مقدمة الطبعة العربية لكتاب المولوغ

هذه هي الولايات المتحدة

من مقدمة الطبعة العربية لكتاب المولوخ: تاريخ الولايات المتحدة

المؤلفة: كارلهاينتس دشنر

ترجمة: محمد جديد

مراجعة وإعداد: زياد منى

إصدار: دار قدمس

هل كان نابليون الذي قال في عام (1813) متبجحاً: "إن إنسانا مثلي لا يحفل بحياة مليون إنسان" أقل استحقاقاً للازدراء ممن ينادي يعد (150) عاماً بأن على الإنسانية أن تضع للحرب نهاية، أو تضع الحرب للإنسانية نهاية، وكان في تلك الأيام يتحفز لضربة نووية؟.
إن لدينا سياسة من دون أخلاق والسياسة من دون أخلاق سياسة إجرامية، إنها سياسة العنف وممارسة العنف. ولكن ماذا نقول في رئيس يتمنى في عام (1900) حرباً صغيرة ظريفة؟، أو سفيرة تقول بعد مائة عام (ولماذا إذا نجهز جيشاً)؟
وثمة أناس يخوضون الحرب من أجل الحرب، يخوضون مئة حرب صغيرة وكبيرة، في قرن من الزمان وبذلك يسخرون من كرامة الإنسان بأفواههم، ويسخرون من الناس بخدعة ما.
وثمة أناس تعاونوا على اغتصاب البلاد التي ينتمون إليها كلها بالخداع، وبحجرائم العنف وبعمل شائن فظيع بعد الآخر، وقاموا بما هو في حكم التطهير من السكان الأصليين بقتل الشعوب والإبادة الجماعية، ونقلوا إلى المالكين الشرعيين الأوبئة واستأصلوها وأدنى تقدير لهم سبعة ملايين، وأعلى تقدير لهم ثلاثون مليوناً من الضحايا.
وبعض الناس يلقون القنابل الذرية ويقومون، منذ ذلك الوقت، بدور شرط الحماية الدولية، أو دور قوة النظام لعلى نطاق العالم ولا يؤمنون الحماية ولا الأمن ولا الحرية. أما الأمن فأمن أموالهم وأمنا الحرية فحرية جنون العظمة عندهم ورغبتهم التي لا تحدها حدود والتي تمتد حتى إلى النجوم.
وبعضهم يصر كما يبدو، على أن يزدادوا اغتراراً بوضعهم على أنهم دولة الحق ثم ينتهكون الحق، حقهم الخاص، والحق الوطني، والحق الدولي وينتهكون اتفاقية حلف شمال الأطلسي، واتفاقية جنيف والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كل هذا وأكثر منه يمزقونه في لحظة كما يمزقون قطعة من الورق، ثم يسوغون سلوكهم بعد ذلك بأسلوب ساخر هازئ بالإشارة إلى أنهم من الحق الذي مازال من الواجب إنشاؤه أولاً أكثر مما انطلقوا من الحق الناشئ. ألم يكن هذا هو الأسلوب السياسي والحضارة السياسية منذ أقدم العصور؟ ألم يتصرف الإنسان بالاتفاقيات الحكومية تحيداً، وعلى الأغلب على هذا النحو؟. لقد كانت تعقد حسب الحاجة وتنتهك دائماً من جديد حسب الحاجة، وتتكرر دائماً من جديد، شأن التاريخ على وجه الإطلاق، فكونها تتكرر هو من أسخف المبادئ التي تحكمها، وأخسها وبالطبع: فالتاريخ ليس تكراراً على الصعيد الفردي، أي في الشخصيات، وفي تعاقبها الفريد وفي كل ما هو أساس عند الشعوب بالطبع، وما هو حاسم. وفي كل ما يتكرر مقرراً مصائر الشعوب يتكرر التاريخ بغير انقطاع. وثمة مبدأ آخر جديد كل الجدة بالطبع يعد كاذباً على غباء بالقدر ذاته، ومترع بالنيات السيئة الإجرامية، يقع من حيث المضمون، على الخط ذاته على نحو دقيق وهو مبدأ: بدءاً من اليوم سيكون كل شيء مختلفاً. بدءاً من اليوم المرء يتمنى لو كان الأمر كذلك، ولكن عبارة "بدءاً من اليوم" ليست شيئاً آخر، ليست بشيء مختلف أبداً ولا بمقدار أتمكة. إن عبارة بدءاً من ليوم هي كل شيء من حيث الجوهر شأن الأمس. ومثلما سيكون الأمر غداً ومثلما كان أول من أمس، ومثلما كان قبل أول من أمس.
وكيف كان ذلك؟
لقد كان هناك دائماً، وهو الأمر الأوكد على نحو مطلق مما نعرفه من التاريخ( إلى جانب المعرفة المعروفة، وهو أننا لم نتعلم منه شيئاً، وما أكثر ما كان في وسعنا أن نتعلم من أمور هائلة بالمعنى الحرفي للكلمة، لو أننا سمحنا لأنفسنا بذلك) الأمر الأوكد ممال نعرفه: أنه كان هناك دائماً، على قدر ما نستطيع أن نرجع ببصرنا إلى الوراء في شيء من الوضوح، قادة وأنا منقادون. وكان هناك دائماً طبقة جد ضئيلة من الحاكمين وطبقة عملاقة من المحكومين الذين يتعرضون للاستغفال بأسلوب وضيع ويتعرضون للاستغلال بلا رحمة، ويتعرضون للذبح بأسلوب وحشي، مهما تكن العلائم العقدية التي كان يجتذب بها هؤلاء أيضاً في كل مرة ويدعون.
غير أن الشيء الوحيد الذي يتغير بالفعل، لكي نحيط أيضاً بتقدم التاريخ ببصرنا، ليس أي عنصر من عناصر الخصال الحسنة، بل هو عدد الضحايا المتنامي باستمرار.
وكذلك نتحدث بعد بإيجاز عن ضحايا الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة.
فكم من ضحايا لا يحصون عدداً أسف أنا أيضاً ويتولاني الحزن العميق عليهم. إن كل فرد منهم كان أكثر مما ينبغي. ومع ذلك فمن المسموح به أن يطرح سؤال: أليس هناك أناس يعطيهم الحافز المريع سبباً لضربة معاكسة هائلة بعد الأخرى، مع عدد من القتلى كبير قدر الإمكان، قتلى أكثر كثيراً، وفوقهم كثير من البؤس، بؤس أكر كثيراً، ويطبل لهم ويزمر في أنحاء العالم بأسلوب الفشارين المبالغ. وقد لا تكون الحرب الأولى في القرن الحادي والعشرين غير مرغوب فيها أبداً عندهم؟! مثل الغارة المناقضة للقانون الدولي على يوغسلافيا، حتى في القرن الأخير، ولا أٌول إلا ما يتلاءم مع الأحوال (برل هابر).
وإني لأسائل نفسي أيضاً: لماذا لا يتساءلون عن الأسباب الكامنة، إلا في أحوال نادرة إلى حد شائن معيب، ولا يتساءلون عن العلل الأعمق لهذه الضربة؟. ولماذا يتصرفون وكأن من يتساءل عن ذلك يمارس التسويغ الضربة؟. وأنا أتساءل أيضاً لماذا يجتهد البلد المصاب إلى هذا الحد في اجتذاب سائر العالم معه، ولاسيما الأوربيين، إلى القضية. أتساءل أخيراً وهذا في الحقيقية مع امرأة أمريكية تعمل معلقة ولا ترقى إلى الشبهات، وهي الناشرة البارزة سوزان زونتاغ التي تكتب في جريدة لا ترقى إليها الشبهات، أبداً على النحو ذاته، وهي صحيفة "فرانكفورتر ألغاماينه تسايتنغ frankfurter allgemeine zeitung في الخامس عشر من أيلول بالنص الحرفي قائلة:” الأضوات التي يرجع إليها الاختصاص، حين يقتضي الأمر أن تعلق على حدث كهذا، كان يبدو أنها تتآمر من أجلب حملة هدفها أن تزيد في استغفال الرأي العام أكثر من ذلك بعد. فأين يكون الأقرار بأن المسألة لم تكن تتعلق بهجوم جبان على الحضارة، وعلى الحرية، وعلى الإنسانية، أو على العالم الحر، بالهجوم على الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، التي أطلقت هذا الاسم على نفسها بنفسها، وهو هجوم يعد نتيجة للسياسة والمصالح والتصرفات التي قامت بها الولايات المتحدة؟ ويلاحظ يوهان غالتونغ الباحث النرويجي في شؤون السلام، أن الولايات المتحدة نفذت ما لا يقل عن (228) تدخلاً عسكريا، من دون انتداب من هيئة الأمم المتحدة، وأنه قتل على يد مخابراتها السرية، أي: (وكالة الاستخبارات المركزية) central intelligence agency ciaمن ععامن 1949 إلى 1987 نحو سبعة ملايين نسمة. وقد أعد أحد العاملين مع لجان تحقيق في الكنغرس الأمريكي لائحة قتلى للمخابرات الأمريكية التي قتلت بين عامي (1949) و(1991) عشرات من رؤوساء الدول الأجنبية أو حاولت قتلهم، وكان ذلك بعض مرات إذ تفيد التقارير الصادرة عن الكنغرس الأمريكي أن فيدل كاسترو تعرض لهذا ثماني مرات، وتفيد البانات الكوبية أنه تعرض لهذا 24 مرة.
وكذلك تم تدريب أسامة بن لادن وتنظيمه (القاعدة) على يد الاستخبارات المركزية، مع تمويل هذا بزراعة المخدرات في الباكستان، بينما كان الرئيس الامريكي رغان يستعد في تلك الأيام للتقاط صورة جماعية له معهم، ويقدمهم على أنهم أنداد أخلاقيون للآباء المؤسسين الأمريكين.
وقد عدت الكاتبة الهندية ذات الشهرة العالمية آرونهاتي روي، الائتلاف العالمي ضد الإرهاب، قبل كل شيء مؤامرة أصحاب الثروة الأكبر، والبلدان الأقوى في العالم، وهي تنتج وتبيع كل الأسلحة تقريباً وتملك أكبر مخزون من أسلحة الأبادة الجماعية، الكيميائية والبيولوجية والذرية، وقد خاضت معظم الحروب وتعد المسؤول الأساس عن التاريخ الحديث لعمليات قتل الشعوب والإخضاع وعمليات التطهير العرقي وانتهاكات حقوق الإنسان.
وقد شجعوا طغاة ومستبدين لا يحصون عدداً، وسلحوهم ومولوهم، وهم يعتنقون عبادة العنف، وقد ارتقوا بالحرب، من الناحية الشكلية إلى الرب.
وتذكر الكاتبة بالمخرونات الهائلة من الغاز واحتياطات النفط في تركمانستان المتاخمة لأفغانستان. وتذكر بأن الرئيس جورج بوش الصغير george w. bush 2000 وكذلك نائب الرئيس دك تشيني على حد سواء يدينان بثروتهما لصناعة النفط، وتذكر بأن جملة من المواد الحربية تبلغ قيمتها نحو (45)مليون دولار، انتقلت إلى أفغانستان، وأنه في هذه الحقبة فقد مليون ونصف من الأفغان أرواحهم، وتنقل عن الرئيس بوش قوله "نحن أمة مسالمة"، وهذه رسالتنا، رسالة الولايات المتحدة الأمريكية، رسالة أوفر الأمم حظا من الحرية في العالم، التي قامت على القيم الأساسية، ضد الكراهية، والعنف والقتلة والشر.
"
نحن أمة مسالمة". ألم يكن هنا أحد أسلافه أكثر صدقاً بعد فحسب، حين قال آمر قبل مئة عام، "تحدثوا برقة ولتحملوا هراوة معكم دائماً"؟. ذلك لأن ما يجعل البحر كامل من الأهوال والفظائع يبهت، هو هذه الدعاية المهولة التي تستغفل كل الشعوب من حولها، وهذا النفاق الهائل، ومع ذلك يزدهر على كل حال، كما كتب النمساوي العظيم كارل كراوز karl kraus قائلاً: "الشر يكون أبداً أفضل مما يكون عندما يكون أمامه مثل أعلى". ومثال ذلك: تمثال الحرية في ميناء نيويورك.