استشهاد غير مرغوب

توجان فيصل/كاتبة وسياسية من الأردن

متجاوزاً الصخب الإعلامي الذي تعمد العديد من وسائل الإعلام إثارته حول ما نشر من قائمة بأسماء من قيل انهم حصلوا على أذونات لتسويق النفط العراقي، طرح الأستاذ مصطفي عبدا لعال في برنامجه "النادي السياسي" في محطة الـ "أي أن أن"، سؤالاً مفصلياً عن وضع القوى الوطنية والقومية (وغالبيتها الساحقة تجد نفسها في خانة المعارضة)، بين الدعم والإلحاق.. وتساءل الأستاذ عبد العال: هل المطلوب من تلك القوى أن تقبل بالحصار المعيشي الممارس عليها وتصبح شهيدة؟؟

والسؤال غاية في الأهمية في ضوء النفوذ المتنامي لرأس المال الضخم والفاسد في السياسة العالمية، وفي السياسة المحلية لعدد من الدول الكبرى، و في مقدمتها الولايات المتحدة، وفي دول العالم الثالث حتماً. ويصل الأمر إلي حد استحالة إدعاء وجود أية ديمقراطية في أية دولة تجمع بين الغني الفاحش الفاسد لأقلية صغيرة، والفقر المدقع للأغلبية المقموعة.

وبما أن قضية القوى الإصلاحية الديمقراطية (وأحياناً يسميها الأستاذ عبد العال" بالمثقفة" في بعض مواضع الحوار، لاجتماع الصفتين بالضرورة لدي تلك الفئة التي تمثل المعارضة العربية) واحدة، فإن الصعوبات التي تواجهها واحدة، والحلول يجب أن تكون موحّدة، وعلى المستوى العربي.

وللأسف، جاءت معظم الطروحات مثالية إلى حد لا يخدم المعارضة (المثقفين)، أو الجماهير التي تمثلها تلك المعارضة، بل يخدم الفئات التي تحتكر الحكم والثروات، وتعطيها مدى زمنياً طويلاً سيزيد من تكريس سلطتها.. وقد لا تجدي تلك الفسحة الزمنية الكبيرة إلا في تأزيم الحال المعيشي وحال الحريات لدى الشعوب يما يدفعها للخيار التاريخي المعروف: الثورة. وهذا بالطبع لم يكن الخيار، أو حتى مجال البحث، المطروح في البرنامج. ولعل أقرب الطروحات لهذا التصور المثالي، وأكثرها تفصيلا، هو ما أورده الأستاذ عبد الحليم قنديل، رئيس تحرير جريدة "العربي" الناصرية في مصر.

يري السيد قنديل أن الحل يكمن في تحول الأحزاب إلى كيانات مؤسسية تكون لها أنشطة اقتصادية أيضاً ترفد عملها. وقد يكون السيد قنديل ينطلق من التجربة المصرية والتي، إلى جانب التجربة اللبنانية، تمثل الحالتين الوحيدتين في العالم العربي اللتين للأحزاب فيهما جذور تاريخية ومتصلة بحيث قد تكون راكمت بعض القدرات والموارد المالية. ولكن حتى هاتين التجربتين مهددتان بمخاطر العولمة التي جلبت سيطرة رؤوس أموال أضخم بكثير من أن تصمد أمامها تحويشات تلك الأحزاب واستثماراتها الصغيرة.

ففي لبنان مثلاً ورغم أن الطائفية، التي تقوم عليها عدة أحزاب، تستند إلى قاعدة إقطاعية، مما يوفر غطاء مالياً لا بأس به للتنظيم، إلاً أن رأسمالاً فردياً واحداً استطاع تهميش كل تلك الرساميل الصغيرة في الوصول للحكم والبقاء فيه. أما الأحزاب الأيديولوجية، والحركات الإصلاحية الحديثة التي تريد أن تدخل بلبنان إلى عصر المواطنة دونما طائفية (وهي الأهم في مجال التطور السياسي الديمقراطي الذي يؤدي إلى دولة المؤسسات المستقرة)، فإن قادتها يتلمسون طريقهم برفقة الجماهير الكادحة والمهمشة أو الرافضة لتقسيمة القوى الطائفية والإقطاعية التقليدية. تلك القيادات بالذات سهلت تنحيتها عن الساحة السياسية على يد رأس المال، رغم شعبية قادتها التي تفوق، في محصلتها الوطنية، شعبية زعماء الطوائف المحصورة في مناطقهم أو ضمن طوائفهم. وخير مثال على هذا النائب نجاح واكيم، الذي اضطر، رغم شعبيته الواسعة التي تجعله من النجوم السياسيين، للانسحاب من الانتخابات النيابية التي اتضح أنها محسومة بالنفوذ المالي، ناهيك عن الانتقال من النيابة إلى موقع سياسي متقدم.

وفي مصر لا تختلف الحالة ولا تقل إمكانيات تهميش رأس المال للقوى السياسية في أية معركة انتخابية ذات وزن. أي أن الأحزاب المعارضة قد تفوز ببعض المقاعد في مجلس الشعب، ولكن أياً منها لا يمكن أن يصل إلي سدة الحكم، كما لا يمكن أن تصل بمجموعها إلى أغلبية يمكن أن تحكم كائتلاف. الفارق الوحيد بين الحالة اللبنانية والحالة المصرية هو أن رأس المال جاء للحكم في لبنان من الخارج، بينما في مصر، تجمع رأس المال في يد الحكم بفعل النفوذ الواسع الذي توفر له. ومع أن الحكام يتطلعون للسلطة كوسيلة للإثراء، وللثروة كطريقة للوصول للحكم، فإن التبادلية، ما أن تقوم مرة حتى تستمر في نمو سرطاني.. المال يغذي السلطة والسلطة تغذي المال.. والنتيجة، فرعون وقارون مجتمعان في شخص واحد.. فماذا تملك الأحزاب القائمة والتي يمكن أن تقوم تجاه هذه السطوة، إن لم تتخل عن الخيار الديمقراطي وتقود موجة الغضب الشعبي في خيارات الثورة التاريخية.. ولكن هل ستقبل الجماهير قيادة تلك الأحزاب التي لم تملك أن تفعل شيئاً طوال السنين العجاف غير الوعظ الأيديولوجي من أقصي اليمين إلى أقصي اليسار؟ ألا يهمش هذا ويضعف العمل الحزبي وعمل المثقفين، بدلاً من أن يقويه؟؟

هذا إذا افترضنا وجود مؤسسات حزبية عريقة، وهي غير موجودة بثقل يذكر في عالمنا العربي خارج القطرين اللبناني والمصري. ففي الأردن مثلاً، ما زالت الحزبية تهمة في نظر الحكومات، أو حالة مشكوك في جدواها في نظر الجماهير. وهنالك الخوف من عنصر المجازفة المرتفع بارتفاع منسوب القمع، ولا يقتصر خوف المواطن من الملاحقة على الانتماء للحزب، بل أيضاً على تبرعه لأي حزب، وهذا هو الأهم، وهذا ما طرحه البرنامج من مشكلة متأزمة لدى المعارضة الوطنية والمثقفين الرياديين. وقد يكون أسهل كثيراً تمويل الحملات الانتخابية للأشخاص، أو تمويل حالة فزعة طارئة (كجمع التبرعات للعراق أثناء الحصار)، من تمويل مؤسسة حزبية. فآليات الأخيرة تضع المتبرع في بقعة الضوء المخابراتية، تماماً كما نرى في التجسيد المسرحي لقمع المخابرات (ما تسميه أمريكا بتجفيف المصادر المالية).. أما "الفزعة" للفرد أو لحالة وطنية أو قومية طارئة، فتضيع في مجمل الصخب القائم، أو تضمن قدراً أعلى من السرية.

وإذا أضفنا لكل هذه العوائق الشاملة لكل الأحزاب، عوائق تباين وتنافس الأحزاب فيما بينها، وحتى انقساماتها وانشقاقاتها، فإن فرص إضعاف جماهيرية الأحزاب تصبح أعلى. وفي ضوء ازدياد سلطة الأحزاب أو الأسر أو الأفراد الحاكمين عما هو مشروع ديمقراطياً، فإن محاباة تيار على حساب آخر من قبل السلطة الحاكمة، بالنفوذ والمال معاً، سيعزز هذا الانقسام ويضرب الحالة الحزبية ويسقط كل احتمالات الائتلاف، الذي هو الحل الوحيد أمام ضعف الأحزاب وقوة الحكام.

هنالك واقع سياسي عربي خاص، يضاف إليه الواقع العالمي الذي تطوّر إلى ما هو عليه الآن (العولمة والقطب الواحد..الخ) خلال فترة قصيرة جداً، وتأثر به العالم العربي سلباً أكثر من غيره، لكونه منطقة تنازع دولية من جهة، ولكونه غير متطوّر سياسياً حد المأسسة التي يدعو إليها السيد قنديل. ومن هنا فإن حلولاً إبداعية وغير تقليدية يجب أن تبتكر لإبقاء وتقوية الحالة الوطنية القومية الريادية المثقفة التي اعترف مقدم البرنامج أنها تجوّع لتركّع أو تشل.

أحد الذين وافقوا الأستاذ قنديل على طرحه من المشاركين في البرنامج، هو الزميل المناضل الذي قلت أن تعطّل سيارته القديمة عن العمل في الثلوج، حال دون وصوله في الليلة السابقة لاجتماع في منزلي، بهدف إطلاق سراح مناضل مثقف آخر ممنوع من العمل دائماً، ومن الحرية الآن.. وضيق ذات اليد النظيفة لم تعق زميلي هذا لتلك الليلة فقط، فقد سبق أن قاد إضراباً عن الطعام في رابطة الكتاب الأردنيين بسبب منع مثقفي المعارضة من العمل وحصر أبوابه على أزلام الدولة وأبواقها.. هذه الحالة النموذجية تستدعي منا وقفة علمية تحصي مخاسرنا. فهذا المثقف، بفعل تعطيله الإلزامي، يقسم ناتجه الإجمالي كمعارضة إلى النصف أو الثلث أو الربع، حسب حجم المطلوب من وقته وجيبه وسيارته، وحسب حالة الطقس وظروف الميكانيكي والكهربائي.الخ.. وإذا أردنا أن لا تتم قسمتنا وجب أن ننسى أنفسنا وحتى أبناءنا، وأن نختار أهدافنا في التغيير نقاطاً مفصلية، وهذا ما يضعنا في خانة خطر أكبر، وهو ما علّق عليه مقدم البرنامج بقوله أنه قد يخيف الحكام فيستبعدون النساء من بعدي عن مراكز القرار.. مع أن الواقع يدل على تقريب "حريم" السلطة من الجنسين، لا فرق!! فالاستبعاد قائم كقاعدة إلى أن يتم انتزاع الحقوق الشعبية. ولكن المهم هنا، وما طرحه البرنامج، هو: كيف لا يُختصر الواحد منا إلى جزء بالمشاغلة المعيشية أو الإلحاق.. أو يقضي نحبه شهيداًً إن أراد الحفاظ على زخمه رغم كل العوائق!!