من
الحرب على العراق إلى الحرب على المنطقة
حمدان
حمدان/كاتب من فلسطين يقيم في دمشق
مع
كتابة هذه السطور، أي مع أقل من سنة على الحرب
الأمريكية على العراق، ها هي حرب أخرى، تشن ضد
المنطقة، وهي الحرب على رداءة أوضاعها من
جميع النواحي الحياتية والمعيشية والمعرفية
والإنسانية، بحيث يتم استخدام أكثر
الموضوعات نبلا لأكثر الغايات قذارة، وهي سمة
من سمات السمعة الأمريكية، دون تزويق.
ومنذ البداية، فإن بوسع المرء، أن يربط بين
المشروع الأمريكي لـ"الشرق الأوسط الكبير"،
وبين شواهد عيانية واقعية، هاربة من أفق
المشروع وحسن نواياه تجاه المنطقة، حسبما
يكيل أصحاب المشروع على أيدي المحافظين الجدد
في الإدارة الأمريكية.
والشاهد الأول، ويتمثل في ذلك الخلط غير
البريء، لأقطار عربية وإسلامية وغير عربية
ولا إسلامية، حيث جغرافيا المشروع تنتقل من
الوطن العربي، إلى ايران فتركيا فأفغانستان
وباكستان بإضافة "اسرائيل"، مما يشير
إلى استراتيجية الأمن الوقائي، لضمان وجود
واتساع المصالح الأمريكية في المستقبل، فيما
يراد من إقحام "اسرائيل"، إشارات تدل على
النزاهة والحياد!
والشاهد الثاني، أن انطلاق المشروع بمعزل عن
الحلفاء الغربيين، بل وبدون مشورة أصحاب
القرار في المنطقة ذاتها، إنما يشير إلى
ضرورة توكيد شعار القوة الأحادية في العالم،
وهي رسالة للصديق قبل العدو، فضلا عن الإشارة
الضمنية المقروءة، وهي أن منطقة المشروع خارج
"اسرائيل"، لم تكن أهلا لحكم نفسها
بنفسها، وتاليا، فإن المشروع يجب أن يأتي من
فوق، وأن الدبلوماسية كفيلة بما يمكن أن
يعتبره حكام المنطقة، غطرسة غير محتملة،
تماما مثلما جرى إصلاح تعبير الحرب الصليبية
على لسان الرئيس بوش، وأن القصد هو إرضاء
الحكام بشكلانية سطحية عابرة، وأن جوهر
الاستعلاء ـ كما في تدمير المساجد واقتحامها
وتمزيق القرآن في العراق اليوم ـ يراد له أن
يكون سابقة مألوفة، يعتاد عليها الناس، وأن
فعل فرض المشروع دون مشورة، يكون قد اخذ وقعه
ومداه منذ البداية.
والشاهد الثالث، أن المشروع في توصيفه للفشل
الذي تواجهه المنطقة، يتكىء على تقرير
التنمية البشرية العربية لعامي 2002 و2003، أي
بعد هجمات أيلول/سبتمبر الأمريكية بعام واحد،
ويتضمن التقريران سوءات أساسية تتجلى في
ميادين ثلاثة، الحرية والمعرفة والحقوق،
وبصورة خاصة، حقوق المرأة.. ويكرر
الأمريكيون، إن مؤشرات التقريرين في
الميادين كافة، جاءت على يد فريق بحثي مكون من
أكاديميين وباحثين عرب، غير أن البحث في
أساسه، كان يتصل بأوضاع الأقطار العربية،
فكيف يمكن تمديده إلى الأقطار غير العربية في
المشروع؟! إلا إذا كان المشروع يستهدف العرب
والمسلمين بآن واحد، ومن جهة أخرى، لماذا
اغفل المشروع الأمريكي لـ"الشرق الأوسط
الكبير"، أي إشارة للتقرير الثاني (2003) من
حيث أن محوره الرئيسي، يأتي على العوامل
الخارجية الاستعمارية، التي كانت سببا
رئيسيا في إحباط المنطقة وإفشال أية محاولة
تطورية ـ تنموية فيها، ثم لماذا غيب المشروع
دور "اسرائيل" فيما أنزلته وتنزله من قتل
وخراب لسكان المنطقة وبنيتها؟ ففي العامل
الخارجي، كان ما يمكنه وصفه، باستلاب السيادة
في القرار الوطني، وهو تاريخ المنطقة طوال
القرن العشرين، وقد أتاح تغييب العامل
الخارجي، المجال لتبرئة تاريخ استعماري
كامل، كان الغرب مسؤولا عنه، ورغم أننا من
أنصار التعويل على عواملنا الذاتية في
النهوض، وأننا نؤيد بشجاعة كل مؤشرات وأرقام
ونسب.. ما جاء في التقريرين عن واقعنا المعيش،
وأننا نحن الذين نتحمل المسؤولية عن فواتنا
التاريخي، إلا أن جدلية العلاقة بين التخلف
الداخلي، والعامل الاستعماري الخارجي، لا
يمكن أن تحذف، فهيمنة الخارج كانت سببا من
أسباب تشكل المنطقة مع جغرافيتها السياسية
وإدقاعها الاجتماعي، كما أن التخلف الذاتي
داخليا، كان سببا في استقواء الخارج علينا
واستباحته لموقعنا وواقعنا، ومن هنا تثور
إشكالية المشروع الكبير، بصفته معطى خارجيا
أمريكيا وإمبرياليا، بدلالة احتلال العراق،
واعتبار شارون "رجل سلام"، وفي هذا ما لا
يحمل البراءة بحال.
فالمشروع في جوهره، لا يعدو كونه إضفاء
مساحيق خلاصية لواقع المنطقة وما هي فيه، ذلك
أن طرح الموضوع في الأفق السياسي للإدارة
الأمريكية البوشية، إنما يرمي لتوفير آليات
ضغط مبتكرة وجديدة، بغية انتزاع المزيد من
المواقف والمصالح التي لا علاقة لها بصيرورة
الإصلاح والإنقاذ والمصير.
والشاهد الرابع، أن آليات الضغط هذه، تتوضح
أكثر، عندما نتذكر أن المشروع الأمريكي مصمم
برؤية سياسية على مقاس المصالح الأمريكية،
فهو يأتي بعد احتلال العراق، وقبل الانتخابات
الرئاسية الأمريكية، كعربون لحسن النية
وتحسين السمعة، من حيث أن خرائط المنطقة كانت
مستهدفة مع خريطة العراق، والحال فإن المشروع
لا يجري برؤية أخلاقية وقيمية وإنسانية،
هدفها تقديم يد العون لانتشال المنطقة، إذ من
يحتل المنطقة (العراق) ويقتل سكانها (فلسطين
والعراق) لا يكون بصدد إنقاذها من واقعها،
ويقول صاغة المشروع من الأمريكيين، إن ربط
المشروع بالمصالح الأمريكية، دليل أكيد على
جدية المشروع، حيث الالتقاء مع مصالح شعوب
المنطقة، ولكن متى كان التقاسم عادلا، بين
مصالح دولة مستعمرة وشعوب مستعمرة، وهل ثمة
ما يدعو للاقتناع بتبدل طبيعة الاستعمار
التاريخية، وشغله الشاغل في النهم والاستلاب
للثروة والإنسان.
ليس ثمة حاجة للرهان على الوعود الأمريكية،
ولسنا بحاجة إلى انتظار المستقبل واختبار
النوايا، فالحاضر كفيل بكشفها، فإضافة إلى
إسقاط شعب فلسطين من المشروع، واستبداله بـ"اسرائيل"،
وإضافة إلى الهدية الديمقراطية الجديدة لـ"اسرائيل"،
التي هي من احدث طراز (طائرة أف 16 ب) التي تصل
إلى إسلام أباد ذهابا وإيابا بطلعة واحدة..
وإضافة إلى جدار الفصل العنصري، وتقسيم
العراق في الفدرالية وطوائف الحكم الراكبة في
المقطورة الأمريكية، فإن مشكلة المشروع
الكبير، هو أنه مشروع أمريكي، وهذا المشروع
لا يقترح ولا يناقش، بل يأمر وينهي، فهو يتطلع
إلى منطقة، يديرها أمريكيون و"اسرائيليون"،
أي أنه مشروع مسموم، يهدف إلى اغتيال آخر ما
تبقى للعرب من أحلام قوميتهم، كما يهدف إلى
استثارة الشقاق بين قابل ورافض، خاصة وان
تيارات واسعة من مكونات شعبنا، بسبب أو لآخر،
باتت لا تميز وربما عن وعي مقصود، بين
الاحتلال والتحرير، فيما النظام العربي، لا
يفعل شيئا سوى الرفض الكلامي، لمشروع لم
يستشر فيه، بينما الرفض بحد ذاته، بغرض
الاحتراز خشية انهيار عمود الحكم وليس سواه..
فالقول بأن الإصلاح لا يفرض من الخارج، لا
يعطي الشرعية للمسار الطويل، الذي أعدم كل
الاحتمالات الطبيعية للإصلاح من الداخل،
فإنهاء عثرات الاقتصاد وعصرنة التعليم
وتطوير وضع المرأة والقضاء على الأمية ورفع
مستويات التنمية والأوضاع المعيشية وإطلاق
الحريات العامة وفصل السلطات وتداول السلطة
واحترام القانون والتدرج في وأسسه الدولة
وإعادة الهيبة إليها، ووضع قوانين لحياة
حزبية ـ مدنية متعددة، وحياة صحافية لا رقابة
عليها، ونزاهة انتخابات لا تدخل فيها.. بموجب
قوانين للجميع وعلى الجميع، إنما هي وسواها،
مطالب داخلية وطنية وشعبية، منذ مستهل القرن
العشرين، أي قبل أن تكون مطالب خارجية يمن
الغير بها علينا اليوم، بل هي مطالب لحكامنا
الذين لا يسمعون، ومع ذلك فإنها مطالبات
واحتجاجات ومواقف.. بيننا وبين أصحاب
القرارات فينا، لا نريد للخارج الأجنبي ـ على
شاكلة أمريكا ـ أن يتدخل فيها.
والخلاصة، فإن "مشروع الشرق الأوسط"
الأمريكي، لا يعدو كونه نثر وعود، تماما على
شكل الوعود التي نثرتها إمبراطوريات
استعمارية في تاريخ منطقتنا، فما جاءنا منها،
سوى "وعد بلفور" و"سايكس بيكو"،
فنحن من حكمة تاريخنا، نرفض الديمقراطية
القادمة على ظهر دبابة احتلال، كما هو المشهد
في العراق اليوم، كما أننا نرفض ثقافة
الانحلال والمخدرات والعنف السادي، ثم إننا
نرفض التفصيل الأمريكي لمقاسنا وحياتنا، كما
أننا نرفض الدعابة السمجة في كوننا "محور
شر" يراد لنا الإنقاذ والخلاص، فالإدارة
الأمريكية صاحبة المشروع، هي التي قررت "محاور
الخير ومحاور الشر" في العالم، وليس من
قبيل المصادفة، أن محور "المشروع للشرق
الأوسط الكبير"، كان هو نفسه (باستثناء
اسرائيل بالطبع) محور الشر الظلامي في هذا
العالم، وقد كان هذا التوصيف قبل عام واحد
فقط، من انطلاق مشروع الخير هذا، فهل ابل محور
الشر من مرضه الفطري، الذي هو لعنة السماء
عليه، في ظرف عام، كي يكون هو الأولى بالرعاية
والشفاعة من دون مناطق هذا العالم الكبير؟!
وأخيرا، لا بأس من استذكار فكرة حاضرة ـ
غائبة، كان "شمعون بيريس"، قد استولدها
من مشروعه السابق في "الشرق الأوسط الجديد"
بعد اتفاق أوسلو (أي في العام 1994)، فإضافة إلى
أن المشروع الشمعوني، في حينه، كان متماهيا
مع تقلبات أوضاع، وانتقال عصور (كامب ديفيد
وتدمير العراق ومدريد ثم أوسلو) وحداثة
اتصال، وثورة معلوماتية، وهجوم عولمة.. إلا أن
البذرة الرئيسية في حقل المشروع، كان يراد
لها أن تصبح شجرة باسقة، فـ"اسرائيل" في
الشراكة الاقتصادية التجارية والعلمية في
المشروع، تصبح شريكا سياسيا في واقع المنطقة
ومصائرها، فهي ليست ذاك الجسم الغريب المزروع
الذي تلفظه المنطقة، وكان العد التنازلي
لشيوع التطبيع، يذهب في الوهم، من مستويات
أنظمة إلى مستويات شعوب، بأمر الواقع
المفروض، إلا أن شيئا من هذا، لم يأخذ طريقه
إلى النجاح، وحتى مع مرحلة "مشروع بيريس"،
فإن الرهان على السلام، كان يحظى بمؤيدين لهم
وضعية النسبية في المجتمع العربي، أما اليوم
ومع مذابح شارون، وعنصريته، وولعه في رؤية
الدماء، فإن أحدا من مؤيدي "الشرق الأوسط
الجديد"، لم يعد يلهج بكلمة، أو يخط سطرا في
كتاب، فمن داخل أسباب السياسات "الاسرائيلية"،
كان رفض "اسرائيل"، ومن داخل أسباب
السياسات الأمريكية، سيكون رفض البوشية ـ
الرامسفيلدية وما تلوكه من مشاريع.