لعبة
الإعلام.. والغزو
سميرة
رجب/كاتبة من البحرين
sameera@binrajab.com
رغم
سرعة الأحداث وخطورتها في هذه
البقعة من العالم، إلا أن هناك ضرورة مؤكدة
للإبطاء
والتوقف لمعرفة أسباب العثرات
التاريخية التي تتعرض لها أمتنا العربية
والمتسببة لاستنزاف قواها
وتشتيت إرادتها وإضعاف قدراتها وسلبها
سيادتها على أرضها
وثرواتها.. سواء تلك العثرات
التاريخية القديمة، أو عثرات الحاضر
والمستقبل.. سواء
ما تم بيد الاستعمار الأوروبي
القديم أو الاستعمار الأمريكي الحديث..
وسواء
ما تم تحقيقه بواسطة الأنظمة
الحاكمة أو من خلال التغيير والتشويه الذي
تعرّض
له الوعي العربي من هول
الأزمات المتتالية والمتسارعة، دون أن تتوفر
الفرصة
لمواجهة
أسباب تلك الأزمات واستيعاب
المتغيرات الناتجة منها، تلك المتغيرات التي
وصلت
إلى مستوى فرض إرادة القوة
والهيمنة والتقسيم على المنطقة بأسرها. أثبتت
التجارب
الحضارية المعاصرة، الغربية
والشرقية، منذ وقت مبكر أن أهم السبل لتحقيق
نقلتها
من أمم مشتتة وضعيفة إلى أمم
قوية قادرة على المحافظة على كيانها وسيادتها
وقوتها،
هو سبيل لم شتاتها وتوحيد
جهودها وتنظيم إرادتها وإدارتها للتخطيط
للمستقبل.. فكان البدء بإنهاء
منازعاتها الداخلية وتحقيق وحدتها وكسر
الهيمنة
الخارجية
يتم جنباً إلى جنب اهتمامها
بالفكر، والثقافة، وتعميق مفهوم الديمقراطية
ونشرها
في مجتمعاتها، لترسيخ وسائل
القوة في بناها التحتية لتشييد قاعدة قوية
وثابتة
تتحمل ثقل كل ما يتم بناؤه
عليها في مراحل حضارية لاحقة. وفي الوقت الذي
كانت
فيه تتفتح تلك المجتمعات
المتقدمة على الفكر الإنساني والديمقراطي،
شرّعت لما
يحقق
حماية وحصانة تامة لمكتسباتها
ومعطياتها الثقافية والفلسفية والفكرية
لبناء
حضارتها
المعاصرة على اعتبار أن
المواطن هو أهم عناصر هذه الحضارة وغايتها
النهائية،
فأصبح الإنسان في تلك
المجتمعات يشكل القوة التي تعدّل مسار الحكم
ومسار
المجتمع
في نفس الوقت، فلا تلاعب في
الحقوق ولا تلاعب في السيادة. وبينما تلك
الأمم
تتقدم
في نشر مفاهيم الحرية
والديمقراطية في مجتمعاتها، كانت الأمة
العربية تبتعد
عن
جميع مبادئها الفكرية
والإنسانية العريقة، وحُرِمَت شعوبها من
حقوقها وفرصها في
الحرية
وفي محاسبة حكوماتها والقضاء
على أنواع الفساد الذي ينخر في بناها، حتى
أصبح
الفساد
والتقصير في الواجبات ثقافة
مجتمعية.. وبذلك تحولت إلى مجتمعات تستهلك
الثقافة
أكثر مما تنتج، دون أن تملك
مؤسسات قادرة على رعاية تقدم فكري أو ثقافي
صالح
للتأصيل في بنى مجتمعاتها..
فظهرت النتائج في صورة الإنسان العربي
المستضعف
الذي
لم يعد يملك من وسائل القوة
شيئاً للدفاع عن سيادته وكرامة أمته.. وعندما
حان
الوقت،
جاء الغزو الإعلامي للعقل
العربي والثقافة العربية ليجد هدفاً ضعيفاً
يسهل
إختراقه
وتشكيله، مما أغرى الطامعين في
هذه المنطقة باستخدام الإعلام كسلاح فعّال
في
تحقيق أهدافهم، فاستُخدِمَ
الإعلام لتشويه الحقائق، وخلط الأحداث ،
وتغيير
الوقائع،
وجعل المستبد بطلاً، والبطل
مستبداً.. وكان الغزو سهلاً ويسيراً..
وتيَسّر
الأمر أكثر.. فأصبح الغزو
الإعلامي مواكباً للأساطيل العابرة للقارات،
والأقمار
الصناعية، والقنابل الذرية،
وقطعان الطائرات التي لا حصر لأنواعها
وقدراتها،
وعسكرة كاملة للبر والبحر
والجو والفضاء، وجيشاً كاملاً من العملاء
والجواسيس
في مختلف الاختصاصات
والفعاليات.... جاءت هذه المنظومة العسكرية
الكاملة
لتترافق
اليوم مع الغزو الإعلامي،
لتبهر المستضعفين، وتحقق السيطرة الكاملة
على
العقل
العربي أولاً والمنطقة
العربية أخراً. وهنا لا يجب أن ننسى أن
مسؤولية كل ذلك
يتحملها
الطرفان، المُرسِل والمُرسَل
إليه، فهناك من يغزو وهناك من يملك قابلية
الغزو
والاختراق، ويملك قبول تجاوز
الغزو الإعلامي والثقافي إلى الغزو العسكري
والاستعماري...
الغزو الفعلي المندفع كالموج
الهائج ليغرق الأمة.. غزو لم يعد
يفرّق
بين القيادات والشعوب، ولا بين
الدول الصديقة والدول العدوة... غزو يطال
الأنظمة
الحاكمة كما يطال الشعوب
البائسة.. غزو يطال الجغرافيا كما يطال
التاريخ
العربي. فهل يا ترى سوف يستمر
هذا الاندفاع الهائج لينهي الأمة العربية إلى
خارج
التاريخ،
أم سوف تكون هناك صحوة تتفجر
فيها طاقات هذه الأمة لتعديل مسار التاريخ..
وبدء
فجر جديد.