)
(فخيل إليها أن سره يجيب) أردت أن أنبهك
فقط.. لأنك نبهتني وأنت تعلمين،
هكذا بقي السر الموزع للآنسة مي خفيا بانتظار
أن يأتي
من يبحث عنه.. وأتى هذا الكتاب كمحاولة أولى
للبحث عن ذلك السر الموزع.
الأديبة
مي زيادة هي تلك
الفتاة الجميلة ساحرة
الأنوثة، شرقية السمات، خفيفة الروح، التي
يشع من عينيها ذكاء
نادر وحزن مكبوت، تلك النجمة
اللامعة في سماء الأدب العربي، ملأت عصرها
بالحديث
عنها، وكانت قطب الرحى ومدار
الاهتمام لأدباء عصرها، وكانت قصتها قصة ذلك
العصر بكل
ما فيه من ألق الفكر وعمالقة
الرجال، أو هي واسطة العقد بالقياس إليهم،
وبما كانت
عليه من جمال وذكاء ونبوغ
جعلها محور الاهتمام، وحديث المهتمين بالفكر
والثقافة
وعالم السياسة، تعذب بحبها كل
أدباء عصرها، وقد كثرت رسائلها إليهم
ورسائلهم إليها،
وفيها الكثير مما يثير جنبات
نفوسهم، ولم تقتصر رسائلها على القريبين
منها، بل
امتدت إلى غيرهم مثل جبران
خليل جبران الذي لم تره قط، وإن جمع بينهما
وحدة المشاعر
والشغف بالأدب والفكر، وبقدر
ما أسعدت كل من كان يتردد على صالونها الأدبي
الأسبوعي
كل ثلاثاء والذي شغل أهل
الثقافة في المشرق والمغرب، من كبار أدباء
عصرها (خليل
مطران طه
حسين لطفي
السيد
أحمد شوقي مصطفى
صادق الرافعي الشاعر
إسماعيل صبري)
عاشت التعاسة والوحدة وتنكر
لها الأقارب، الذين سجنوها قسراً بعد أن
استدرجوها من
مصر إلى لبنان بين طيات جدران
صماء في مشفى للأمراض النفسية، إلى أن عادت
إلى مصر
التي أحبتها لتتنسم نسمات
الحرية وتكمل حياتها مملوءة بالأسى والحزن
والانكسار.
وقد
أثارت الأسرار التي
اكتنفت تلك المرحلة القائمة من
حياة مي شغف الباحثين والقراء على السواء،
وكلما صدر
كتاب جديد عنها توقعوا أن يسلط
الضوء على تجربة الحجر النفسي التي جعلتها
تفقد
ألقها وجمالها الخاص. لم يأت
الكاتب بجديد عمن سبقه في الكتابة عن هذه
الشخصية،
ولاسيما حياتها العاطفية،
سواء منه الحقيقي أو ما يقع ضمن الشائعات ولم
يخرج عما
حوته الرسائل المتبادلة بين مي
وبين أعلام الأدب في مصر ولبنان، وإن
الدراسات
العلمية لنتاج مي بحسب المؤلف
لم تكشف إلا الجزء المعروف من سيرتها، أو أنها
شبه
غائبة مع استثناءات قليلة
جداً، الأمر الذي جعل الكتابات عنها في
الجانب الوجداني
من نتاجها، ربما أراد فاروق
سعد أن يكشف عن العالم الحقيقي الذي عاشت فيه
مي، وهو
حتماً غير ذلك العالم المصطنع
المتكلف الذي تناولته الكتب عن سيرة حياتها،
من خلال
إماطة اللثام عن الأسرار التي
أحاطت بحياة مي، مستنداً في ذلك إلى المنهج
العلمي
والبحث الاستقرائي الاستدلالي
عن معالم الحياة العاطفية في آثار مي
المختلفة سواء
من أبحاث ومقالات وشعر
ومذكرات، وأقاصيص وسيرة ومسرح وخطب
ومحاضرات، وحتى الترجمات
والسيناريو، مفنداً الكثير من
الآراء حولها مؤيداً ونافياً في بعض
الأحايين، مدعماً
حججه بالشواهد والأدلة.
لا
نكران لما كان للأديبة
مي من أثر في الحياة الأدبية في
عصرها، سواء في قيمتها الأدبية والفنية في حد
ذاتها، أم لما كان لها من أثر
في شحذ همم من حولها من أدباء ومفكرين وشعراء،
ويكفي
دلالة على ذلك كما تذكر بعض
الدراسات عنها، إن كتاب (أوراق الورد) للرافعي
من وحي
إلهامها، ولعل لهذا السبب كان
إيثاره وتقديره له على ماعداه من كتبه
وتصانيفه وإن
كان إعجابه به قد انصب على
موضوع واحد من موضوعات هو (سر النبوغ) الذي
يقول عنه أنه
وحده مجموعة لا نظير لها في
الأدب العربي.
وفي
رأي المؤلف، أنه سعى في
السر الموزع لدحض المبالغات
والمزاعم الكثيرة التي لا أساس لها حول مي،
متابعاً
تدقيقه في صحة الأخبار
المنقولة عنها، ولاسيما علاقتها بأهل الفكر
والأدب، والتي لم
يتجاوز عندها حدود الثقافة
والبراءة، ولعدم توافر أدلة على صدق
التجاوزات العاطفية
لهؤلاء الذين انطوت كتاباتهم
ومن بينها رسائلهم، خلفوها
وراءهم التي لا تشوبها
شائبة ظن أو شك في صدورها عن
أصحابها (أحمد لطفي السيد الدكتور
زكي مبارك طه
حسين إسماعيل
صبري باشا شبلي
الملاط شبلي
شميل أمين
الريحاني)، على شطحات عاطفية،
إلا أنه لا يمكن الجزم بأن يكون
الأمر في نفوس هؤلاء المغرمين توقف عند هذا
الحد،
وفي هذا يدحض مزاعم سلامة موسى
في علاقة مي مع شبلي شميل الذي كان يحب مي
ويعاملها
كما لو كانت طفلة، ينتقد
المؤلف أعلام الأدب من الذين عاصروا مي بقوله:
"وكأنهم،
وحدهم دون غيرهم من فئات
المجتمع يتمتعون بالمؤهلات الدونجوانية
والكازانوفية التي
تخولهم أن يكونوا فرسان أحلام
الصبايا، وكأن لزاماً على مي أن تحصر
اختيارها بفتى
أحلامها أو شريك حياتها من بين
هؤلاء الأدباء وحدهم دون سواهم"، لمجرد
أنهم يتوهمون
أو يتخيلون ذلك أن يوحون به، أو
ينسب إليهم!! حتى بعد وفاة مي أطلق عدد من
الكتاب
مخيلتهم الخصبة في تركيب
الأخبار والروايات عن غراميات مزعومة لمي،
ويقول المؤلف:
لو عاشت مي وقرأت الحلقات
المتسلسلة (الذين أحبوا مي) التي نشرها كامل
الشناوي، وما
تضمنته من مزاعم عن علاقتها
العاطفية بزوار صالون الثلاثاء الأدبي
لأقفلت بابه في
وجههم، ويتابع المؤلف حججه
الناقدة باعتماده على رأي حسمت فيه الأديبة
سلمى الحفار
الكزبري الجدل في علاقة مي
بالرافعي، مفاده أن إعجاب مصطفى صادق الرافعي
بمي لا
يعدو كونه اندفاعاً عاطفياً
منه قابلته مي بمنتهى اللياقة والكياسة
والمودة، كما هو
حالها مع من عرفتهم من أهل
الأدب سواء في مراسلاتها معهم أو في لقاءاتها
في صالونها،
شأن سلامة موسى مثلاً، بعد أن وجه انتقاداً
لزعم كامل الشناوي حول ماهية
مشاعر مصطفى صادق الرافعي تجاه
مي أو أنه قد جن بغرامها، وكتب أوراقاً
كالتميمة
علقها على سارية بأعلى منزله
ظناً منه أنها تجلب له قلبها وتحببها فيه،
لدرجة فكر
باتخاذها ضرة لزوجته،
وبالنسبة للأديب الكهل ولي الدين يكن، فقد
ربطت بينه وبين مي
صداقة وطيدة، ولم يقف الأمر
عنده حد الإعجاب بل تجاوزه، إذ وجه إليها
رسائل ضمت
أحياناً من التذلل إليها ما
تجاوز شعره فيها، وكان يسرف في التذلل إلى حد
يبدو أنه
كان يتلذذ به، لاسترضائها إلى
درجة التصريح بتقبيل قدميها بكل إجلال كما
ورد في
رسائله، دون صدود منها.. وهنا
يذهب المؤلف إلى دحض أن (ولي الدين) أحب مي
باشتهاء
وجسارة بحسب سلسلة المقالات
التي كتبها كامل الشناوي في جريدة أخبار
اليوم المصرية
في الخمسينيات من القرن
الماضي، إذ ليس من الحب ما عبرت عنه أبيات شعر
يكن الشعرية،
وأوردها سعد كبرهان على ما
يقوله في كتابه.
يفند
المؤلف في نهاية بحثه
عن السر الموزع الذي استعار
عنوانه من عنوان أقصوصة مي، من وجهة نظر شخصية
بقاء مي
زيادة دون زواج لسببين رئيسيين
أولهما، إنها لم تجد ممن عرفتهم رجلاً يقدرها
ويستأهلها إلا جبران خليل
جبران الذي كان يعيش في المهجر وتنصل منها كما
تنصل من
غيرها، فموقفه من الزواج كان
سلبياً مع جميع من عرفهن من النساء انتهاء
بميشيلين
وتيللر وماري هاسكل التي أكدت
في يومياتها أنها هي التي رفضت عرض جبران
الزواج بها،
وكذلك صدمة مي العاطفية في
مراهقتها وفشلها في خطوبتها من ابن عمها
البديل عن شقيقه (جوزيف) الذي أحبته وتخلى
عنها لمتابعته دراسته الطبية العليا في فرنسا
وتزوج من
امرأة فرنسية.
ستظل
حياة مي وأسرار الفترة
التي قضتها في مستشفى الأمراض
العقلية مجهولة وغامضة مادام مخطوط كتابها (ليالي
العصفورية) الذي سطرت به مي تلك
الفترة مفقوداً ولا يزال.
الكتاب:
السر الموزع للآنسة
مي
المؤلف:
الدكتور فاروق سعد
إصدار:
دار الثقافة بيروت
2003