لبننة العراق مقدمة لتقسيمه والحل بالمقاومة

د. عصام نعمان *

بعد أسبوع من المحادثات مع القادة الدينيين والسياسيين وأعضاء مجلـس الحكم، خلص رئيس بعثة الأمم المتحدة الي العراق الأخضر الإبراهيمي الي أن من الصعب إجراء انتخابات في هذا البلد قبل موعد تسليم السيادة الي العراقيين في 30 حزيران (يونيو) المقبل. وحذّر في الوقت ذاته من حرب أهلية علي غرار لبنان بسبب وجود أشخاص أنانيين وجماعات تفكّر في نفسها اكثـر مما تفكّر في بلادها .
ما حذّر منه الإبراهيمي كان قد أصبح أمراً لافتاً قبل أسابيع. فـ اللبننة اندلعت وأخذت مجراها المدمّر، ويُخشي أن تُصبح الإطار المرجعي للأحداث العراقية في المستقبل.
اللبننة طراز خاص من الحرب الأهلية. إنها ليست نتاج أشخاص أنانيين وجماعات تفكر في نفسها أكثر مما تفكّر في بلادها فحسب بل هي ايضا صراع مسلح بين هؤلاء من جهة وبين دول مجاورة او حتي بعيدة تحترب بالوكالة من خلال هؤلاء الأشخاص والجماعات من جهة أخري. في الحرب اللبنانية، تصارعت زعامات سياسية لطوائف عدة، ثم تصارعت زعامات وميليشيات داخل الطائفة الواحدة. كل ذلك في وقت كانت سورية في صراع مع اسرائيل حيناً والعراق حيناً آخـر ومع الولايات المتحدة من خلال صراعات الاطراف جميعاً.
هذا بالضبط ما يحدث الآن في العراق. ثمة صراع بين أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، وبينهم وبين قيادات سياسية متعددة خارج المجلس، وبين قيادات في جماعات دينية واثنية (الشيعة، السنة، الأكراد والتركمان) وصراع داخل كُل من هذه الجماعات بين قيادات لها مصالح ومطامح متباينة، وصراع بين دول متعددة لها نفوذ وتأثير داخل هذه الجماعات (أمريكا، إيران، تركيا، سورية والسعودية).
ما كانت لبننة العراق لتندلع لولا عوامل ثلاثة. الأول، انهيار الدولة بعد حلّ الجيش العراقي والأجهزة الأمنية المتكاملة معه. فالجيش في الدول ذات التعددية الفئوية والسياسية المعقّدة هو العمود الفقري لبنيتها السياسية والاجتماعية، وتغييبه يعني عمليا تغييب الدولة بهيكلياتها جميعا. الثاني، إستئصال حزب البعث بما هو القيادة السياسية للدولة والناظم السياسي والاجتماعي لمختلف أنشطة المجتمع الأهلي. فالبعث كان طيلة 35 عاماً الحزب القائد الذي عطّل عمليا وجود أحزاب اخري الأمر الذي أدي الي فراغ مريع في الحياة السياسية قبل الحرب وعقب الاحتلال. الثالث، صعود مراجع وقيادات ذات مصالح ومطامح متباينة عقب الاحتلال اتاح لإدارة الاحتلال الأمريكية وللدول المجاورة، لا سيما إيران وتركيا، ان تلعب بها وتتلاعب تاليا بمقدرات العراق.
كل ذلك يطرح سؤالا مصيريا: ماذا بعد، والي اين؟
يتضح من وقائع الصراع واستنتاجات الإبراهيمي ان كلاً من الجماعات العراقية بات يطرح مطالب لنفسه خاصة به او يقترح نهجا لمعالجة القضايا العالقة من دون التنسيق مع الآخرين.
الأكراد، بقيادتي الطالباني والبرزاني، يبتغون الانفصال ضمنا، ويعبّرون عن هذا المطلب علنا بطرح صيغة الفدرالية.
الشيعة، بتوجيه المرجع الأعلي آية الله السيد علي السيستاني، يبتغون السلطة في العراق الجديد ، ويعبّرون عن هذا المطلب بطرح الانتخابات كوسيلة لضمان الغالبية في تكوين الجمعية الوطنية والحكومة المؤقتة.
السنّة، بلسان إمام مسجد ام القري في بغداد الشيخ احمد عبد الغفور الذي كان التقي الإبراهيمي، يتهّمون إدارة الاحتلال بأنها تفضل الشيعة عليهم بقوله: المحتل يريد ترجيح طرف من الأطراف العراقيين علي حساب طرف آخر . ثم عبّر عن هاجس أمني لعله هاجس العراقيين جميعـا: قوات الاحتلال عاجزة عن حماية نفسها، فكيف ستحمي العراقيين؟ .
التركمان، من خلال مواقف زعمائهم في كركوك، يتّهمون الميليشيات الكردية باستخدام العنف ضدهم (وضد العرب) بغية إقتلاعهم لضمان السيطرة علي هذه المدينة النفطية الاستراتيجية.
المسيحيون، بتصريحات متعددة لمسؤولين وناشطين في وسطهم، يتخوفون من مفاعيل انهيار الدولة والفلتان الأمني والاجتماعي ويطالبون بالأمن والحماية.
أمريكا، ابرز اللاعبين في الساحة العراقية، تبدو في تخبط متواصل وتنتهج بسبب ذلك منهجا تجريبيا: تحلّ الجيش ثم تعود الي تجميعه وتدريبه بصيغة مغايرة. تباشر إستئصال البعثيين ثم تعود الي إستمالة أشخاص ممّن هم دون المرتبة الأولي والثانية في الإدارات الحكومية والحزب. تداهن أهل الشيعة ثم تعود الي مغازلة أهل السّنة. تحّرض الأكراد علي طلب التقسيم ثم تعود لتتظاهر بلجمهم ودعوتهم الي الاكتفاء بالحكم الذاتي.
رغم هذا التخبط والتجريبية البائسة، تتمسك واشنطن بضرورة استراتيجية هي البقاء في العراق، بشكل او بآخر، لضمان السيطرة علي النفط وللانطلاق من مركز جيوسياسي حاكم لإعادة تشكيل المنطقة. كما تسعي الإدارة الأمريكية الي تحديد الخسائر الناجمة عن المقاومة المتصاعدة ضد الاحتلال علي نحوٍ لا يسيء الي حملة جورج بوش الانتخابية للفوز بولاية ثانية.
لتأمين الضرورة الاستراتيجية والحاجة السياسية المشار اليهما، تسعي إدارة بوش الي تحقيق أمرين: إقناع أوروبا عامة والدول الأعضاء في الحلف الأطلسي خاصة بالمشاركة في الجهد العسكري المبذول لفرض الامن والسيطرة بإيلاء هذه المهمة تدريجياً لقوي أمنية عراقية مما يمكّنها لاحقا من سحب القوات الأمريكية الي قواعد ثابتة خارج المدن، وإقناع الأمم المتحدة بالعودة الي العراق للإشراف علي إجراء الانتخابـات بعد إنجاز ترتيبات تسليم السيادة في 30 حزيران (يونيو) المقبل.
غير ان تصاعد عمليات المقاومة وإتساع الفلتان الأمني وتباين المطالب بين الجماعات التي تشكل لوحة التعددية العراقية حمل ويحمل مزيداً من أهل القرار الأمريكيين وحلفائهم علي إعادة النظر بالأهداف المعلنة للحرب وفي مقدمها بناء عراق ديمقراطي. ها هو هنري كيسنجر، الجمهوري البارز ووزير الخارجية السابق، يكتب مؤخرا مقالا يدعو فيه لتقسيم العراق الي دول ثلاث. السبب؟ لأن العراق، شأن يوغوسلافيا التي أنشئت لأسباب جيوسياسية، لا يمكن توحيده بمؤسسات تمثيلية، لذا سوف يتجه نحو الاتوقراطية او يتفكك الي عناصره المكوّنة. اذ يبدو هذا الاحتمال بعيداً عن النتيجة المرتجاة، فان الديمقراطيات العاجزة عن إنتاج مؤسسات مركزية ديمقراطية او غير الراغبة في دعم مستبد عادل مثل مصطفي كمال اتاتورك (مؤسس الجمهورية التركية) فان تفكيكها الي دول ثلاث يبدو، عندئذٍ، مفضّلاً علي حرب أهلية مفتوحة . هكذا تصبح الحرب الأهلية، حسب هذا التفكير الكيسنجري الإجرامي، مخرجا للولايات المتحدة من مأزقها الراهن في حمأة موسمها الانتخابي المحموم. فالعراقيون يحتربون لأسباب خاصة بهم، والأمريكيون يتظاهرون بأنهم غير قادرين علي وقفهم وإن كانوا مستعدين لمساعدتهم يوم يقررون ان يوقفوا حربهم عند الحدود التي تكون قد انتهت اليها، أي الي حدود الدول الثلاث العتيدة!
إذا كانت لبننة العراق تتجه هذه الوجهة، ماذا تراه يفعل العراقيون ودول الجوار؟
كانت الحرب اللبنانية قد استعرّت خمسة عشر عاما قبل ان تضع أوزارها. فقد انتهت بفضل توافر عوامل ثلاثة: وصول الأطراف المتحاربين الي حال من الإنهاك الشديد، وحصول انشقاق داخل احد الأطراف أدي الي تفكك مدمّر في بنيته وهبوط شديد في معنوياته، وتوصل سورية والسعودية ومصر، بغياب ممانعة أمريكية لاعتبارات إقليمية، الي صيغة مصالحة ووفاق بين الأطراف اللبنانيين المتحاربين جري اعتمادها في مؤتمر الطائف العام 1989.
ليس من الضروري، في حالة العراق، ان يحترب الأطراف المتنازعون حتي درجة الإنهاك منتظرين توافق الدول المجاورة برعاية الولايات المتحدة علي صيغة مصالحة ووفاق بينهم. ان الانزلاق الي الحرب الاهلية يكلّف العراق بالتأكيد خسائر بشرية ومادية ومعنوية أقسي وأفدح بكثير من تلك التي تكبدها في الحروب الثلاث التي خاضها او فرضت عليه منذ 1980.
يقتضي ان ينطلق ذوو الارادات الطيبة في العراق وبين أخوتهم في العروبة والإسلام وأصدقائهم في العالم من حقيقة صارخة هي ان لبننة العراق ـ أي الحرب الأهلية ـ اندلعت فيه، وأن مؤداها تقسيم البلاد، وان العلاج الوحيد هو مقاومة التقسيم بكل القدرات والمناهج والوسائل المتاحة وأولها وأهمها المصالحة والوفاق واستعادة الوحدة الوطنية ومقاومة الاحتلال وإعادة بناء الدولة الموحدة علي أسس الديمقراطية والعدالة والتنمية.
ثمة دور أساسي، في هذا المجال، للقوي القومية الديمقراطية والقوي الإسلامية الشوروية والقوي اليسارية. فهي الأوعي والأقدر والأكثر انتشاراً بين الجماعات التي يتكوّن منها المجتمع العراقي. علي عاتق هذه القوي تقع مهمة مركزية هي التعاون مع المرجع الأعلي للشيعة السيد علي السيستاني من اجل التوصل الي برنامج وطني للوفاق والتحـرير والتعمير والديمقراطية والعدالة واستعادة دور العراق عربيا وإقليميا. ذلك يقتضي مباشرة مقاومة مدنية شاملة للاحتلال قد تتطور الي مقاومة مسلحة علي مستوي العراق كله بقيادة جبهة وطنية وعلي اساس البرنامج الوطني السابق الذكر.
اذا نجحت القوي القومية الديمقراطية والقوي الإسلامية الشوروية والقوي اليسارية في تعبئة الشعب لمقاومة الاحتلال، فإن واشنطن سوف تضطر الي الموافقة علي إجراء انتخابات عامـة بإشراف الأمم المتحدة بعد زوال الاحتلال او، علي الأقل، التعهد في إطار قرار لمجلس الأمن الدولي بسحب قواتها فور قيام حكومة وطنية وشرعية. عندها سيان لمن تكون الغالبية في البرلمان والحكومة.
دول الجوار ـ لا سيما سورية وإيران ـ لها دور مركزي في مساعدة الأطراف العراقيين علي التوصل الي وفاق علي الأسس المبيّنة آنفا. ذلك يقتضي الترفع، في منظور استراتيجي، عن التماس المصالح الإقليمية الضيقة. فبقاء العراق موحدا ومستقرا في حمي شعبه هو المصلحة العليا والجائزة الكبري لكل الجيران، عربا وعجما.

* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب و معلق سياسي (لبنان)

inaaman@issamnaaman.com