قراءة في المشروع الديمقراطي الأمريكي

د. أحمد مجدلاني/رام الله – فلسطين

فوجىء الحكام العرب كما مواطني بلدانهم بمشروع قدمته الإدارة الأمريكية إلى مجموعة الدول الصناعية الثماني باسم مشروع (الشرق الأوسط الكبير) وتفيد المعلومات التي تواردت مع نشر المشروع بان الإدارة الأمريكية قد باشرت نقاشا مع هذه الدول لضمها الى "الشراكة" في إدارة وتنفيذ هذا المشروع، حيث انه من المفترض أن تتبلور نتيجة لهذه النقاشات مواقف موحدة تعرض على قمة الدول الثمانية في اجتماعاتها القادمة التي ستعقد في حزيران القادم في (سي لاند) في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي واقع الأمر إن هذه الشراكة تقوم بدون شريك محلي، وهي من حيث الجوهر وطبعا بدون تعجل مشروعا أمريكيا لتغيير الوضع بنيوياً في المنطقة سواء على مستوى الأنظمة السياسية أم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تغيرات أساسية في البنى التشريعية، والتعليمية والثقافية، وإقامة "نظام شرق أوسطي كبير" يتفق ومنظور الإدارة الأمريكية الحالية ويستجيب لمتطلباتها الحيوية والاستراتيجية في الظرف الدولي الجديد، علاوة على انه قد يشكل من جهة أخرى ركيزة جيدة للحملة الانتخابية للرئيس بوش الذي تعاني حملته من انتكاسات مبكرة، وقد تكون من أهم أسبابها سياسته الخارجية وفي القلب منها سياساته الشرق أوسطية، خصوصا بعد انكشاف زيف الادعاءات التي بررت غزو العراق واحتلاله باعتباره يملك أسلحة دمار شامل، ويشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الأكذوبة طالت أيضا حليفه عبر الأطلسي توني بلير، الذي رغم البراءة التي حصل عليها بشان انتحار خبير الأسلحة البريطاني إلا أن الفضيحة الأخلاقية مازالت تلاحقه.

ما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المشروع "الشرق الأوسطي الكبير"، ونقول عنه الجديد القديم لأنه مع كل تحول تشهده المنطقة تطرح مثل هكذا مشاريع كان أخرها "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الذي طرحه شمعون بيريز بعد انطلاق عملية "السلام للشرق الأوسط" في مدريد، وتتويجها في أوسلو، وقد كان من نتائج هذا المشروع أن قام "المؤتمر السنوي الاقتصادي للشرق الأوسط"، وعقد عدة اجتماعات في عدة عواصم عربية، ولو قيض لعملية السلام أن تتواصل بنفس الزخم الذي بدأت به وحققت النتائج المتوقعة منها لربما كان هذا المشروع قد مضى قدما على طريق إدماج "إسرائيل" في المنطقة وحقق بعض النتائج المطروحة كأهداف بالمشروع الجديد.

كما نه من الجدير التأكيد على حقيقة هامة أخرى أن المشروع قد استند برمته إلى جملة من الحقائق، وهي في واقع الأمر نواقص وثغرات خطيرة كان قد كشف عنها تقرير التنمية البشرية للعالم العربي الذي يصدر بدعم من الأمم المتحدة للأعوام 2002-2003 حيث ركز التقرير في الواقع على ثلاثة عناوين رئيسية:

- تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح.

- بناء مجتمع معرفي.

- توسيع الفرص الاقتصادية.

وبصرف النظر عن المسؤولية التاريخية التي يتحملها الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عن حالة التدهور والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي، بما في ذلك تخلف النظم السياسية وتدني الديمقراطية وتغييب حقوق الإنسان في المنطقة العربية ككل، بسبب تحالفها مع أنظمة الحكم السائدة لسنوات طويلة، ولم تكن تعنيها هذه الأنظمة إن كانت ديمقراطية أم لا أم تقوم بعمليات تنموية اجتماعية واقتصادية وثقافية. بل المهم كان عندها حشد اكبر قدر ممكن من الحلفاء في مواجهة ما سمي حينها بـ"الخطر الشيوعي".

بيد أن هذه الدعوات المتبناة الآن لا يبدوا أنها تأتي في سياق مراجعة تاريخية عن خطأ تاريخي ارتكبته الدوائر الحاكمة في التحالف الغربي بحق شعوب المنطقة، بقدر ما هو مراجعة أملتها تطورات الوضع الدولي ونزوع الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم بشكل منفرد، وقد وفرت لها أحداث 11 أيلول المأسوية هذه الفرصة لإعادة صياغة سياساتها ليس وفق مراجعة تصحح وتصوب هذه العلاقات بقدر، ما تجري هذه المراجعة كما أشرنا لتشديد قبضة الهيمنة والسيطرة على العالم وتعزيزا للهيمنة أحادية القطبية.

وقبل الحديث عن مفارقات هذه الدعوة الأمريكية ينبغي تأكيد بعض الملاحظات الهامة حتى لا نفهم بأننا ضد الدعوة للإصلاح والتغيير والتجديد وإننا من دعاة المحافظة على الوضع القائم، أو أننا نرفض الإصلاح والتجديد لأنه جاء من الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة وأن موضة الإصلاح والمبادرات والدعوات إليها صارت حديث الساعة، وكأنها فرض من الفروض الدينية ولم يعد خافيا على أحد أن هذه الدعوات قد تزايدت مع تزايد الضغوط لتحديث أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي بعد أحداث 11 أيلول، حيث اعتبرت هذه البلدان والأنظمة أنها مولدة للإرهاب والتطرف والديني، طبعا دونما النظر إلى سياسية الولايات المتحدة المنحازة لـ"إسرائيل" ودعمها غير المحدود لها سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وماديا.

علاوة على سياساتها التي تكيل بمكاييل مزدوجة للشرعية الدولية اتجاه العراق وفلسطين و"إسرائيل"، والكثير من القضايا الأخرى التي تهم البلدان والشعوب العربية والإسلامية.

بل إننا بخلاف ذلك نعتقد بأن الطريق الأمثل لمقاومة الهيمنة الأمريكية والعنصرية الصهيونية إنما يكون باعتماد الديمقراطية سلوكا وممارسة لا بالتخلي عنها، ففي ظل ديمقراطية حقيقية ستكتشف واشنطن حجم الاعتراض والرفض لسياسة إدارتها والأنظمة المرتبطة بها.

 وبالعودة إلى المفارقات المتصلة بالإعلان الأمريكي فإننا نجد التالي:

المفارقة الأولى: فيما كانت الإدارة الأمريكية تعلن عن مشروعها للإصلاح الديمقراطي في "الشرق الأوسط الكبير" الذي ستناقشه مع دول الاتحاد الأوروبي، بمعزل عن رأي شعوب المنطقة وتطلعاتها ومؤسساتها وأنظمتها، يعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد حمله عشوائية على قناتين فضائيتين "عربيتين" هما "الجزيرة" و"العربية" متهما إياهما بالإضرار بالمصالح الأمريكية في العراق. وهذه الحملة من قبل المسؤولين الأمريكيين، وحلفائهم، ضد بعض وسائل الإعلام العربية، ليست جديدة، فقد ترددت وتواترت أكثر من مرة على لسان أكثر من مسؤول أمريكي في العديد من المناسبات والمواقف، كما لمسنا بعض ترجماتها العملية في القصف المركز والمقصود لبعض مكاتب هذه الفضائيات العربية والأجنبية، واستشهاد بعض العاملين فيها، وفي الاعتداءات والاعتقالات المتكررة على مراسلين ومصورين عرب وأجانب في العراق يقومون بواجبهم الصحفي الذي من المفترض انه محمي بالأنظمة والقوانين الدولية.

غير أن جوهر المفارقة هو بدأ بث برامج القناة الفضائية المسمى "الحرة" الأمريكية التصميم والتمويل والتوجيه بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة، وما يثير المخاوف من هذا التزامن المقصود من أن تكون الإدارة الأمريكية عازمة على تكريس سياسة أعلام الاتجاه الواحد ورفض الرأي الآخر من محاصرته وإلغائه.

المفارقة الثانية: هي بالمحاولات الأمريكية المحمومة على أكثر من مستوى لتجاوز أو إلغاء على فكرة إجراء انتخابات حرة وديمقراطية تقود لتمثيل حقيقي للشعب العراقي وذلك بإشراف جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة بعد إقرار جدول زمني بانسحاب قوات الاحتلال من العراق وخصوصا بعد سقوط ذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل وإلقاء القبض على الرئيس العراقي السابق. فالذريعة الأمريكية للتهرب من هذا الاستحقاق كما يطرحها حاكم العراق الفعلي السفير (بريمر) "نعم للديمقراطية ولكن لا للانتخابات حاليا" متذرعا، كما هي حال نظام ديكتاتوري، باستحالة إجراء الانتخابات في "الظروف الراهنة" والتهديدات الأمنية المستمرة.

وهذه الذرائع كانت هي نفسها وراء غياب الحياة الديمقراطية والعملية الانتخابية الحرة عن العديد من بلدان المنطقة والعالم. والآن أصبح الاستبداد مقرونا باستبداد الاحتلال، وكلاهما مناف للحرية والديمقراطية التي تدعي الإدارة الأمريكية في مشروعها إنها جاءت لتعميمها.

المفارقة الثالثة: هو الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال "الإسرائيلي" للأراضي الفلسطينية والعربية، والذي يغطي على المجازر التي ترتكب يوميا بحق الشعب الفلسطيني، علاوة على دعم وإسناد حكومة شارون في كل ممارساتها العقابية الجماعية ضد الشعب الفلسطيني وبناء جدار الفصل العنصري الذي تسميه سياجا أمنيا، ولا تكتفي بذلك فإنها تصر على تغيير القيادة الفلسطينية الشرعية المنتخبة وترفض التعامل معها، وتضع الشروط على الشعب الفلسطيني إذا أراد أجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية فعليه أن يجري انتخابات تشريعية وليس رئاسية لقناعتها التامة أن الشعب الفلسطيني سيعيد انتخاب رئيسه المحاصر.

والسؤال المشروع هنا لأصحاب خطط نشر الديمقراطية هل نشر المشروع الديمقراطي الأمريكي يتلاقى مع نشر المجازر في فلسطين ورعايتها، ومع تعطيل العملية الديمقراطية فيها.

وعليه يبقى التساؤل الأكبر والأخير، إذاً ماذا يبقى من هذا المشروع (الديمقراطي) الأمريكي، الذي يبتدئ حياته بالهجوم على وسائل الأعلام، وبالتهرب من الاستحقاقات الانتخابية في العراق، ويرفض نتائجها مسبقا في فلسطين، إنها لمفارقة فعلا، حين يكون صاحب المشروع الديمقراطي في المنطقة هو الأكثر استبدادا وتعسفا وإقصائية في العالم كله.

17/2/2004