قتل
وإرهاب المسيحيين العراقيين.. لماذا؟؟؟!!
saadk@canada.com
من
المؤسف أن نضطر للكتابة عن هذا الموضوع
المؤلم. فلقد دأبنا الابتعاد عن طرح القضايا
التي تعالج مشاكل ذات أبعاد فئوية، إلا أن
تفاقم الحملة المنظمة التي يتعرض لها
المسيحيون العراقيون، وارتفاع عمليات اغتيال
الشخصيات المسيحية البريئة دون أية أسباب أو
مبررات، واحتمال تطور الإحداث بشكل قد يترك
أبعادا خطيرة على وحدة شعب العراق، جعلت من
التصدي لهذه الظاهرة الوحشية مسؤولية وطنية
يصعب تفاديها.
لقد
تعرض المسيحيون العراقيون ومنذ الأيام
الأولى لسقوط بغداد ومدن العراق الأخرى بأيدي
المغول الجدد ومرتزقتهم من أجانب وعرب
وعراقيين، إلى حملة إرهابية منظمة تستهدف
النيل من حريتهم الدينية والاجتماعية، وفرض
شروط مجحفة عليهم. واتخذت الحملة المتنامية
أشكالا وصِيغاً كريهة تراوحت ما بين الضغط
المباشر وغير المباشر على المسيحيات
العاملات في مؤسسات الدولة وحملهن على ارتداء
الحجاب، اختطاف الإناث وإجبارهن على تغيير
دينهم تحت التهديد المسلح، إلقاء القنابل على
المصالح الصناعية والتجارية التي لا تتعارض
نشاطاتها مع أحكام وفقرات القانون العراقي،
اختطاف الأطفال والبالغين وإطلاق سراحهم
لقاء فدية مالية كبيرة، وصولا إلى اغتيال
الأطباء والمختصين العراقيين اللذين قدموا
لشعب العراق وللإنسانية خدمات كبيرة مثل
الطبيب الأخصائي معن سرسم وغيره، بالإضافة
إلى الاغتيال الوحشي للعديد من أصحاب المصالح
التجارية التي يتعارض نشاطها مع أفكار
ومعتقدات بعض "الديمقراطيين الجدد" في
العراق؟
لقد
حاول البعض ربط هذه العمليات القذرة التي
تنفذها عصابات متخلفة تفتقر إلى ابسط مقومات
الإنسانية والشرف وقيم الرجولة، بدوافع
دينية وشرعية تجاه صناعة وتجارة الخمور، أو
تبريرها كنتيجة للتسيب الأمني الذي يسود مدن
العراق جراء سياسية سلطات الاحتلال القذرة
ومؤسساتها الذليلة. إلا أن الأسباب الحقيقة
لهذه الحملة الإجرامية تختلف كليا عن الأسباب
والتبريرات المقدمة.
هذه
العمليات البشعة ليست عمليات متفرقة وغير
مترابطة وعشوائية ناجمة عن انهيار مؤسسات
الدولة وأجهزة الأمن الاجتماعي كما يذهب إليه
البعض، بل إنها خطوات مرتبطة بجوهر ومحتوى
مخطط احتلال العراق البشع، وصفحة مهمة من
صفحات مخطط تصفية القاعدة العلمية العراقية،
وتفريغ العراق من القدرات والكفاءات العلمية
والطاقات الاجتماعية عن طريق إرهابها ودفعها
لمغادرة العراق. هذا التفريغ المنظم يساعد
على إرجاع العراق إلى عصر التخلف والظلام
الفكري والاجتماعي وبشكل يضمن تكريس
الاحتلال، ويتيح السيطرة على مقدرات الشعب
العراقي. فالسيطرة على الشعب المتخلف اقل
تحديا من السيطرة على الشعب الواعي المتفتح
معادلة يدركها مخططوا الاحتلال ويحاولون
تطبيقها في العراق.
بالإضافة
إلى ذلك، فإن من شأن الحملة البشعة على
المسيحيين العراقيين تصعيد وتغذية الصراع
الديني والعرقي، وتفتيت الوحدة الوطنية ودفع
المسيحيين العراقيين إلى التعامل مع سلطات
الاحتلال لإنجاح عملية مصادرة العراق
واختزاله، كما وأنها تساهم في تهيئة الأرضية
المطلوب توفرها لاندلاع الحرب الأهلية والتي
يشكل اندلاعها الشرط الضروري لتقسيم العراق
وتفتيته بالشكل الذي يخدم المصالح النفطية
للولايات المتحدة و"إسرائيل" ومصالح
الدول اللقيطة الأخرى وفي مقدمتها مستعمرة
الكويت.
ثمة
حقائق تاريخية لا يمكن لأي مدرك لتاريخ
التطور السياسي والاجتماعي للعراق إنكارها
أو التقليل من أهميتها:
1
- لا غبار في إن المسيحيين العراقيين يمثلون
السكان الأصليين للعراق وإنهم الورثة
الشرعيين لحضاراته العريقة. وانطلاقا من هذا
الفهم فلا يحق لأية فئة عرقية أو دينية
متواجدة في ارض العراق المزايدة على أصالة
عراقيتهم وعمقها التاريخي. وبشكل خاص لا يحق
للذين نزحوا إلى ارض العراق في العقود
الأخيرة من شرقه وشماله تزوير هوية وصدق
انتماء المسيحيين العراقيين وحرصهم على أرض
إبائهم أجدادهم وتراثهم العريق ومساهماتهم
الخلاقة.
2
- على الرغم من أن المسيحيين العراقيين قد
عاشوا في وطنهم خلال القرون الماضية دون أن
يتعرضوا وبشكل عام إلى أية مصاعب أو حملات
تصفية أو تطهير عرقي كتلك التي بدأت ملامحها
في التبلور في العراق الذي يطلق عليه البعض
"جديدا"؟! إلا أن تجربتهم لم تخلوا من بعض
التجارب المريرة التي تعرضوا فيها وخلال
مراحل تاريخية معينة إلى عمليات الإبادة
الجماعية الهمجية المثبتة تاريخيا بشكل لا
يمكن دحضه. وللأمانة التاريخية نثبت بأن تلك
العمليات العنصرية البشعة لم يرتكبها العرب
المسلمون، ولم تجري وقائعها في المناطق
العربية بل حدثت في المناطق الشمالية من
العراق، وارتكبها الغزاة من الأقوام غير
العربية كوسيلة لتغيير هوية الأرض وتركيبتها
السكانية من خلال إبادة الكلدان والآشوريين
أصحاب الأرض الشرعيين وطردهم من مدنهم
وقراءهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وثرواتهم.
3
- لقد ساهم المسيحيون العراقيون ومازالوا في
بناء وطنهم بشكل خلاق ودؤوب، وقدموا للعراق
أجيالا من العلماء والباحثين في شتى
المجالات، ورفدوا حضاراته في مساهمات سجلها
لهم التاريخ، بالإضافة إلى مساهمتهم وبشجاعة
في كافة معارك التحرير والدفاع عن شرف وكرامة
العراق وشعبه ومشاركتهم في صياغة وتأسيس الطروحات الفكرية للحركات
والأحزاب الوطنية والتقدمية.
لقد
أخذ نفر من المتخلفين مؤخرا في طرح أفكار
وإلقاء خطب في اجتماعاتهم ومحافلهم تتضمن
توجيه اتهامات مزيفة إلى المسيحيين
العراقيين متهمينهم بالعمالة والولاء إلى
الغرب المسيحي، والتعاون مع العدو "الإسرائيلي"
وغيرها من التهم الكاذبة والسخيفة؟!. والغريب
إن يتناسى هؤلاء المحتفلين بحريتهم تحت ظل
قوات الاحتلال الأجنبي بأن من منح الفرصة
لأصواتهم النشاز للانطلاق من حناجرهم الآسنة
لم تكن إلا قوات الاحتلال القادمة من دول
الغرب المسيحي؟! وأن احتفالاتهم وتجمعاتهم
التي يستخدمونها في بث عناصر البغضاء والفرقة
والتخلف لم تتحقق إلا من خلال الدعم الصهيوني
المباشر لقادتهم؟! يتناسى هؤلاء المتخلفون
حقيقة أن رموزهم وقادتهم يسعون يوميا وبحماس
ولهفة إلى تلميع حذاء "بول بريمر" رمز
الاحتلال الأجنبي الكريه وتلميذ هنري كيسنجر
البار!؟ يتناسون هبات وبركات الشيطان الأكبر
المالية لقادتهم التي ساهمت في تسليح ألويتهم
العسكرية التي تحولت إلى عصابات إرهاب
واغتيالات وأدوات لبث الفوضى والدمار في
العراق باسم الدين والديمقراطية والحرية؟!
إنهم يتناسون وبتعمد حقيقة أن معظم مغتصبي
السلطة في العراق المحتل قد سبق لهم وإن زاروا
"إسرائيل"، أو التقوا مع المسؤولين "الاسرائيليين"،
وإنهم فتحوا منافذ العراق للمصالح والمؤسسات
"الإسرائيلية" لنهب ثرواته وسرقة تاريخه
وتدمير كيانه وصولا لقيام "إسرائيل الكبرى"؟؟!
يتهمون المسيحيين العراقيين بالولاء إلى
الغرب المسيحي في الوقت الذي تُهين القوات
الأجنبية المرتزقة مدننا وقرانا بجزمها
القذرة، وتدنس حرمة مدننا المقدسة وأضرحتنا
ومساجدنا وكنائسنا؟! دعونا نسأل هؤلاء
الغيارى على قيم الإخلاص والمسؤولية
الوطنية، إذا كنتم حقا تتعففون عن التعامل مع
الأجانب، فلماذا إذن بحق السماء وبحق الرب
الذي تدّعون عبادته، لا تثورون ضد الاحتلال
الأجنبي البغيض لمدنكم وشعبكم؟
لماذا
تستقبلون ممثلي الاحتلال بالترحاب والتهليل؟
من الذي استقبل رمز الاستعمار البريطاني
الأمير جارلس في البصرة ومدن الجنوب الأخرى؟
من الذي يشكل أطواق الحماية للقوات الأجنبية
المحتلة للعراق؟؟ وهل باستطاعة هؤلاء
المتخلفين وأنصارهم لاسيما أولئك المقيمين
في مدن الغرب المسيحي، تقديم دليل واحد على
قيام شخصية مسيحية معروفة بالتعاون مع "الاسرائيليين"؟؟
نقولها
وبكل وضوح وقوة، إن العراقيين الشرفاء
الحريصين على وحدة شعب العراق ومصالحه
ومستقبله من مسلمين ومسيحيين وصابئة، عربا
وأكرادا وكلدانيين وسريان وآشوريين وتركمان
لن يسمحوا لهؤلاء الرعاع تلويث السجل الحضاري
لشعب العراق، ولن يسمحوا لهم باستخدام الدين
الإسلامي الحنيف وقيمه الإنسانية الراقية
والمتسامحة في تبرير جرائمهم العنصرية
والسياسية. ونؤكد لهم أن جرائمهم المخجلة لن
تمر من دون عقاب. وإن كان المسيحيون العراقيين
قد تصرفوا خلال المرحلة الماضية بشكل أخلاقي
وحضاري حكيم، فإن ذلك لا يعني كونهم عاجزين عن
حماية أنفسهم وعوائلهم وتاريخهم ومصالحهم
والرد على العمليات التي تستهدف وجودهم في
أرضهم. لقد كان المسيحيون العراقيين ومازالوا
وسيبقوا ملح ارض العراق ومادة حضارته
الإنسانية، وأبناء بررة لوطن الأيمان والحب
والتسامح الديني والقومي، ولن تثنيهم هذه
المحاولات الإجرامية المدعومة من العصابة
"الليكودية" في واشنطن عن الاستمرار في
التشبث بأرض الوطن ألام والدفاع عنه مع
أشقائهم المسلمين. نؤكد للمتربصين بوحدة
الشعب العراقي بأن رهانهم على وطنية الفرد
العراقي مسلما كان أم مسيحيا رهان خاسر.
فمشروع الاحتلال مشروع مندحر، وهزيمته
وهزيمة مرتزقته أمر حتمي، وطرد الغزاة
الدخلاء عن ارض العراق مسالة مسلم بها.
فما
اقصر أعمار محتلي العراق، وما أعظم خيبتهم
وخذلانهم.
إن
القيادات الدينية والسياسية في العراق
مطالبة اليوم بإدانة هذه العمليات الوحشية
والتصدي لها بشكل واضح وعلني دون أية مواربة
ومداهنة، وبخلاف ذلك فإنهم يتحملون تبعات هذه
العمليات المخجلة، ويتحملون مسؤولية هدر
دماء الأبرياء من المواطنين المسيحيين
العراقيين.