في ذكرى الوحدة

بقلم: رجاء الناصر/سورية

في الذكرى الـ 46 للوحدة المصرية – السورية، وفي ظل تردي الوضع العربي العام ووصوله إلى حالة الانهيار بعد أن تجاوز حافتها، يبقى السؤال، هل لا تزال الوحدة العربية مطلباً وهدفاً شعبياً أم هي مجرد حنين إلى ماض لن يعود؟

بالعقل والمنطق وبحكم الضرورة الوحدة مطلب وهدف وطريق لتحقيق البقاء واستمرار الوجود العالم كله يتوجه إلى وحداته القومية، وما هو أعلى من القومية، في عالم لا مكان فيه للشعوب الصغيرة، بالمقابل الكيانات القطرية ثبت أنها ليست نهاية مطاف التمزق القومي، فهي سرعان ما تفتح الطريق أمام تمزقات وانقسامات متوالية لا يمكن التحكم بنهاياتها أو نهاية المطاف الذي يمكن أن تنحدر إليه. وما قيل عن "التقومن القطري" وعن النزعة القطرية وثباتها وتأصلها خلال ما يقارب القرن من الوجود، أي منذ تقسيمات سايكس – بيكو والاحتلال الغربي للقسم الأكبر من الوطن العربي، تبين أنه غير صحيح، فسرعان ما تهاوت الهوية القطرية أمام  نزعات الانقسام والتشرذم في أكثر من قطر عربي، وهو ما يطرح إمكانية تهاويها أمام نزوع قومي أعم وأشمل، في حال توفر الظروف الموضوعية والقوى المحركة للعملية الوحدوية.

بالعقل والمنطق والضرورة هدف الوحدة العربية مرتبط بالديمقراطية في ظل انكشاف عدم مصداقية الشعارات التي رفعتها الأنظمة الشمولية " القومية أو غير القومية " حيث أن تلك النظم لم تشكل في أي وقت من الأوقات – فيما عدا النظام الناصري – نقطة جذب واستقطاب، لا لجماهير الأمة وشعوبها، ولا لحكامها الذين تحصنوا أيضاً بأنظمتهم الشمولية بدعوى التجارب القطرية الثورية، وانكشفت أيضاً مصاعب إقامة أحزاب قومية تشكل رافعة للعمل الشعبي بسبب كل تلك القيود التي تضعها الأنظمة العربية وغير العربية أمام مثل تلك الأداة أو الأدوات القومية، وهو ما يضطرها للانكفاء داخل الحدود والأسوار القطرية، وانكشفت أوهام بعض تلك النظم عن فرض الوحدة بالقوة، وكانت نتيجة ذلك عدم تحقق الوحدة وذهاب القوة، ومن ثم غياب تلك النظم ذاتها.

لم يعد من طريق للوحدة إلا الديمقراطية فعندما تعم الديمقراطية الوطن العربي، وعندما تصبح شعوبها صاحبة القرار عندها يمكن أن تأتي الوحدة نتيجة قرار شعبي مفروض بإرادة الأغلبية، وهي أغلبية لا يمكن إلا أن تكون وحدوية.

بالعقل والمنطق والضرورة لا يمكن تحقيق التقدم والنمو في ظل التجزئة في عصر لم يعد أحد قادراً على إغلاق الأبواب أمام السلع وأمام حركة الاقتصاد، ولم يعد من الممكن الحديث عن حماية جمركية أو غيرها، ولم يبق من حماية إلا الأسواق الداخلية الكبرى وإلا المساومات من موقع القوة والندية.

بالعقل والمنطق والضرورة أصبحت الوحدات الإقليمية الطريق أمام وحدة عربية إذا جاءت وفق هذا الهدف، وأضحت الجامعة العربية بحاجة قصوى لتعديل ميثاقها حتى تصبح مدخلاً من مداخل الوحدة العربية، تعديل يلغي وهم السيادة القطرية لحساب القرار المشترك.

وعلى طريق هذه الوحدة ومن أجلها يصبح لقاء الوحدويين أكثر ضرورة من أي وقت آخر، فهل يتحمل هؤلاء المسؤولية؟

 

(2)

الصمت مشاركة بالجريمة

ما يجري في فلسطين في هذه الأيام هو حرب إبادة جماعية تستهدف اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من أرضه، وما يطرح من مبادرات باسم " السلام" ما هي إلا تغطية على تلك الحرب القذرة ومحاولة التعمية عليها، وتوجيه الأنظار بعيداً عن الجرائم اليومية التي ترتكب على الأرض ضد الفلسطينيين.

عملية التضليل التي تسّوقها أنظمة عربية لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها جزءاً من الجريمة وهي لا تدخل في نطاق السياسة الواقعية ولا في تخفيض حجم الخسائر، إن تلك النظم تدرك أنه ليس لقادة العدو الصهيوني مشاريع لسلام أو تسوية، وإنما هي مجرد مراحل متتالية من مخطط صهيوني مستمر منذ انطلاق الوعد الغربي بإقامة كيان على أرض فلسطين لتقوم عليه دولة للاغتصاب والتوسع تحت حلم أسطورة شعب الله المختار.

إنها مشاريع ومبادرات تساهم في إخراج شارون من "مأزقه" وإعادة تقديمه كرجل للسلام، وتحويل الصراع وتصويره بأنه صراع مع رجل مهووس بالقتل وليس صراعاً بين الصهيونية وبين الأمة العربية.

الأنظمة العربية مسؤولة بالصمت حيناً وبالمبادرات الاستسلامية حيناً آخر، وبقطع الإمداد عن المقاومة، وعن الانتفاضة أو رهنه في كثير من الأوقات بمماشاة سياسة التدجين الموكلة إلى رجال المخابرات المصرية التي اشتهرت سابقاً في مواجهاتها الكفؤة لمخابرات العدو، وتسجيل الكثير من النقاط عليه حيناً ثالثاُ.

في ظل حرب الإبادة على أهلنا في فلسطين، وحالة التراجع الوطني الذي تجاوز حالة التخاذل وصولاً إلى الانبطاح الكامل تبقى إرادة المقاومة وتلك القوافل من الاستشهاديين الذين ينزرعون في تربة الوطن ليكونوا شهداء وشهود على أولئك القتلة، والمتخاذلين والصامتين، يبقى هؤلاء الشهداء عنواناً للكرامة، وعنواناً لاستمرارية الصراع وأملاً وحيداً، علينا جميعاً أن نمسك به ونحتضنه لنكسب شرف الخروج من دائرة الصمت. في وقت الصمت فيه ليس موقفاً وإنما مشاركة في الجريمة.