الانسحاب
من غزة وأمنيات شارون
نضال
حمد/كاتب من فلسطين يقيم في أوسلو
كما
هو ملاحظ فقد بدأ مشروع شارون للانسحاب من
قطاع غزة يتفاعل فلسطينيا، حيث قالت المقاومة
الفلسطينية عبر فصائلها المكافحة أن
الانسحاب المزمع يأتي نتيجة للمقاومة
العنيدة للشعب الفلسطيني بكل فئاته، وبفضل
التضحيات الجسام، كما أكد قادة المعارضة
الفلسطينية على أن نهج المقاومة هو الخيار
الأنسب واللغة الوحيدة إلى يفقهها شارون،
لأنها اللغة التي أجبرته على تغيير لغته
والانحناء لعاصفة المقاومة في القطاع. تماما
كما حصل مع الاحتلال في جنوب لبنان أبان حكم
الجنرال بارك.
اذا
نظرنا في مشروع شارون من وجهة محايدة فسنجده
مشروعا خطيرا يهدف إلى شق وحدة الصف
الفلسطيني وخلق نوع من الحرب الداخلية بين
الأطراف الفلسطينية المنوعة، هذا بالدرجة
الأولى. فصحيح أن شارون في جزء من مشروعه خضع
لاملاءات المقاومة وقوتها التي كبدته خسائر
كبيرة واستنزفته في القطاع حيث توجد أقلية
ضئيلة من قطعان المستوطنين موزعة على عدة
مستعمرات صغيرة وأخرى أكبر حجما. خاصة أن تلك
المستوطنات أصبحت أمكنة للأشباح، ومناطق
معزولة وشبه فارغة من سكانها، حيث لا يوجد في
بعضها سوى جنود الاحتلال، فقد تحولت
المستوطنات منذ اندلاع الانتفاضة وتطورها
إلى العمل المسلح إلى محميات وبمثابة قواعد
عسكرية وأمنية صهيونية تنطلق منها
الاعتداءات على الفلسطينيين.
خطة
شارون تأتي بفعل ضغط المقاومة ولكن بنفس
الوقت لأن شارون يعتقد أن الانسحاب من غزة سوف
يقابل بترحيب عالمي ينزع عنه وعن سياسته صفة
التعنت والتزمت، كذلك بتنازلات فلسطينية
جديدة في الضفة الغربية، وقد أظهرت التقارير
أن العمل هناك جاري بصمت وعلى قدم وساق
لمصادرة وتمهيد الأرض أمام الفارين
والمنسحبين من القطاع، لأجل إعادة توزيعهم
وتجميعهم. إن لشارون خططا تقضي بتوسيع
المستوطنات في الضفة الغربية كي تستوعب
القطعان الاستيطانية المنسحبة من مستوطنات
قطاع غزة. ولا يهمه إن كانت السلطة الفلسطينية
ستوافق على مشروعه أم لا، لأنه سوف يقوم
بتنفيذ مخططاته كما رسمها وكما خطط لها مسبقا
ووفق رؤيته للحل الأحادي الجانب. ومن الضروري
هنا أيضا التذكير بأن شارون يمارس سياسته
بدون التفات إلى الوراء أو إصغاء لما يقال
ويصدر من مواقف عن راعي عملية السلام وعن
الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية.
تحضرني
هذه اللحظة أوصاف جاءت على لسان الراحل فيليب
حبيب "المبعوث الأمريكي المكوكي السابق
للشرق الأوسط" أبان حصار بيروت الشهير سنة
1982، وذلك في كتاب لجون بُويكن بعنوان (ملعون
هو صانعُ السلام – فيليب حبيب في مواجهة
أرييل شارون) صدر عن دار النهار 2002 طبعة
ثانية، حيث قال حبيب عن شارون : "رجل لا قيمة
لما يعد به "وشارون" أكبر كذاب على هذا
الجانب من البحر المتوسط"، وفي رأي حبيب
أنه "لا يمكنك فعلا الاعتماد على أيّ شيء
يقوله شارون. لديه برنامجه الخاص به الذي لا
يتوافق بالضرورة مع برنامج الحكومة "الاسرائيلية"،
لكنه يبدو قادرا على السعي وراء تحقيقه من دون
أي مشكلة". هذا الوصف الدقيق الذي قدمه
فيليب حبيب للجنرال المتغطرس شارون جاء على
لسان أحد أهم مبعوثي "السلام"
الأمريكيين في العالم عامة وفي "الشرق
الأوسط" خاصة، والذي خبر شارون عن كثب وخاض
معه مشادات كلامية وحوارات ساخنة قبل وأثناء
حصار بيروت الشهير سنة 1982.
إن
هذا الاستنتاج الهام والمفيد يجب أن يكون
حاضرا في كل وقت يتحدث أو يتفاوض فيه
الفلسطينيون مع شارون وأعضاء حكومته، ويجب
على الفلسطينيين أن يعلموا أن شارون الحكومة
والحكومة شارون وأن الجنرال يفعل ما يريد
ويقول ما لا يريد فعله ويفعل كل شيء بشكل
مخالف لما يعد به. هذه السياسة اتبعها شارون
طوال حياته السياسية والعسكرية. فهو نشأ
كاذبا ونما كاذبا وأصبح عجوزا ولازال كاذبا.
لذا يجب ان يُفهم من مشروعه الداعي الى
الانسحاب من غزة، أنه قد يكون مقدمة لضم أراضي
جديدة في الضفة واستيطانها، وكذلك قد يكون
طعما سمينا للذين يصطادون في الماء العكر،
خاصة أن هناك من يراهن على حرب داخلية
فلسطينية بين السلطة و(حماس) أو بين السلطة
والمعارضة، إذ انه لا يخفى على أحد أن الأجهزة
الأمنية في السلطة تعمل وفق المشيئة الشللية
والمناطقية. فهي بالأصل لم تؤسس على أساس مهني
سليم بل قامت على أساس فئوي وشللي كما كان حال
الأجهزة الأمنية الفلسطينية في لبنان سابقا
وفي المخيمات الفلسطينية في لبنان حاليا.
مثلا لازال العقيد محمد دحلان وبالرغم من
استقالته وعدم قيادته للأمن الوقائي يتمتع
بشخصية القائد الفعلي للجهاز الذي كان يقوده
ويموله من أموال الشعب الفلسطيني والدول
المانحة وكذلك من أموال دافعي الضرائب
الفلسطينيين. وقد تم تأسيس الجهاز ليكون
العصا الغليظة التي ترفع بوجه المعارضة
الفلسطينية ويوم وقعت الواقعة لم يرّ الشعب
الفلسطيني جهاز الأمن الوقائي في قلب
المعركة، بل بقي جهازا رامبوياً (من رامبو)
يمارس دوره كما في أيام السلم.
لقد
أثبتت المرحلة السابقة ان البنية الشللية
والمناطقية للأجهزة الأمنية الفلسطينية
تعتبر من المخاطر الحقيقية والواقعية التي
تواجه التجربة الفلسطينية الطامحة لأن تكون
ديمقراطية. فطبيعة الولاء في الجهاز للزعيم
العشائري والقبلي تدعو للقلق وللحذر. مثلا
الأمن الوقائي في غزة من التابعين للعقيد
محمد دحلان حتى بالرغم من أن دحلان أصبح منذ
زمن عاطلا عن العمل وبلا وظيفة منذ استقالة
حكومة ابو مازن. كما ان الجهاز نفسه يتبع
لإمرة جبريل الرجوب في الضفة الغربية كذلك
بالرغم من أنه لم يعد مسئوله الفعلي منذ واقعة
بيتونيا الشهيرة. ويعتبر الرجوب الآن في موقع
قوي إذ انه مستشار الرئيس عرفات لشؤون الأمن
القومي وتمت ترقيته لرتبة عميد بقرار من رئيس
السلطة الفلسطينية! وعمليا لازال القسم
الاكبر من جهاز الأمن الوقائي في الضفة يتبعه.
قد يسأل سائل لماذا ؟ والجواب قد يكون : لأن
ذاك الجهاز أسس بناء على المحسوبية والشللية
والعشائرية والمناطقية والفئوية تماما كما
غيره من قوائم السلطة الأمنية التي تكسرت أو
انهارت بفعل العدوان "الاسرائيلي" وبفضل
الفساد والفوضى. تلك الأجهزة لم تبرهن أنها
كانت بنيت للدفاع عن الشعب إلا في القليل من
المواجهات والمواقع (أبو جندل وملحمة مخيم
جنين) وقد أظهرت أنها ليست أجهزة للدفاع عن
فلسطين وشعبها بل أجهزة لما هو غير ذلك،
للدفاع عن ممثلي العشائر والقبائل والمناطق
والفئات داخل الجهة الواحدة والمؤسسة
الحاكمة.
لقاء
الرئيس عرفات بمحمد دحلان يأتي بعد تصريح
خطير أطلقه العميد الرجوب حيث قال بشكل عنتري
لراديو جيش "اسرائيل": انه "سيحارب
حماس في غزة". قد يكون الرجوب أراد ضرب
عصفورين بحجر واحد في تصريحه الناري. أولا هو
لا يملك أية قوة في غزة وفق تقسيمات حركة فتح
والأجهزة الأمنية هناك، إلا إذا كان يتسلح
بقوة أجزاء من حركة فتح في غزة أو بقوة ونفوذ
الرئيس عرفات نفسه. فالوقائي في غزة تابع
لمحمد دحلان وبقية فتح تتبع لمسئولين آخرين
لا يرغبون برؤية الرجوب بينهم في غزة. أما
حركة (حماس) فبالتأكيد ليست عابر سبيل في
القطاع فهي تتمتع بقوة كبيرة جدا بالذات في
غزة. لذا لا يمكن أن يقام شيء في غزة بدون
الالتفات لموقف حركة (حماس) وتأثيره على
الأرض، وقد أثبتت الحركة خلال السنوات
الأخيرة صعودها القوي ووجودها المتين. إذن قد
يكون الرجوب أراد بيع موقف "للاسرائيليين"
بتهديده (حماس) بالحرب وبنفس الوقت أراد أن
يقاتلها في القطاع بجماعة العقيد دحلان، وهنا
يكون كمن ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث يمكنه
بذاك فتح معركة تنتهي بإنهاك الخصمين والتخلص
من عدوين لدودين، حماس التي تتهمه بالعمالة
"لاسرائيل" ودحلان الذي يتنافس معه على
زعامة الأجهزة الأمنية الفلسطينية الرسمية.
وبين طموحات الرجوب وتصريحاته ومخططاته
وتطلعات دحلان وما سيوكل له من مهمات جديدة
تتناسب والمرحلة القادمة، يبقى شعب فلسطين
الخاسر الأكبر.
20/2/2004