يوم
الوحْدَةُ العَرَبِيَةُ في المنهج والآليات
بقلم:
وجيه عمر مطر
في
مثل هذا اليوم، ومنذ ست وأربعين عاما، تحققت
أول وحدة في التاريخ العربي المعاصر، ما بين
جناحي الوطن الواحد المقسم، والواقع في قارتي
أسيا وأفريقيا. وهو الفعل العربي الذي يوصف
بالتاريخي في هذه الحقبة الزمنية من
تاريخ العرب الحديث، هذا من جهة، والذي أقلق
مضاجع الغرب الإمبريالي من جهة أخرى، وهو فعل
أدى إلى ازدياد تكالب القوى الغربية المعادية
للأمة العربي، بالاتفاق والتعاون مع القوى
الداخلية المضادة والتابعة، لهدم هذا الصرح
العظيم، والذي كان وما زال حلم كل مواطن عربي
حر يؤمن بهذه الأمة ويفتخر بالانتماء إليها،
والتي أنجبت الحضارة الإنسانية، وأعظم
رجالات التاريخ.
وتأتي
هذه الذكرى، في أوقات عصيبة وحرجة، والأمة
تمر في أحلك ظروفها، وفي أشد مراحلها خطرا،
وهي تعاني من أزمات متعددة ومركبة.
فهذا
الاستعمار الغربي، يعود ليحكم سيطرته
وهيمنته على الوطن العربي، بأبشع صوره
الكولينيالية، في ظل تحولات دولية وإقليمية
ومحلية غاية في التعقيد والشراسة في آن. وقد
تلازم ذلك مع الأزمة المركبة والمتعددة
الأوجه.. من أزمة النظام العربي الرسمي
المتنامية والمتصاعدة منذ خضوعه للأجنبي
وقبوله الاشتراطات والاملاءات الغربية،
ومساهمته الفاضحة في الوقوف مع القوى
الأجنبية، بإعاقة أية توجهات لتحقيق الوحدة
العربية، بإفشال أول تجربة وحدوية ما بين مصر
وسوريا بقيادة الزعيم العربي جمال عبد الناصر.
وقد أعلن هذا النظام عن سقوطه المريع
بالاستقواء بالأجنبي وتقديم التسهيلات
والمشاركة تحت قيادة القوات الأجنبية،
بتدمير الدولة العربية العراقية واحتلالها،
لتقع العراق مهد الحضارة العربية، ومصدة
الدفاع عند بوابة الوطن الشرقية. إضافة لما
قامت به النظم
العربية الرسمية من انتهاكات صارخة لآدمية
الإنسان العربي، وحرمان أصحاب الرأي من أحقية
المواطنية وامتهانها.
مرورا
بأزمة حركة التحرر العربية، وما عانته من
تراجع وانحسار في المسارات النضالية
،والناتجة عن أزمة بنيوية مركبة، وبخاصة في
البنى القيادية منها، بوصول قيادات جاهلة،
ومتسلقين وانتهازيين ومتسلطين وقتلة وسماسرة
إلى الدوائر المؤثرة في القرار السياسي،
واندساس العملاء في صفوفها، في غياب المعايير
والمحاسبة والتدقيق والمراقبة التنظيمية،
وسيطرة فئات لا تؤمن بالحلول الجذرية،
وعقليات مساومة غير ثورية، وشراء الذمم
والاستزلام، والصراعات العبثية ما بين
أطرافها المختلفة، مما أدى إلى إضعافها،
وانحرافها عن مساراتها الاستراتيجية، متيحا
للقوى المعادية النفاذ من شقوقها، مستغلة ما
ظهر من ضعف وتشتت وتشرذم وصراعات عبثية ما بين
مختلف تياراتها السياسية والأيديولوجية.
وصولا
إلى الشعور بالإحباط العام لدى الشارع العربي
بعامة، من حجري رحى الأزمة، بالإضافة إلى
سطوة قوى الأمن العربية على الجماهير، وتغول
القوى الخارجية أمام ضعف ووهن القوى العربية
واستسلام القوى المتنفذة والمستفيدة من
وجودها في السلطة.
أدى
ذلك كله وأكثر إلى السقوط في شر الهيمنة
والاستعمار المباشر وغير المباشر، وهو
الأدهى والأشد خطرا على امتنا وشعبنا وحقوقنا
التاريخية في امتلاك التقدم والسيادة
القومية.
إن
التجارب التاريخية للأمم والشعوب، من جهة وما
مرَّ على أمتنا العربية من مآزق ومخاطر
وغزوات واستعمار ليؤكد الحقائق التالية:
أولاً:
إن أمة من الأمم لم تستطع النهوض وإحراز
التقدم، بدون مشروع إجماع الأمة، ومشروع
الأمة العربية، هو المشروع القومي العربي
الوحدوي الديمقراطي الحضاري.
ثانيا:
إن الأمة العربية، ستبقى مهددة، وعلى كل
المستويات، ما لم تتحقق وحدتها القومية.
ثالثا:
إن ذلك يحتاج إلى مراجعات نقدية لكل تجاربنا
ما نجح منها وما فشل، القريب منها والبعيد.
رابعا:
ويحتاج أيضا إلى إعادة النظر في قراءة
التاريخ العربي، وقراءة التجارب الوحدوية في
التاريخ كله، لنتبين كما يقول الدكتور نديم
البيطار وهو أحد المفكرين القوميين، أسس
القوانين الوحدوية التي حكمت آليات تحقيق هذه
الوحدات.
خامسا:
وهذا يحتاج إلى منهجية علمية، في التفكير،
والى آليات عمل شفافة وفاعلة، والى أدوات
منسجمة مع روح المنهج العلمي والآليات
الفاعلة.
سادسا:
إن الوحدة القومية تحتاج إلى قوميين، لآن
الوحدة لا تتحقق بالانفصاليين والقطريين
والإقليميين، ولا بالسماسرة والمرتزقة
والأزلام.
سابعا:
الإجماع حول القضايا الاستراتيجية، في تحرير
الوطن والأمة، والدفاع عن سيادتها القومية،
والعمل على تحقيق هذه الغاية، وفي مقدمتها
تحقيق الوحدة القومية.
ثامنا:
إطلاق الحريات الديمقراطية، واحترام
الموطنة، وعدم الفصل ما بين حدود المواطن
وحدود الوطن، واعتبار الاعتداء أو المساس
بحقوق المواطن، هو الاعتداء والمساس بحدود
الوطن.
تاسعا:
كما الثقافة والأدب والتاريخ، بأهميتهم في
صياغة وجدان الأمة، كذلك العلوم والتقنية،
ولا بد من اعتماد العلوم والتقنية، كأحد أهم
عوامل تحرير العقل العربي.
عاشرا:
إن المجتمع المدني، كان إنتاجا عربيا
إسلاميا، منذ ما قبل حمورابي، إلى الإسلام
كشريعة عربية مجتمعية. ولا بد من إحياء تراثنا
المجتمعي والتمسك به، وإعطائه الأهمية
الضرورية.
حادي
عشر: الاهتمام بالتنمية الشاملة، وفي مقدمتها
التنمية البشرية.
ثاني
عشر: إيلاء الاقتصاد المجتمعي الأهمية
القصوى، واعتبار الاقتصاد هو اقتصاد الشعب،
وليس اقتصاد النخب والسماسرة ورأس المال.
إن
هذه الأمور برمتها، تطرح على الأمة بكل
فاعلياتها السياسية والأيديولوجية على
اختلافها، من قوميين وماركسيين وإسلاميين في
الأمة العربية، مشروعها التاريخي الحضاري
القائم على أساس:
1
- التحرير وقيمه ومستلزماته، لإنجاز
الاستقلال الكامل والشامل، من الأرض إلى
الإنسان إلى الاقتصاد.
2
- للوصول إلى تحقيق غاية المشروع القومي، في
وحدته السياسية والجغرافية والاجتماعية
والثقافية في تنوعها.
3
- مما سيؤدي إلى فرض آليات تحقيق الديمقراطية
الشعبية.
4
- تحقيق السيادة القومية وصيانتها، على
المستويات كافة، وبخاصة في جانبها، الاقتصاد
الشعبي، وفي تحرير الاقتصاد من القوى الدولية
المهيمنة والمستغلة، ومن السماسرة
والمتاجرين بقوت الشعب وسيادة الأمة، وليس
بالمفهوم الأمريكي والغربي بعامة، أي إن
تحريره يعني دفعه إلى قبضة القوى المهيمنة
والمتغولة رأسماليا.
5
- وفي هذا المقام، يجب ألا نختلف حول من الأسبق
في التحقيق، التحرير أم الوحدة أم.. الخ. إن
هذه التقسيمات، وفرض وجهات النظر في
الأولويات الاستراتيجية، لم تثبت صحتها،
وذلك لأنها اعتمدت معطيات في زمان معين، كأن
نواجه الاستعمار في عدن، أو مصر أو لبنان، وأن
الوحدة وتحقيق الاشتراكية من القضايا
اللاحقة، أو إن تحقيق وحدة شطري اليمن ليست
ضرورية قبل تحقيق التحرير، أو أن التحرير
سيؤدي إلى الوحدة، أو أن الحدة هي التي ستؤدي
إلى التحرير، إنها بمجملها كانت آنذاك ثورات
جزئية.
6
- إن الأمر أكثر أهمية من كل تلك الشعارات
والتمترس خلفها، حتى أضحى الحفاظ عليها أهم
من الحفاظ على الأمة والوطن، وقاد ذلك إلى
صراعات عبثية، واشتباكات سياسية غير مجدية.
إذ انه كما العلاقة ما بين التخلف والتجزئة
والتبعية، هي علاقة جدلية ومترابطة، هي كذلك
في قضايا تحقيق أهداف الأمة في التحرير
والوحدة والتقدم الاجتماعي.
إن
ما سبق، يعني أن الأمة العربية بقواها الحية،
معنية اليوم أكثر من أي وقت مضى، في التخلص من
التخلف والتجزئة والتبعية، كآفات تفتك بجسد
الأمة وروحها. وهذا يحتاج إلى الجهود كافة،
ومن كل القوى، على اختلاف مشاربها السياسية
والأيديولوجية، من قومية وإسلامية وشيوعية،
واعتماد مفاهيم التقارب والتحالف والتآلف،
ونبذ الفرقة والتشرذم والتصارع العبثي.
وهنا
لا بد من الإشارة إلى المدى الذي لعبته
الأفكار القومية، من رفع مستوى الوعي الشعبي
بالوحدة القومية، إلاَّ أن ذلك الوعي، والذي
كان بقيادة الأطراف القومية الأساسية، لم
يستطع أن يحقق حلم الجماهير العربية، بقيام
وحدة العرب القومية. وذلك لأسباب رئيسية
ثلاثة:
الأول:
ويمكن وضعه بين قوسين، تحت عنوان (ضعف بنية
حركة التحرر العربي)، بمعنى أن بنية المجتمع
العربي، ما زالت بنية خليط من القبلية وشبه
القبلية، والعشائرية والطائفية والمذهبية،
إضافة إلى الأقليات الإثنية.
خاصة
وأن تكوين المجتمع العربي الحديث على الأقل
خضع لتأثيرات متعددة، وعلى جانب من الأهمية.
فهناك تأثيرات التصقت بالمجتمع العربي منذ
عصر الانحطاط، وفي مقدمتها البنية القبلية
والطائفية. حتى كانت السيطرة العثمانية على
مقاليد الحكم في بلاد العرب بعد ضعف الدولة
العباسية، وتحديدا بعد خلافة المعتصم، ومدى
تأثير هذا الحكم على البنية الاجتماعية التي
حرمها الحراك الاجتماعي الذي عرفته ومرت به
كل شعوب الأرض في تلك الفترات الزمنية، ثم كان
الاستعمار الحديث وما خلفه من تأثيرات مدمرة
على هذه البنية، بخلق أدوات تابعة له، وتعمل
على خدمته مقابل توظيفها في سلطة ما، على إحدى
المقاطعات العربية التي صار اسمها فيما بعد،
دولة.
ورغم
ذلك كله، ورغم أن وجودها يجيء في سياقه
التاريخي، إلا أن ذلك لم ينف عنها بأنها من
بنية مركبة، وهي كذلك ضمن إطار التطور
العالمي بعامة، وضمن إطار فهمنا لنشوء
الاستعمار والتطور الرأسمالي في سياقه
الإمبريالي، ووظيفة كل منهما على المستويات
السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا
بطبيعة تطوره أدى إلى نشوء قوى تحررية،
متنوعة المشارب والمذاهب السياسية
والأيديولوجية، إلا أنها بقيت محكومة بعقلية
البنى الاجتماعية بعامة، وتأثيرات القوى
الخارجية، وما أفرزته من قوى محلية تابعة
وتلعب دور السمسار والوسيط، مما أدى إلى
ارتباطها أكثر سياسيا واقتصاديا بمراكز
القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية،
كالولايات المتحدة الأمريكية.
ثم
تأتي التحولات الأخيرة لتزيد الأمور أكثر
تعقيدا، وبخاصة أمام التطورات الهائلة على
المستويات كافة، وتحديدا ما يعرف اليوم بعالم
الاتصالات والتقنية والفضائيات المتسابقة في
تشويه القيم وزرع الانحلال من الأخلاقي إلى
القيمي إلى الثقافة حتى حدود الانتماء.
الثاني:
وجود قوى داخلية، وكيلة الاستعمار الحديث،
وهي اليوم تقوم بدور الشرطي لقمع الشعب ووأد
أي تحرك شعبي، وهي قوى من أصول عشائرية وشبه
عشائرية وطائفية ومذهبية ومن برجوازية
طفيلية وتجار سماسرة، كانت وما زالت ترى أن
مصالحها مرتبطة بمصالح القوى الخارجية، وهي
قوى تحكم اليوم معظم الوطن العربي، ومن أهم
سماتها التبعية والسمسرة ونهب الشعب وقهره،
وتتمثل هذه القوى بالنظام العربي الرسمي
وبطانته من الامتيازيين.
ومن
أهم وظائف هذه القوى، هو إمساك الشعب من
معدته، والتحكم بقُوُته، ومنعه من الحراك،
وعلى رأس مهماتها، إعاقة أي توجه وحدوي،
وتدمير القوى الشعبية التقدمية والديمقراطية
والوحدوية، وقد قامت بكل ما يحقق ذلك، من زرع
الفتن الطائفية والاستعانة بقوى مذهبية ضد
مذاهب أخرى، وقوى طائفية وإقليمية ضد القوى
القومية والتقدمية. كما أنها لم تستطع أن تحقق
الحد الأدنى من التنمية، لأنها قوى نهابة
وموظفة عند الأجنبي. وهو ما يتساوق مع دور
الحركة الصهيونية في إعاقة أي تقدم أو تنمية
أو استقرار قد يحقق تنمية ولو جزئية.
الثالث:
القوى الخارجية:
وهي
القوى الاستعمارية سابقا، وقوى الهيمنة
والسيطرة لاحقا، بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية، بعد أن خرجت من الحرب الثانية
قوية على المستويين الاقتصادي والعسكري،
وضعف ووهن أوروبا لما لحق بها من دمار، وموت
الملايين، وضرب البنى الاقتصادية، مما جعلها
تقع تحت الوصاية الأمريكية، فتوكلت أمريكا
بالقيام بمهمات الاستعمار القديم، فاتسعت
دوائر نفوذها بعد التطور الإمبريالي، ونشرت
قواعدها العسكرية في بقاع عديدة من العالم،
مما أتاح لها الهيمنة أكثر وبخاصة تشديد
تعاونها مع القوى الرجعية والعمل على حماية
وجودها في الحكم، إضافة إلى دورها الأساسي في
حماية الكيان الصهيوني ودعمها اللامحدود له،
سياسيا واقتصاديا وعسكريا، حتى بات هذا
الكيان يساوي بقوته مجموع قوة النظم العربية
مجتمعة بل ويفوقها، وكان ذلك ضمن خطة أمريكية
تهدف إلى إبقاء العرب في تخلفهم وضعفهم، وعدم
قدرتهم على البناء والتنمية.
وها
هو الكيان الصهيوني يقوم بدور أكبر من حجمه
ودوره الوظيفي المحدد له في خدمة المصالح
الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص، بعد
انتقال مركز الدعم والحماية له من فرنسا إلى
بريطانيا، وهي اليوم أمريكا.
واليوم،
نرى بأم أعيننا مدى ما وصلت إليه الإمبريالية
الأمريكية، من توحش وتغول، بعد غياب القوة
المعادلة لها موضوعيا، الاتحاد السوفييتي
والمنظومة الاشتراكية، فقد طال ذراعها
العسكري أكثر مناطق العالم، وإن كان الوطن
العربي في المقدمة منه، فقد نال القسط الأكبر
من توحشها وتغولها. ونعلم جميعا الدور
الأمريكي، في حرب 1967، وكذلك حرب 1973، وكيف
استطاعت قلب رأس المجن بعد النصر الذي حققه
الجندي العربي عندما أتيح له المجال في
مقاتلة أعداء الأمة، فحولته إلى هزيمة سياسية
عندما أغرت السادات بأنه سيكون الرجل الذي
ستعتمد عليه في المنطقة، فقدم الأخير نصر
الجندي العربي للأمريكان والعدو الصهيوني،
على طاولة المفاوضات في مهانة كامب ديفيد، ثم
كان غزو لبنان عام 1982، وإطالة أمد الحرب
العراقية الايرانية، حتى كان صيف 1990، ودخول
العراق إلى الكويت، فكانت الضربة القاصمة
للأمة العربية في ضرب العراق، وتدمير بناه
التحتية، وقدراته الإنتاجية والصناعية بعامة
والعسكرية منها بخاصة. وفرض الحصار عليه الذي
دام حتى سقوط بغداد في 9/4/2003، ثم حصار ليبيا،
بعد الحرب الأولى على العراق، ووضع سوريا على
اللائحة السوداء، وكذلك السودان، والتدخل
السافر في الصومال.... وهناك ما لا يحصى من
المواقف الأمريكية المعادية للأمة العربية،
والتي لا يتسع المجال هنا لذكرها. إلى أن كان
إعلان الحرب على العراق وتجاوز كل الأعراف
الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن،
فكان أن احتلت القوات الأمريكية والبريطانية
كل تراب العراق. بمساعدة ومشاركة أطراف عربية
ضالعة في التآمر على الأمة العربية، كما حكام
الكويت وحكام الخليج، وصمت عربي مريع ومذهل
ومشبوه، وتحت مرأى ومسمع العالم أجمع.
ولم
تكتف أمريكا بالاحتلال، بل عملت على تنصيب
عملاء لها فيما يسمى (مجلس الحكم المحلي) كما
حكومة فيشي في باريس، ولكن الشعب رفض ذلك
فكانت المقاومة الفرنسية، وانتصرت فرنسا على
الاحتلال وعملائه وحررت فرنسا، وهي اليوم
حرة، وهكذا شعبنا العربي في العراق، فقد رفض
الاحتلال وانطلقت المقاومة بشكل أذهل الجميع
وفاق كل التوقعات، حتى أدى إلى فرار العديد من
المرتزقة في الجيش
الأمريكي.
وعليه،
فإن الوطن في خطر، والأمة تمر في أسوأ ظروفها،
بعد الاحتلالات المباشرة وغير المباشرة في
الوطن العربي، والتدخل السافر والمعلن في
تغيير نظم الحكم ومناهج التعليم بما يتوافق
مع الهيمنة الأمريكية.
إن
ما يجري جد خطير، ويلقي على عاتق المناضلين
مهمات أكثر صعوبة وتعقيدا مما سبق، إنها
مهمات معقدة ومركبة، نظرا لاتساع دائرة
الاحتلال، واتساع مساحات الهيمنة وسيطرة
القوى المعادية، وتغول العدو الصهيوني بدعم
الإدارة الأمريكية المطلق، وتبعية النظام
العربي وارتهان قراره السياسي بعد سقوط
بغداد، ولسطوة أجهزته القمعية، والتخريب
المتعمد في البنى الاجتماعية، من سيطرة ثقافة
الاستهلاك، إلى النخر في منظومة القيم
العربية، وإفساد الذوق العام، بعد إطلاق نظام
العولمة، التي تستهدف حقوق الشعوب وثقافاتها
وحضاراتها، ولكنها مقاومة ليست مستحيلة،
وبخاصة اذا ما اتحدت القوى الحية المؤمنة
بوجود هذه الأمة وحضورها التاريخي، ودور
الثقافة والفكر والعلوم في رفع مستوى الوعي
الشعبي، ودور الفاعليات العربية بكل فئاتها
وتنوعها على اختلاف إيديولوجياتها.
في
مثل هذا اليوم، العزيز على قلوبنا، المفعمة
بأمل الوحدة القومية، يوم الوحدة العربية،
لنرفع شعار.. المجد للأمة.. ولنعمل على
تحقيقه.