أسئلة لا تنتظر الإجابة

حياة الحويك عطية/كاتبة من الأردن

"ليست الخطة الأمريكية اكثر من مجرد تغليف جديد يقدم التدخل الأمريكي في العراق بشكل جديد ومقبول للناخب الأمريكي، قبل موعد الخيار الرئاسي" هكذا تنظر  الأوساط الفرنسية الى المبادرة الأمريكية بخصوص "الشرق الاوسط الكبير".

لكن الامر يستوجب رغم ذلك تعليقا جديا  بحسب اوساط وزير الخارجية وهذا ما فعله  دومينيك دو فيلبان محدداً أسساً في غاية الخطورة والجذرية سواء ما تعلق منها بعملية التغيير نفسها، او ما تعلق بصيغة المشروع الأمريكي.

موقف سرعان ما بدا ان الاوروبيين والعرب قد انحازوا اليه، ان لم يكن عن قناعات مبدئية فإنما عن ضرورات مصلحية وجودية.

ومن هنا السؤال: هل كانت ردة الفعل المشتركة هذه وراء التراجع الأمريكي الذي عبر عنه جروسمان وسواه، ام انها اعطت الادارة الأمريكية فرصة التراجع عما لم تكن تنويها جديا منذ البداية؟

الموقف الفرنسي تركز على نقاط جوهرية: اولها ذاك المتعلق في جوهره بالخيار التاريخي المبدئي بين صراع الحضارات، ام حوارها: عندما قال في اكثر من مجال وعلى لسان وزير الخارجية نفسه ان اعتماد ما سمي برقعة الشرق الاوسط الكبير يعني اعتماد معيار واحد في الجمع بين المجتمعات والدول التي ضمها، هو معيار الاسلام، أي معيار ديني بحت، مما يجعل المعادلة تكتسي شكلا خطيرا جدا هي المواجهة بين غرب مسيحي وشرق مسلم.

وإذا كان البعض قد برر الاعتبار الجغرافي المذكور بسابقة رقعة النفوذ السوفييتي، فإن ذلك يعزز اكثر فكرة المواجهة والصراع بين كتلتين، مواجهة هي اخطر ما يمكن ان تساق اليه البشرية الآن.

النقطة الثانية المهمة، هي ان المشروع، بعدم اعتماده أية خطة تمويلية تنموية من جهة، وبإصراره على تجاهل الصراع العربي  “الإسرائيلي” من  جهة اخرى، يبدو وكأنه  يقيم فصلا بين الأمني والسياسي والاقتصادي  وفي ذلك ما يزرع بذور تفجير هائلة في المستقبل.

النقطة الثالثة هي تلك المتعلقة بدور حلف شمالي الاطلسي في العراق وضرورة ألا تستعمل القوات الاوروبية غطاء لانسحاب أمريكي يخدم الغايات الانتخابية للإدارة الحالية طالما لم يكن لأوروبا دور في تقرير الحرب.

أما النقطة الاخيرة فهي طرح البديل المتمثل في صيغة شراكة بين أمريكا وأوروبا والدول العربية  لتحقيق الاصلاح التدريجي ومن داخل.

نداء فرنسا أصاب بسرعة أسماع المسؤولين العرب الذين لم يكونوا يحتاجون اليه كي يهرعوا الى أي مكان في العالم.

لكن القراءة المتمعنة لما حصل تقودنا الى جملة استنتاجات  منها ما يبدو بديهيا لكنه رغم ذلك لا يتحول الى تطبيق، ومنها ما هو اكثر دقة.

بدءا من قضية العلاقة بين الحضارات حيث تفترق النظرة الاوروبية عن الأمريكية لسببين: اولهما مبدئي والثاني مصلحي بحت: فأوروبا قد وصلت عبر المر والحلو من تجارب التاريخ الطويل الى نظرة اكثر واقعية في موضوع الحوار، وتجنّب الصراعات المدمرة، في حين تعتبر ايديولوجية الاتجاه الأمريكي الحاكم ان هذا الصراع طبيعي وحتمي، حتى عندما لا تصرح به، والا فما معنى معادلة   الخير والشر   والخطاب التبشيري الذي يتبناه رئيس الدولة.

غير ان الجانب المصلحي هو الاكثر حسما في هذا المجال، فصراع الغرب مع الاسلام والعرب لم يعد بالنسبة لأوروبا قضية سياسة خارجية بقدر ما هو قضية تصب في صميم الامن الاجتماعي والوطني الداخلي، إذ إن هذا الذي سماه الأمريكيون: الشرق الاوسط الكبير ممتد في شوارع وضواحي وأحياء كل مدينة وعاصمة اوروبية، خاصة فرنسية.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى تأتي المصالح الجيوبوليتيكية حول المتوسط وفي الامتداد الاسيوي وفي حقول النفط وفي كل ما يشكل المدى الحيوي السياسي الاقتصادي لأوروبا.

القادة العرب كانوا يدركون ذلك وهم يتوجهون الى اوروبا خلال الاسبوعين الماضيين، فلماذا لا يوظفون هذا الإدراك لتحقيق المصالح القومية للعالم العربي؟ لماذا لم يوظفوه لمنع الدمار العراقي؟ او لحل الدمار الفلسطيني؟ او الجزائري او السوداني أو....أو؟

وهل سيدركون الآن ان عليهم ان يوظفوه لتحقيق اصلاح حقيقي على ساحاتهم يجنب البلاد ما حصل في العراق عندما اعتبر الشعب ان المعركة بين النظام والأمريكيين، وانه خارجها، ليجد نفسه وارضه داخل الاحتلال والموت؟

هل سيدركون ان الولايات المتحدة لم تكن جادة هذه المرة ولذلك استطاعت اوروبا ان تؤثر، بدليل انها عندما كانت جادة في الحرب على العراق لم يستطع احد منعها بما في ذلك الامم المتحدة؟

وهل سيدركون أن عليهم اطلاق اصلاحات داخلية كي يتمكنوا من الصمود اذا قرر اللوبي الصهيوني الأمريكي يوما اطلاق رياحه باتجاههم؟

واذا كان حديث دو فيلبان عن اقتصار الطرح الأمريكي على الامني دون السياسي والاقتصادي، يذكرنا اولا بهذا التماهي بين الرؤيتين “الإسرائيلية” والأمريكية، فإن نظرة واقعية اخرى تذكرنا بأن بعض انظمتنا العربية نفسها قد بنت بقاءها على اساس هذه الرؤية الامنية، وهذا ما عليها التخلي عنه اولا. والعمل على رسم استراتيجيات حقيقية للتنمية والحريات، بعيدا عن القوالب الأمريكية الجاهزة المستوردة من مصانع الاستراتيجيات الصهيونية.

هذا اذا لم نعتبر ان هذه القوالب نفسها غير موجودة، بحسب ما يراه الكثيرون ومنهم وليام كوانت الاستراتيجي الأمريكي الكبير الذي كان عضوا في مجلس الامن القومي وشارك في مفاوضات كامب ديفيد، حيث يرى في تحليل طويل ان التقرير الأمريكي ليس الا ملخصا سيئا لتقرير التنمية البشرية الذي صدر في العام الماضي، مما يؤكد الشكوك التي اثيرت حول التقرير في حينه  كما يعيدنا الى تاريخية الشعارات التي طرحتها الادارات الأمريكية المتعاقبة كي تستعملها غطاءً لحرب استراتيجية ترسي مصالح الولايات المتحدة دون ان تعنى بتحقيق شيء ملموس منها، ففي العام 1958 نشر دانيال بارنر كتابه الشهير “احتضار المجتمعات التقليدية  تحديث الشرق الاوسط” مطلقا به استراتيجية اعلامية تهدف الى مواجهة الاتحاد السوفييتي في المنطقة بواسطة شعار التنمية والحداثة، وما كان يجهله الكثيرون في حينها ان بارنر ومجموعة من زملائه من الباحثين الاستراتيجيين هم انفسهم الذين وضعوا استراتيجية ما اطلقوا عليه مصطلح “الحرب النفسية” خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال ثلاث وكالات تابعة للقوات المسلحة والأجهزة السرية، وبعدما حلت هذه الوكالات، اعيد تشكيله بصيغ اخرى لمواجهة الحرب الباردة، هذه الاستمراية هي التي تتجلى الآن مع اطلاق الحملة الجديدة التي تضيف الى مصطلح التنمية القديم مصطلح الدمقرطة الذي يمتلك قدرة سحرية على اجتذاب المقموعين. من دون ان تكون هناك أية نية لتحقيق ديمقراطية حقيقية إلا بقدر ما تم منذ الخمسينات تحقيقه من تنمية حقيقية. ولعل هذا ما عناه وليام كوانت (الخبير الذي يعرف كل ذلك) وهو يختتم تحليله بالقول: وفي النهاية تذهب الشعارات وتبقى المشاكل على حالها.

غير ان الولايات المتحدة في مأزق وفي مأزق كبير صنعته الرمال المتحركة العراقية وأصواتها الهادرة في الساحة الأمريكية الداخلية، والتي يعمل خصوم المعركة الانتحابية الى وضع الكاميرات ومكبرات الصوت امامها. وأوروبا فهمت اللعبة فقررت الاستفادة من الوضع، وطرح رؤاها وفرض شروطها، وبدلا من ان يجري العرب حسبة ذلك كله للإفادة منه في استعادة شيء من وضعهم، وزحزحة النير قليلا عن رقابهم، فإن الرعب لم يترك لهم الا الاستجداء والاحتماء بعرّاب آخر، لن يمنح حمايته مجانا من دون أدنى شك.

في واقع هذا الوضع كله يبرز السؤال الخطير حول الغائب الكبير: الاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والقوى الشعبية: هل بإمكانها هي الاخرى ان تفيد شيئا من الظرف،  لما هو افضل، أم انها هي الاخرى بين من شله القمع ومن شله التحجر ومن شله الرسن، الرسن الممتد غالبا الى الخارج؟