أميبا
الاستراتيجية الأميركية
نواف
أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في
الأردن
اندفعت
الولايات المتحدة الأميركية إلى المنطقة
عموماً والشرق الأوسط خصوصاً في بداية
الخمسينيات، بعد سقوط حكومة الدكتور مصدق في
ايران، وظهور بداية المد القومي العربي في
مصر عبد الناصر، كان الهدف الأميركي المعلن
في ظل رئاسة ايزنهاور، ووزير خارجيته آنذاك
جون فوستر دالاس، ملء الفراغ في "الشرق
الأوسط" وذلك بسبب غياب أو أفول نجم
المستعمر الأول في المنطقة، بريطانيا.. وضمن
ستراتيجية مجابهة المد الشيوعي ومنع وصول
الاتحاد السوفياتي آنذاك إلى المياه الدافئة
ـ أي بحر العرب والخليج العربي ـ بشكل محدد.
لذلك اتجهت أميركا إلى ربط بعض دول المنطقة
بحلف سمي آنذاك ـ حلف بغداد ـ شمل العراق،
وتركيا، وايران ـ الشاه ـ إضافة إلى انتقال
التركيز الصهيوني من الثقل ـ المنهاوي ـ
للاستعماريين القدامى، فرنسا وبريطانيا إلى
الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى
متنامية يمكن الاعتماد عليها لاحقاً لتحقيق
المشروع الصهيوني بامتداد جيوبولتيكي ـ ما
بين الفرات والنيل.
وكان المخططون الاستراتيجيون الأميركان ـ
ومعهم العقل الصهيوني، قد نبهوا إلى الأهمية
الكبرى للمنطقة من حيث مكنوزها النفطي،
وموقعها الجغرافي في مواجهة امتداد الخطر
الشيوعي الذي يشكله الاتحاد السوفياتي.
هكذا كانت مثلا ـ معركة السويس ـ العدوان
الثلاثي على مصر عبد الناصر، نتيجة طبيعية
جرز لمحاولة الاستعماريين القدامى إثبات
قدرة الصد مع الكيان الصهيوني، مع ما تبع ذلك
من فشل سياسي بائس أدى إلى أن يبقى الصهاينة
اعتمادهم على الناهض الأقوى للولايات
المتحدة الأميركية.
كما جاءت ضربتان متتاليتان ليضعها المخططون
الاستراتيجيون الأميركان في موقع التصادم لا
التخطيط حسب، واعني سقوط الحكم الملكي في
العراق، بالتزامن تقريبا مع إعلان وحدة مصر
وسوريا 1958، فكان لزاماً على من ملء الفراغ أن
يؤكد قدرته العسكرية واستعداده للنزول إلى
الحلبة، مع أم بدون المخلب الأوروبي
الاستعماري في فلسطين المحتلة. لذلك نزلت
القوات الأميركية إلى اكثر من مكان في
المنطقة، من ذلك لبنان وشواطىء الخليج
العربي، مع التهيئة العملية لاحتمالات خوض
معارك وحروب تحت أسماء وعناوين أخرى، من ذلك
فعلا مجابهة الخطر الناصري والثورات التي
اندلعت وتندلع في اكثر من مكان في الوطن
العربي.
ثم جاء عدوان يونيو عام 1967، كنهاية فعلية
للتحالف الفعلي العملي بين الكيان الصهيوني
والاستعمار القديم وبداية عملية لتجربة
نتائج التلاحم بين مصالح القوى الأميركية
والكيان الصهيوني، حيث ملء الفراغ أصبح حقيقة
مؤكدة، وفي ظل قدرة الولايات المتحدة
وحلفائها على منع إدانة أي فعل صهيوني في
الأمم المتحدة مجلس الأمن بصورة خاصة. وجاء
القرار 242 ليفتح المجال واسعاً أمام سلسلة
التنازلات العربية عن شعارات التحرير،
وتمحور بداية حول إزالة آثار عدوان 1967، ثم
انتقل إلى البحث عن حل سلمي وعبر تسليم أبناء
فلسطين قضيتهم، بحجة رفع الوصاية العربية، عن
شعب فلسطين، في حين كان التخطيط يرمي إلى
تجريد القضية الفلسطينية من عمقها القومي.
وهذا التسليم العربي الرسمي حدث في قمة
المغرب لعام 1974 ثم جاءت سلسلة المتغيرات التي
لعبت فيها الاستراتيجية الأميركية الدور
الأساس، حتى في تأجيج الحرب الإيرانية
العراقية، والمساندة الخفية والمعلنة، من
قبل الكيان الصهيوني وأطراف دولية ـ إقليمية
وعربية، كان الاستراتيجيون الأميركان
يراهنون على إضعاف وإسقاط ايران والعراق
معاً، ومن ثم الوقوع في فكي المفترس الأميركي
الذي ينتظر أن يبتلع النفط في المنطقة، من
جهة، ويؤمن للصهاينة وجوداً دائماً معترفاً
به، وقادراً على التأثير المباشر في المنطقة
أمنيا وسياسيا كرديف لقدرات الولايات
المتحدة العسكرية والمهيأة للفعل المباشر،
من جهة ثانية.
وهكذا كان ثمة التزامن في واشنطن وتل أبيب
لطرح المشاريع والشعارات التي هدفت إلى أن
يكون الكيان الصهيوني قوة مقبولة في الوسط
العام، وذي دور سياسي وإقليمي مؤثر، مع وزن
اقتصادي مشكوك فيه إلا باندماج مع الرأسمال
الأميركي، ضمن الشركات متعددة الجنسية، مع
الضغط على الأطراف العربية المعنية للقبول
بالكيان العدواني كشريك كامل الشراكة مع
الجميع، ومن ذلك الجميع ـ تركيا ـ بالطبع.
وجاءت أميركا بأساطيلها وجيوشها مع أساطيل
وجيوش حليفة إلى المنطقة بحجة تحرير الكويت
ومنع الخطر العراقي من أن يصيب أيا من حلفاء
أميركا.. وكان الحلفاء ـ هنا ـ متمركزين بكلمة
واحدة "اسرائيل".
وخلال السنوات 1991ـ2003 رفعت أميركا الشعارات
التي تؤكد أنها ستواجه مخاطر امتلاك العراق
أسلحة الدمار الشامل متكئة على قرار مجلس
الأمن 687. ومن ثم جاءت أحداث سبتمبر في أميركا
لتجعل أميركا موحدة خلف شعارات مكافحة
الإرهاب وانتقل الفعل العسكري مباشرة إلى
أفغانستان، مع التهيئة لفعل أكثر خطورة في
العراق، ما مثلته الانتفاضة الفلسطينية
الباسلة من خطر حقيقي على مشاريع الكيان
الصهيوني وأمن ذلك الكيان.
وجاءت حملة العدوان الأميركي ـ البريطاني
المرسوم صهيونيا ضد العراق، تحت شعارات من
مثل نزع أسلحة العراق ذات التدمير الشامل
بالقوة، ثم إسقاط النظام العراقي، ومنح الشعب
العراقي حريته في ظل الاحتلال الأنغلو أميركي.
وبعد نحو تسعة أشهر من الاحتلال وفشل أميركا
وبريطانيا في إثبات امتلاك العراق أسلحة
الدمار الشامل وبعد أن درس الاستراتيجيين
الأميركان أهم أسباب الكراهية التي يكنها
العرب والمسلمون للعدوانية الأميركية. ومن
ذلك دراسة أسباب فشل المشاريع والعناوين
السابقة، بعد كامب ديفيد واوسلو وظهور لا
عقلانية ما كان يسمى بـ"الشركة المتوسطية"
و"الشرق الأوسط الجديد" و"الشرق
أوسطية"، تفتقت عبقرية دهاقنة المخططين عن
شعار يمكن أن يكون عامل جذب شعبي في المنطقة
مع ما يحمله ذلك من وعود للطرفين الأميركي
والصهيوني، فاحتلال العراق وما يجري في
فلسطين هما عامل أساس للحركة المضادة
للمداخلة الأميركية ـ الصهيونية إذن، ليتم
البحث عن شعار مفعول ومقبول وليس أحلى واكثر
مدعاة للترحاب من الحديث عن الديمقراطية
والحريات في "شرق أوسط موسع وكبير"..!
والشرق الأوسط الكبير، ثوب واسع، يحتمل دخول
"اسرائيل" بالترحاب، ويحتمل دوراً
مؤثراً لتركيا، ويحتمل كذلك قبول الاحتلال
الأميركي للعراق الذي كان مدخلاً لكي تشيع
الديمقراطية في المنطقة بأسرها. إذن لا بد لنا
من الاستغناء عن العامل الأمني والسياسي
بالعامل الجغرافي، حيث تجريد الجغرافية من
التفريق وانتقالها إلى التوحيد مع تعدد
الجنسيات وهكذا تصبح الصهيونية الأميركية ـ
ويصبح المارينز، وتصبح الأساطيل الأميركية
والمتعددة الجنسيات والقوات الغازية، قوات
لتركيز مناهج ـ التعددية الحزبية ـ والانفتاح
على آمال وطموحات أبناء الشعوب، وتصبح أميركا
ـ محررة ـ إرادة إعلاميين، ويصبح الكيان
الصهيوني مركزاً ومحورا لنقل التجربة
الديمقراطية ـ إلى دول المنطقة، وبذا تذوب
الفواصل ويصبح الحديث عن التعايش الصهيوني ـ
العربي ـ الفلسطيني مفتاحا لديمقراطية
مثالية، تذوب معها الصراعات، إلا مشروع صدام
الحضارات الذي يركز فيه هنتنغتون على تفوق
قدري لحضارة أميركا بعد امتلاكها كل هذه
القدرات التقنية العسكرية والإعلامية ووسائل
الاتصالات.
نفهم أن فشل الإدارة الأميركية في تسويغ
وتسويق حربها ضد العرب والمسلمين تحت شعارات
مكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن أميركا
وحلفائها، هو الذي دفعها إلى شن الحرب على
الدكتاتورية والقمع والاستبداد ولكن الدفع
الصهيوني كان وراء ابتكار لعبة "الشرق
الأوسط الكبير"..!