في المعادلة الكيميائية للمقاومة

د. إبراهيم علوش/باحث وأكاديمي من الأردن

لو تساءلنا عن الظروف المحددة التي أنتجت فعلاً مقاوماً ناجعاً في الوطن العربي عبر تاريخنا المعاصر، فإننا سنجد أنها قامت على توافق عاملين في آنٍ معاً هما:

1)  تزعزع حقيقي لسلطة النظام الرسمي العربي على الأرض يترافق مع،

2) تدخل مباشر أمريكي-صهيوني سياسي وعسكري.

ونستطيع أن نصل إلى هذه الخلاصة من خلال التمعن في القاسم المشترك لكل تجارب المقاومة المعاصرة في لبنان وفلسطين والعراق والصومال.

ففي لبنان كان هناك فراغ سلطوي عندما اجتاحه العدو الصهيوني، مما أدى لتوفر الظروف الملائمة لتصاعد المقاومة اللبنانية بشقيها الإسلامي والوطني.  وقبل ذلك، كانت المساحة التي ملأتها المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية هي نفسها المساحة التي انحسرت عنها السلطة اللبنانية.

وفي فلسطين، أدى قيام الكيان الصهيوني بتحجيم السلطة الفلسطينية إلى تصاعد انتفاضة كانت قواها محتجزة من قبل تلك السلطة بعد توقيع أوسلو.  وقبلها، لم تتوقف منظمة التحرير عن المقاومة إلا بمقدار تحولها تدريجياً من الداخل إلى سلطة.

وفي العراق لم تتصاعد المقاومة فعلاً إلا بعد انهيار النظام العراقي، ولو كانت الكثير من القوى العراقية المقاومة قد تم إعدادها في كنف قيادة ذلك النظام، لا بل مع توفر نية المقاومة عند قيادة ذلك النظام، وهو ما يؤكد النقطة نفسها أن المقاومة الفعالة لا تكون في ظل نظام.

وفي الصومال تصاعدت المقاومة في التسعينات لأن التدخل الأمريكي جاء في ظل فراغ سلطوي أيضاً.  فمن الواضح أن المقاومة تتطلب كشرط مسبق تحرر المبادرة الشعبية من الكوابح السلطوية، وكل ما يتمخض عنها من بيروقراطية وفساد وحسابات ضيقة.

ويبدو أن الطرف الأمريكي-الصهيوني بدأ يدرك هذا الدرس، ولذلك يصر على دور مصري في قطاع غزة بعد الانسحاب الصهيوني المذل منها بفعل ضربات المقاومة، ومن المنطقي أن يوازي ذلك دور أمني أردني في الضفة إذا فرضت الانتفاضة الانسحاب الصهيوني من أي جزء منها، وهو ما يعيد إلى الذاكرة مرحلة ما قبل حرب ال67.  ولا ينفي ذلك إمكانية وجود أدوات محلية أيضاً.

وبشكل عام، نلاحظ انخفاض الحيوية السياسية في أي قطر عربي بمقدار تمكن النظام العربي في ذلك القطر من الإمساك بتلابيب المجتمع.  بالدرجة نفسها، نلاحظ العجز المفرط للنظام العربي عن حماية سيادته ذاتها من التدخل الخارجي، خاصة الأمريكي-الصهيوني، بمقدار إمساكه بتلابيب المجتمع.

ويصح هذا على الأنظمة العربية بجميع ألوانها بغض النظر عن وطنيتها أو عمالتها أو اتجاهها العقائدي.  فالنظام العربي، بغض النظر عن هوية من يحكمه، ناجحٌ فقط في تكريس حدود التجزئة، أي في إثبات وجوده إزاء كل نظام عربي أخر فحسب، وهو الهدف الذي خلق من أجله من الناحية الجغرافية السياسية، وهي أيضاً الحقيقة التي تجعل أية محاولة جدية لإصلاح الجامعة العربية أقرب لمهزلة، فالنظام العربي وجد لكي يؤكد هويته قطرياً، ولن يتنازل أي نظام عربي  عن صلاحياته وسلطاته طوعاً حتى لو كان الجميع يدرك أن خلاص الأمة يكمن في ذلك.

بالمقابل، يستطيع النظام العربي على اختلاف تلاوينه أن يحتجز المبادرة الشعبية، وأن يصادر قوت المواطن العربي وقراره في شؤونه العامة، ولكنه لا يستطيع، كي يحافظ على وجوده الهش، إلا أن يتماشى بهذه الدرجة أو تلك، مع قوى الهيمنة الخارجية، وأن يعرض الأمن القومي بالتالي وأمن المواطن للخطر.  ولا يحتاج هذا بالضرورة لتآمر مباشر مع قوى الهيمنة الخارجية، بالرغم من عدم استبعاد ذلك في الكثير من الحالات، سوى أن الغربة عن الشارع،  وتفكك الإرادة السياسية الناتج عن التجزئة القطرية نفسها، تنتجان هذه العاقبة كتحصيل حاصل تقريباً.

والخلاصة، بالنسبة للمشاريع الأمريكية لتغيير الأنظمة أن سحرها قد ينقلب على الساحر عندما يحرر المبادرة الشعبية من العائق الأول لانطلاقها، لو عرفت قوى المقاومة الكامنة أبداً في رحم هذه الأمة كيف تستفيد من الفراغ السلطوي الذي ستحدثه مشاريع التغيير الأمريكية في بنية النظام العربي!  والمواطنون العرب الموالون أبداً لأمتهم ووطنهم وانتمائهم الحضاري ليسوا ملزمين البتة بالدفاع عن أنظمة لا تمثلهم.   وعلى سبيل المثال، قد يكون تحجيم السلطة الفلسطينية أفضل شيء حصل للشعب الفلسطيني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.