"شرق أوسط كبير" الشعار أم الأهداف؟!

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن

قام المبعوث الأميركي ديفيد مولينكس بزيارة عدد من دول المنطقة العربية بغية التحدث في صيغ عملية لإحلال الديمقراطية في المنطقة انطلاقا من شعار "شرق أوسط كبير".
جاء رفع الشعار من قبل الرئيس جورج دبليو بوش بعد عدة أشهر من احتلال العراق، وفي معرض محاولة الإجابة عن سؤال طرح بقوة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لماذا يكرهوننا؟! والمقصود هنا لماذا يكره العرب والمسلمون سياسة الولايات المتحدة لا سيما في اثر الحملة التشهيرية على العرب والمسلمين من جهة وشن الحرب ضد أفغانستان أولا ومن ثم العراق من جهة ثانية، وتلك الإجراءات غير المسبوقة في أميركا وعدد من الدول الحليفة لها ضد العرب والمسلمين تحت شعار "مكافحة الإرهاب" الذي فسره بوش على انه لضمان أمن الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها.
لماذا جاء شعار "الشرق الأوسط الكبير أو الأكبر"؟ من زاوية نظر أوروبية أوضح نيكول نيوسوتو مدير (معهد الدراسات الأمنية للاتحاد الأوروبي) في مقالة له نشرتها (لوفيغارو) الفرنسية "أن هذا الشعار يتيح إعادة محورة الاستراتيجية الأميركية مع الدفاع عن الديمقراطية وترقيتها"، مضيفا "إن الإدارة الأميركية برفع ذلك الشعار تتجنب ذريعة الإرهاب غير الثابت وذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم يتم العثور عليها لصالح الحرب المنتصرة ضد الاستبداد".
هذه الرؤية تؤكد أن الإدارة الأميركية فشلت في تسويغ مبرراتها التي أدت إلى شن الحرب على العراق ثم احتلاله وكذلك تسقط مبررات شن الحروب ضد العرب والمسلمين بحجة مقاومة الإرهاب وتنتقل الإدارة إلى شعار براق عبر التوكيد على الجغرافية بعيدا عن السياسة والأمن لأن هذا الشعار الجميل يجمع الشعوب خلفه عبر اصطياد ذكي لمتطلبات الشعوب في المنطقة على أساس أن الجيوش الأميركية والحليفة لم تحتل العراق إلا لكي تسلم العراقيين مفاتيح الحرية والتعددية الحزبية والديمقراطية وبالتالي الرفاه والأمن.
لكن هذا المطمح يصطدم بواقع يعيش عليه العرب والمسلمون في العالم من جهة وعرب المشرق من جهة أخرى، حيث الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما يلاقيه أبناء فلسطين على أيدي المحتلين الصهاينة من قمع وإرهاب وعسف لا ينكره أحد في العالم.
المطلوب إذاً من وجهة النظر الأميركية هذه أن تقوم الجغرافية ـ بالجمع ـ لكن قفزا من فوق كل عوامل التاريخ الجيوبوليتيك والأواصر والاختلافات التراثية والأدوار المرسومة للشعوب في المنطقة.
صحيح أن الإدارة اصطادت  شعارا مبهرا لتسويقه في المنطقة لكن الصحيح كذلك أن هذا الشعار جاء لإخفاء النيات  الاستراتيجية الأميركية الصهيونية المندمجة في المنطقة، لذلك يكون الشعار الجديد بديلا لعدد من الشعارات التي أخفقت أميركا في تطبيقها في المنطقة من "الشراكة المتوسطية" إلى "الشرق الأوسط الجديد"، إلى شعار "أن الحل السلمي والاعتراف باسرائيل سوف يجعل المنطقة أنموذجا في الرفاه وفي نشر الديمقراطية والأمن"!.
لقد فشلت الشعارات الأميركية التي رفعت منذ تسويق كامب ديفيد في إقناع أبناء العرب بأن أميركا تسعى إلى رفاههم اكثر من سعيهم هم إلى هذا الرفاه، وبعد اكثر من ربع قرن على كامب ديفيد ازداد الفقر في مصر وعدد آخر من أقطارنا العربية كما ازدادت التهديدات الموجهة إلى مشاريع الديمقراطيات هنا وهناك بصرف النظر عن اصراوات مولينكس لأن المنطقة لا تعاني فقط من الديكتاتورية والقمع والحرمان، ولكنها غير مستقرة إطلاقا بسبب فرض الغرب الصراع بين الاحتلال الصهيوني وشعبنا في فلسطين كما في بقية أجزاء الوطن العربي ـ وهذا الصراع أدى منذ اكثر من 55 عاما إلى إفقار العرب لكي يبحثوا في صيغ التوازن العسكري مع "اسرائيل" وإلى وجود أعذار ومبررات للبقاء في حالة مهلكة بعيدة عن الحرية والديمقراطية بذريعة أننا في حالة حرب. على هذا فإن اختيار شعار "لشرق اوسط اكبر" المتسم بالشروع في بناء وحدات جغرافية الأسس للديمقراطية والحرية مداعبة لأحلام الملايين لكنها مداعبة تفتح عيون هذه الملايين على كابوس الاحتلال الصهيوني والاحتلال الأميركي ونهب ثروات الوطن العربي مع استباحة أرضه وكرامته.
مع ذلك فأن ثمة أسئلة لا تستطيع العقلية  الاستراتيجية التي ابتكرت هذا الشعار أن تجيب عنها من مثل: هل هناك ضمانة بأن لا تقود الديمقراطية في المحيطين العربي والإسلامي إلى صعود قوى معادية أساسا للوجود الصهيوني في فلسطين ولدور الولايات المتحدة بالذات في قمع إرادة الشعوب؟ ثم إذا كانت الديمقراطية في الولايات المتحدة وعدد آخر من الدول الأوروبية قد سمحت بعد 11 أيلول/سبتمبر بتشريعات مناقضة لحريات الإنسان الأساسية وفتحت مجالات القمع والاعتقالات والتعذيب على مصاريعها فكيف يكون الحال مع اعتماد العصا هنا وهناك في المنطقة لفرض الحرية والديمقراطية؟! أم أن" الشرق الاوسط الأكبر" سيكون في حالة حرب مستعرة ضد التطرف الديني والعرقي والاثني من كل الوجوه؟ ثم ما ضمانة أن يأفل نجم الإرهاب بحيث يتم ضمان أمن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية إن كانت الشعوب المعنية تدرك وهي تتحمل سياط الاحتلال أن سبب نكدها حاليا هو الجموح الأميركي ـ الصهيوني لقمع إرادة التحرر الحقيقي والتخلص من شبح الصواريخ الأميركية وأسلحة الدمار الشامل التي تمتلىء بها مساحة فلسطين المحتلة منذ عام 1948؟!

وأخيرا هل سبق في التاريخ الإنساني أن حصل شعب على حريته جراء ترحيبه بجيوش الاحتلال؟ هل كان ديغول  على خطأ حين قاد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي لفرنسا؟ أم اخطأ غاندي حين حارب الاستعمار الإنكليزي للهند؟ أم أن المليون ونيف من شهداء الجزائر كانوا على ضلالة حين جاهدوا من اجل جزائر لأهلها لا للمستوطنين الفرنسيين؟ لقد سبق أن رفع العديد من المستعمرين شعارات الحرية والمساواة وانهم لم يأتوا فاتحين بل كانوا محررين فماذا كانت النتيجة؟