المنظمات العربية الأميركية ولعبة الانتخابات الرئاسية

ابراهيم العبسي/الأردن

على الرغم من أننا لا نعوّل على أي متغيرات درامية في السياسة الخارجية الأميركية، التي يبدو أن الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي متفقان عليها حدّ التطابق، لاسيما بالنسبة لمواقفهما من القضية الفلسطينية، والصراع العربي "الاسرائيلي"، والانحياز الأعمى المتعاظم للكيان الصهيوني، الذي يتنافس فيه الحزبان على تقديم أقصى ما يمكن من الدعم السياسي الاقتصادي والعسكري والإعلامي لضمان التفوق الاستراتيجي "الاسرائيلي" على الدول العربية مجتمعة، إلا أننا نجد أنفسنا في موقع المتابع الدقيق والمشدود لتطورات ومفاجآت الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية الجديدة بين الرئيس الجمهوري جورج بوش ومنافسه مرشح الحزب الديمقراطي جون كيري، بدافع الفضول السياسي ومعرفة الأساليب الأميركية الشاذة في إدارة الحملات الانتخابية، ومتابعة استطلاعات الرأي العام الأميركي التي لا تتوقف لحظة واحدة عن رصد حظوظ المرشحين، وأي منهما سيفوز في هذه الانتخابات.
وإذا ما استعرضنا مواقف هذين المرشحين.. الرئيس الجمهوري الحالي جورج بوش، ومرشح الحزب الديمقراطي جون كيري من قضايانا العربية، فإننا لا نحتاج إلى أدنى جهد لنكتشف أن الرئيس بوش كان الأكثر حماسا في عدائه لقضايا هذه الأمة، سواء عبر مواقفه (المشهودة) من القضية الفلسطينية، ونزوله عند الرؤية الشارونية لتسوية هذه القضية وحل الصراع العربي "الاسرائيلي"، إضافة إلى غزوه واحتلاله للعراق خدمة للأطماع الإمبريالية الصهيونية التوسعية الاستعمارية وإصراره على مشروعه الاستعماري الجديد المتمثل في مبادرة "الشرق الاوسط الكبير" التي أطلقتها إدارته، والتي لا تهدف إلا لتمزيق وتفتيت الوطن العربي من جديد، بعد طمس هويته وثقافته وحضارته، أما بالنسبة للمرشح الديمقراطي جون كيري، فهو لا يبتعد كثيرا عن هذه المواقف، إذ أعلن اكثر من مرة في حملته الانتخابية، تأييده الكامل للكيان الصهيوني، وتعهده بدعم ومساندة السياسات "الاسرائيلية" على حساب القضية الفلسطينية والأمة العربية.. حتى "مشروع الشرق الاوسط الكبير" فقد أيده كيري، وإن جاء هذا التأييد بصورة مواربة، تختلف في الظاهر، ولكنها تتفق في الجوهر، ومع ذلك يجد المواطن العربي نفسه منحازا لهذا "الكيري" ويتمنى له أن يفوز على الرئيس بوش ويطرده شر طردة من البيت الأبيض، وتتطابق هذه الرغبة الشعبية العربية مع نتائج استطلاعات الرأي العام في أوساط المنظمات والجمعيات والمؤسسات المدنية العربية الأميركية داخل الولايات المتحدة، والتي تبين فيها أن 47 في المائة من العرب والمسلمين يقفون إلى جانب كيري، في الحين الذي يحظى فيه بوش بتأييد 27 في المائة، وإذا ما أضيفت نسبة الـ 13 في المائة التي بينت استطلاعات الرأي في الأوساط العربية والإسلامية تأييدها للمرشح المستقل العربي الأصل رالف نادر إذا ما انسحب هذا الأخير في اللحظة المناسبة كما هو متوقع فان غالبية الأصوات العربية والإسلامية ستذهب إلى جون كيري. صحيح أن نسبة هذه الأصوات ضئيلة جدا ومحدودة جدا، غير أنها هي (بيضة القبان) التي أسهمت من قبل في فوز جورج بوش الذي سرعان ما تنكر لها سواء في مضاعفة دعمه ومساندته وانحيازه غير المسبوق للسياسات "الاسرائيلية" أو في غزوه واحتلاله للعراق أو في اجتراحه لقوانين عرفية تطلق يد الأجهزة الأمنية الأميركية في ملاحقة العرب واعتقالهم دونما مبررات أو مسوغات وبحجة الحفاظ على أمن الولايات المتحدة.
صحيح أن جون كيري ربما لا يختلف كثيرا في مواقفه العدائية من القضايا العربية، إذا ما تبوأ كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، وربما يكون أسوأ من بوش، ولكن فوزه في هذه الانتخابات وبترجيح من (بيضة القبان) العربية الإسلامية، إذا ما أحسنت المنظمات والمؤسسات والجمعيات والجاليات العربية الإسلامية توحيد صفوفها وإدارة لعبتها بعد أن تعاظم وعيها بأهمية أن يكون لها دور فاعل وصوت مسموع في الساحة الأميركية. فإن ذلك سوف يدفع الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي إلى إعادة حساباتهما حيال هذه المنظمات الصاعدة، وحيال القضايا العربية وبالتحديد القضية الفلسطينية والصراع العربي "الاسرائيلي" لجهة اتخاذ مواقف اقل عداء وانحيازا للكيان الصهيوني، وأكثر اتزانا وعدالة تجاه القضايا العربية وتحديدا القضية الفلسطينية، ومن يدري ربما يجد الرؤساء الأميركيون القادمون أنفسهم مرغمين على الاستجابة للطموحات العربية والإسلامية العادلة، بدلا من الانحياز الأعمى للباطل الصهيوني التي ظل اللوبي الصهيوني يقوده طوال العقود الخمسة الماضية خصوصا بعد أن ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن تغيير السياسات الخارجية الأميركية لا يتأتى إلا من الداخل الأميركي، وأن هذا التغيير مرهون بمدى حجم التأثير الذي يمكن أن تلعبه المنظمات والمؤسسات والجمعيات والجاليات العربية الإسلامية في العملية الانتخابية الرئاسية الأميركية.