فلتكن قمة للشعوب العربية

أبو المعالي فائق أحمد *

لا شك أن تأجيل أو إلغاء القمة العربية لم يكن مفاجأة لكثير من المحللين في ظل تدهور الوضع العربي الرسمي، وليس بغريب على ما يسمى بالقادة العرب هذا الاستهتار بمصالح الأمة فكم من قمة عُقدت، وكم من قرارات اتخذت، وكم من بيانات خرجت على ألسنة ما يسمى بالزعماء العرب لكنه كلام لا يساوى الحبر الذي كتب به، وهل كان يرتجى من مثل هؤلاء العملاء غير هذا؟.

لست بصدد مناقشة أسباب تأجيل القمة فإن كانت هناك أسباب فهي تافهة مثل أصحابها، وقلت في مقال سابق إن هؤلاء القادة هم أحقر من أن يحتمى بهم محتم وأضيف اليوم إذا كان هؤلاء الذين يطلق عليهم زعماء لا يستطيعون احترام أنفسهم ويجلسون لبضع ساعات يقبلون الخياشم ويأكلون ما لذ وطاب من الطعام فليس في جعبتهم أكثر من هذا هكذا تعودنا من هؤلاء الأشاوس أقول: إذ لم يحترموا أنفسهم فبالله عليكم أمثل هؤلاء يُحترمون لا والله بل إن الإساءة تأبى أن تلتصق بهؤلاء فهم أقل من أن يلاموا أو يتعاتبوا أو حتى ينظر إليهم شذرا فقبل موعد قمتهم في تونس الخضراء التي أظنها الآن حالكة السواد بفعل قرار رئيس الدولة الذي لا يشك عاقل أن الأوامر الأمريكية قد صدرت إليه بفركشة القمة من أجل أن يعطيه صك الغفران ويضعه في مصاف الدول الديمقراطية فما كان منه إلا أنه نفذ الأمر في لمح البصر هكذا تدار الأمور في مناطقنا العربية أقول قبل موعد قمتهم كانت هناك قمة للاتحاد الأوروبي المليء بتعدد اللغات والديانات والمذاهب المختلفة والخلافات القديمة والحديثة وعلى الرغم من كل هذه الاختلافات إلا أنهم لم يؤجلوا قمتهم ولم يتنابذوا بالألقاب ولم يضعوا العراقيل في أوراقهم لأنهم في مركب واحد وأمامهم تحديات خطيرة وقد بذلوا قصارى جهدهم من أجل أن يكون لهم وزن في العالم وقد فرضوا أنفسهم بقوة وليس أمامنا إلا أن نحترم هؤلاء بغض النظر عن اختلافنا معهم..

أليس الأولى بنا نحن أمة العرب الذي يجمعنا دين واحد ولغة واحدة وقبلة واحدة اللهم إلا إذا كانوا هؤلاء الزعماء لا يصلّون ومن ثم فلا يعرفون إذا كانت قبلتنا واحدة أم أن بعضهم إن لم يكن جميعهم اتخذ البيت الأبيض قبلة لهم، ألم يستحوا وهم يرون الاتحاد الأوروبي يجتمع ويتناقش وينظر في مصالح شعبه وأمته، ماذا ينقص حكامنا؟!

أليس لهم آذان يسمعون بها؟!

أليس لهم أعين يبصرون بها؟

أليس لهم قلوب يفقهون بها؟

أم فقط لهم أيد يبطشون بها؟!

أم فقط لهم أرجل يمشون بها حيث يوجههم سيدهم بوش؟!

مثل هؤلاء لا يمكن أبدا أن ينالوا شرف قيادة هذه الأمة. فهذه الأمة عريقة لها تاريخ مجيد، ومثل هؤلاء أضاعوا هذا التاريخ بل كادوا يشطبونه من ذاكرة الأمة ولو بقوا في أماكنهم لفعلوه. إن الأيام التي سبقت موعد انعقاد القمة كانت حبلى بالمشاكل والصراعات والتحديات ففي هذا الشهر مارس ( آذار) 2004 مرت مناسبة كم هي ثقيلة على النفس إنه يوم 20 مارس (آذار) يوم بدء الحرب على العراق، يوم الغزو الغاشم للعراق بمساعدة عربية، أليست هذه الكارثة في حاجة إلى لم الشمل من جديد؟ أليس احتلال العراق في حاجة إلى قمة حقيقية تجعلنا نرفع رؤوسنا ولو لبعض الوقت، ثم جاء صباح يوم الاثنين غرة صفر 1425 هجرية المصادف 22 من مارس (آذار) 2004 ليستيقظ الشعب العربي والمسلم على نبأ اغتيال الشهيد والقائد الحقيقي لهذه الأمة (أحمد ياسين) المجاهد الرمز والذي اغتالته يد الغدر والإجرام بعد أن أدى صلاة الفجر، أليس هذا الحدث الجلل في حاجة إلى أن نعلن موقفا موحدا ضد هذا السفاح شارون، أم أنكم خشيتم أن توجه لكم أصابع الاتهام بالضلوع في اغتيال الشهيد (أحمد ياسين)، وإذا كنتم خشيتم من هذه التهمة فبتأجيلكم القمة أثبتم على أنفسكم الاتهام بالمشاركة في قتل أحمد ياسين، وبعد أن فقدت الشعوب الثقة في حكامها فعلى الشعوب العربية أن تتحرك ضد هذه الأصنام، وواجب الأحزاب والنقابات والقوى الشعبية أن تجتمع على قلب رجل واحد ولا تكون مثل القادة أو ما يسمى بالقادة العرب، وتقوم بعمل مؤتمر حاشد على مستوى العالم العربي ومن خلفهم كل جماهير الأمة ليعلنوا إسقاط هذه الزعامات الورقية، وهناك من الشعوب ما هو قادر على ذلك، وهذه الملايين التي خرجت في العالمين العربي والإسلامي لتطالب بالثأر لشهيد الأمة (أحمد ياسين) لهو خير دليل على ذلك فلا يمكن بحال من الأحوال أن ننتظر خيرا من هذه الزعامات التي يهم كل منهم كيف يرضى أمريكا، ولو كان فيهم ذرة من خير لطردوا من بلادهم سفراء العدو الصهيوني والأمريكي، ولو كان فيهم ذرة من كرامة لما طلب الشاويش القذافي من سوريا أن تحذو حذو ليبيا في قضية أسلحة الدمار الشامل، إذن ليس لنا خيار إلا أن تخرج الشعوب العربية لتصحح الأوضاع المقلوبة بعيدا عن المؤتمرات المغلقة التي لا يسمع بها إلا من حضرها، ويعتقد البعض أنه بهذه المؤتمرات المغلقة أو المسيرات التي تخرج بأمر الحكومات من أجل تحسين وجهها القبيح هي الحل، لا والله بل إن مثل هذه الأمور لهي من أدوات تجميل الأنظمة العميلة ومن يرضى بهذا فهو مشارك في بقاء هذه الأنظمة ولا يقل عنها خطورة.

إن الأحداث التي مرت في الأيام الماضية كانت جديرة بأن تغير أنظمة ودول لو صدقت النوايا بعد هذا التهريج الذي يحدث من قيادات الأمة! والله إنه تهريج، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ في الوقت الذي يعلن فيه السيد عمرو موسى أنه لا نية لتأجيل القمة، نجد البلد المستضيف كان قد اتخذ قرارا بتأجيل القمة، وكأنه سباق على الاستهتار بالشعوب. هل كانت الجامعة العربية تمزح؟ كما لو أن الأمر لا يتعدى كونه تسلية، ولم لا؟ وقد رأينا السيد أمين عام الجامعة العربية وهو غارقا في الضحكات بصوت وصل إلى حد القهقهة، هل كان يخفى خلف هذه الضحكات شر البلية، أم كان يريد أن يقول لنا أن الدنيا ربيع والجو بديع، وليس هناك ما يدعو للقلق؟! نريد أن نعرف سبب الضحك فنحن في وقت عز فيه الضحك أم أنه أراد أن يغطي على كلامه العجيب حينما قال له أحد الصحفيين أن الشعوب كانت تظن أنكم ستجيشون الجيوش ضد العدو الصهيوني، فقال السيد الأمين "نحن لا نستطيع أن نجمع الجيوش"، ولماذا لا تجمع الجيوش ألم تجمعوها من قبل وضربتم بها العراق؟! أم أنكم أسود على بعضكم البعض، نعامات على أمريكا وما يسمى بدولة "إسرائيل"؟!

هناك إهانات وُجهت إليك يا سعادة الأمين العام من قبل على لسان أحد الصغار في الكويت والآن في تونس، وكأنك وجامعتك لا تعني لتونس شيئا، ووجدناك تضحك، فعلى من تضحك وعلى أي شئ تضحك؟! وكان أولى بك أن تستقيل من منصبك حفاظا على شعبيتك وجماهيريتك التي كانت قبل احتلال العراق، والآن جامعتك لم تفعل شيئا للعراق أو فلسطين، وآن لك أن ترحل.

لكن في النهاية كلمة لا بد من قولها على ضوء تأجيل القمة، فبالرغم من أسفنا على التأجيل، وأصبح القادة أضحوكة، إلا أن الإيجابية الوحيدة في هذا التأجيل هو أننا لن نرى أحد عملاء ما يسمى بـ"مجلس الحكم العراقي" وهو يجلس مكان دولة العراق، وإذا كان السيد عمرو موسى يريد إنقاذ الموقف فعليه أن يطالب القادة عبر جامعته بالاستقالة الجماعية ثم يلحق بهم وهذا أضعف الإيمان، بعد أن أعطيتم ضوءا أخضرا للسفاح شارون، كما لو أنكم تقولون له افعل ما شئت في قيادات المجاهدين لديك، ولن ندينك، أقتل ياشارون أهدم يا شارون، شرد ياشارون، فها هم قادة العرب هربوا من مواجهة الصعاب، أما أنت يا بوش فلتهنأ بالعراق بعد أن خذلوها القادة أو ما يسمى بالقادة، ولا ثقة لدينا إلا في المقاومة الباسلة في العراق وفلسطين، ولا بارك الله في قادتنا ولا أحياهم الله إلى قمة قادمة إن ربى على ما يشاء قدير.

* عضو اللجنة التنفيذية بحزب العمل (مصر)

abo_64@hotmail.com