ضعـف
واستضعــاف بلا حــدود
د.
عصام نعمان *
إستضعفوك
فوصفوك.
هذا
هو حال العرب اليوم. الضعف في كل مكان وعلى
جميع المستويات، ولعل أخطر أنواع الضعف
انعدام الإرادة إذ يفضي إلى انعدام الوزن.
أجل،
العرب اليوم في حالة انعدام الوزن، وعندما
يكونون كذلك يوفّرون للأعداء والخصوم
والمتربصون بهم فرصا شتى للنيل منهم
بكل الوسائل المتاحة.
استضعفوك
فوصفوك.
هذا
هو حالنا اليوم: لا حدود لضعفنا، ولا حدود لما
يمكن أن يفعله أعداؤنا بنا.
كنا
نشكو، غالب الأحيان، من أننا لا نمارس حيال
أفعال الأعداء والخصوم إلاّ رد الفعل.. اليوم
لا نمارس حتى أبسط أنواع ردّ الفعل.
لا
فعل ولا رد فعل.. أليس هو الضعف الساطع بأجلى
حدّته وفظاظته؟
هذا
الحكم القاسي لا ينطبق على المقاومة
والمقاومين، إنهم الاستثناء الذي يؤكد
القاعدة، ليس "قاعدة" اسامه بن لادن بل
قاعدة الضعف السادر، الشامل، الطاغي، الكثيف
الذي يخيّم علينا من المحيط العاثر إلى
الخليج الفاتر.
لأننا
على هذا القدر من الضعف، لا يتوانى الأعداء عن
استضعافنا في كل آن ولأي سبب أو دافع أو غرض.
إن
المرء ليعجب كيف لا يستضعفنا أعداؤنا أكثر
مما يفعلون، لعل مرد ذلك إلى أسباب وعوامل
واعتبارات تتعلق بالأعداء والأغيار وليس
بأصحاب الدار.
قلنا
أن حال الضعف لا تنطبق على المقاومة
والمقاومين، هؤلاء انتصروا على الضعف في
نفوسهم فأصبح في إمكانهم أن يقتنصوا العدو في
مواطن ضعفه، فالمقاومة، في التحليل الأخير،
هي صراع إرادات ميدانها الأساس مكامن الضعف
في أوضاع الأطراف المتصارعين، كل طرف يحاول
اقتناص الطرف الآخر في مواطن ضعفه، بهذا
المعنى تبدو المقاومة في جوهرها فعل ذكاء
وتدبير أكثر مما هي فعل قوة وتدمير، غير إنها
تبقى، في كل الأحوال، مشروطة بتوّفر الإرادة..
إرادة الفعل والتصميم على ممارسة مزيد من
الفعل.
كان
ثمة سياسي لبناني يعتقد أن قوة لبنان في ضعفه،
ترتّب على اعتماد هذه السياسة أن ضعفت الدولة
حتى استقوى عليها الأطراف المحليون
المتنازعون، ثم ما لبث الأطراف الخارجيون إن
حضروا أو استحضروا، كلٌ لمأربٍ في نفسه أو في
نفس من استدعاه، إلى ساحة الصراع وتصفية
الحسابات حتى أصبح لبنان، سحابة خمس عشرة
سنة، ميداناً لـِ "حرب الآخرين" على أرضه.
اليوم
يبدو حكام العرب، في غالبيتهم، وكأنهم
اعتمدوا، اختيارا أو اضطراراً، سياسة "قوة
العرب في ضعفهم"!
معنى
هذه السياسة التوقف عن التماس أسباب القوة
والإمعان في التزام قواعد الهدوء والحيطة،
والإقلاع عن التصدي للمعتدي، والحرص على
معاملته بالحسنى ليقلع من تلقاء نفسه عن غيه،
والاحتماء بالقوي لرد كيد الضعفاء الذين
يتنافسون على طلب رضاه!
أمّا
مؤدّى هذه السياسة فاستسلام مريح بغبطة وهدوء
للقدر الذي أصبح له اسم عَلَم يُدعى أمريكا!
أمَا
لضعفِ العُربِ آخر؟
بلى،
شريطة أن نعترف بأن ضعفنا ليس حال حكامنا فحسب
بل هو أيضاً واقع شعوبنا.
صحيح
أن مسؤولية الحكام أكبر لأن قدرتهم على
التصحيح أفعل، لكن صرخة الألم ودق ناقوس
الخطر وإيقاظ النيام وهتك الأوهام تأتي دائما
من "تحت" وترتقي لتدوّي على مستوى "فوق"
حيث أهل الحل والعقد.
الانتفاضة
من "تحت" لتحريك من هم "فوق" لم تحدث
بفعالية بعد ربما لأن النخبة أو الطليعة لم
تتكوّن، أو لم تختمر، أو لم تتحرك على نحوٍ
فاعل بعد.
النتيجة
تبقى هي هي: ركود واستكانة تحاكي الاستسلام
الكامل.
ليس
أدل على أن الانتفاضة ممكنة ما حدث في لبنان
أباّن الاحتلال "الإسرائيلي" العام 1982،
فقد نهضت النخبة أو الطليعة بمسؤوليتها
وتجاوب معها الجمهور،
أو معظمه، فأمكن قيام مقاومة منظّمة، طويلة
النَفَس، شجاعة وحكيمة في آن، وحققت بالتالي
انتصاراً مدوّيا.
الأمر
نفسه حدث في فلسطين قبل لبنان، لكن الصعوبات
والتحديات كانت أكبر وأكثر تعقيداً فما أمكن
للانتفاضة أن تحقق النصر المشتهى بعد.
لعل
العامل الأساس في كبح الانتفاضة الفلسطينية
هو هجمات أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن
التي دفعت إدارة بوش إلى الانتقال من موقف دعم
"إسرائيل" إلى موقف مشاركتها في الهجوم
الشامل الذي تشنه على الوجود العربي بكل
مضامينه وأشكاله ومؤسساته.
لقد
أصبحنا هدف حرب شاملة من طرف الولايات
المتحدة و"اسرائيل" في آن، غير أن ردة
فعلنا على صعيدي الوعي والحركة لم ترتقِ بعد
إلى مستوى فهم المعركة على هذا الأساس.
القصور
في الوعي والحركة وبالتالي المواجهة
العربية للهجوم الأمريكي الصهيوني سمح لـ"إسرائيل"
الشارونية، مدعومةً بإدارة بوش
الإمبراطورية، بتصعيد هجمتها الوحشية على
الانتفاضة الفلسطينية التي بلغت إحدى ذراها
باغتيال مؤسس "حماس"
وقائدها الشيخ احمد ياسين، رحمه الله، هذا مع
العلم أن الهجمة الشارونية هي جزء من الهجوم الإمبراطوري
الأمريكي الشامل الذي يستهدف الأمة العربية
كلها ويرمي إلى إعادة تشكيل المنطقة على نحوٍ
يخدم المصالح الأمريكية في الحاضر والمستقبل.
ما
لم يرتقِ فهمنا للأحداث إلى مستوى الربط بين
الهجمة "الإسرائيلية" والهجوم الأمريكي
الشامل ومواجهتهما معاً، فأن وعينا سيبقى
قاصرا وقدرتنا على الرد والمواجهة ستبقى
خجولة ومحدودة.
مهما
يكن من أمر، فإن الشارع العربي، على الأقل،
مدعوٌ إلى الانفعال بالحدث الفلسطيني الجلل
وبالتالي التأجج والتحرك بفعالية لمجابهة
الهجوم الأمريكي الصهيوني بجدارٍ عال من
الممانعة والرفض والتعبئة الوطنية والفعالية
الشعبية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة
والعالم.
العرب
جميعاً مدعوون لسلوك هذا النهج، اقلهم عرب
دول الطوق – مصر والأردن وسوريا والعراق
ولبنان – وذلك لضمان حالة من الغليان والحركة
الفاعلة، السياسية والميدانية، تمنع شارون
وعصابته في موسم
الانتخابات الأمريكية من
افتراس الشعب الفلسطيني وشلّ مقاومته
الباسلة، وتمنع إدارة بوش من إخضاع شعب
العراق.
ومع
أننا لا نأمل خيرا من مؤتمر القمة في تونس،
فإنه لا يسعنا إلاّ مصارحة أركانه بأن عدم
ارتقائهم إلى مستوى خطورة المرحلة بعامة،
والأخطار التي تتهدد الشعب الفلسطيني بخاصة،
سيعمق فجوة الثقة بين الشعوب وحكامها وربما
يوسّع رقعة السخط والكراهية والعداء لتطاول
أجزاء واسعة من الداخل العربي.. فهل يعقل أن
يعالج القادة، أو بعضهم، تحديات بالغة
الخطورة وسريعة التطور والتفجّر ومصيرية
الطابع بعقلية الحضيض وهم في مرتبة القمة؟
الحكمة
مطلوبة دائما في سلوك الحكام، لكنها إذا لم
تكن مقرونة بالشجاعة في ظروف تتطلب الكثير
منها، فإنها تغدو تعبيرا فظاً عن الخنوع
والهوان.
كم
من أندلس وفلسطين، بل كم من قرون وأجيال،
يلزمنا كي نعود أمة لا تضحك من جهلها - وخنوعها
– الأمم؟!
*
دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف -
وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي (لبنان)