احتلال أميركا للعراق

جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان

المحامي حسن بيان/لبنان

حسب قرار الأمم المتحدة 1483، أن الوجود الأميركي – البريطاني في العراق هو احتلال، والسلطة القائمة فيه هي سلطة احتلال. ولذلك لم يعد هناك من مجال لإعطاء وصف آخر حول طبيعة هذا الوجود ولا مجال لاجتهاد في هذا الأمر، لأن "لا اجتهاد في موضع النص".

هذا الوجود الاحتلالي، نتج عن حرب شنتها أميركا مع حليفتها بريطانيا، ضد دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة. وأنه في سياق العمليات الحربية والمقاومة التي برزت بعد وقوع العراق تحت الاحتلال، وقع كثيرون في الأسر، منهم خلال الفترة الممتدة من 20/3 إلى 9/4/2003، ومنهم استناداً إلى لوائح اسمية وزعتها قوات الاحتلال، ومنهم في سياق مقاومة الاحتلال.

هؤلاء المعتقلون من الفئات الثلاث، هم أسرى الحرب وفق أحكام اتفاقية جنيف الثالثة 12/8/1949 والبرتوكول الملحق بها، وأنه على ضوء تعامل قوات الاحتلال مع هؤلاء المعتقلين، يتحدد ما إذا كانت سلطة الاحتلال تطبق أحكام هذه الاتفاقية أم أنها تتجاوزها وتخرق احكامها، وما يستتبع ذلك من انتهاك خطير لحقوق الإنسان.

ومن العودة إلى أحكام اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة الأسرى، تنص المادة الثانية منها، على أن هذه الاتفاقية تنطبق احكامها في حالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة حتى ولو لم يعترف أحدها بحالة الحرب.

كما تنص المادة ذاتها على أن هذه الاتفاقية تنطبق في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة.

وطالما أن المعتقلين اعتقلوا وهم في حالة حرب واشتباك مسلح فإن وضعهم القانوني كأسرى حرب يجعلهم يستفيدون من الضمانات التي توفرها هذه الاتفاقية والتي تفرض من ضمن ما تفرضه على الدولة الحاجزة وحسبما نصت عليه (المادة 12) أن يكون أسرى الحرب تحت سلطة الاحتلال لا تحت سلطة الأفراد أو الوحدات العسكرية التي أسرتهم، كما يجب معاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات. ويحظر على الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبب موت أسير في عهدتها وبحيث تعتبر هذه الأفعال في حال حصولها انتهاكاً جسيماً لهذه الاتفاقية.

كما تؤكد الاتفاقية على أنه يجب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد أو السباب وفضول الجماهير، ولا يجوز تعريض أسير الحرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان مما لا تبرره المعالجة الطبية للأسير المعني أو لا يكون في مصلحته.

وتحظر تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب (المادة 13)، ولهم الحق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال ويحتفظون بكامل أهليتهم المدنية التي كانت لهم عند وقوعهم في الأسر ولا يجوز للدولة الحاجزة تقييد ممارسة الحقوق التي تكفلها هذه الأهلية (المادة 14).

وتلتزم الدولة الحاجزة أن تعامل أسرى الحرب، دون تمييز على أساس الدين أو الجنسية أو العنصر أو الآراء السياسية (المادة 16) ولا يلتزم الأسير عند استجوابه إلا بالإدلاء بما يعرف عن هويته ولا يجوز ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي أو أي إكراه على أسرى الحرب لاستخلاص معلومات منهم من أي نوع، ولا يجوز تهديد الذين يرفضون الإجابة أو تعريضهم لأي إزعاج أو إجحاف (المادة 17).

وتنص المادة (21) على أنه لا يرغم أي أسير على قبول إطلاق سراحه مقابل وعد أو تعهد. ولا يجوز اعتقال أسرى الحرب إلا في مبانٍ مقامة فوق الأرض تتوفر فيها كل ضمانات الصحة والسلامة (المادة 22).

كما أنه لا يجوز إبقاء أسرى الحرب أو استغلال وجودهم لجعل بعض المواقع أو المناطق في مأمن من العمليات الحربية ويجب أن تميز معسكرات أسرى الحرب نهاراً بالحروف (war prisoners of ) PW أو (Prisonniers de guerre) PG. (المادة 23).

وأنه لأسرى الحرب الحق بالاطلاع على الحقوق الممنوحة لهم والتي يتمتعون بحمايتها حسب أحكام الاتفاقية والبروتوكول الملحق بها (المادة 41).

هذه الأحكام والمبادئ التي نصت عليها اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، هي التي يجب أن تلتزم بها الأطراف المتحاربة وتتقيد بها طالما هي من الموقعين عليها، أما إذا لم تتقيد بها فهذا أمر آخر.

وحتى يتبين ما إذا كانت الأطراف المتحاربة التي تحتجز معتقلين كأسرى حرب حسب أحكام اتفاقية جنيف الثالثة والبروتوكول الملحق بها، تتقيد بأحكام هذه الاتفاقية لا بد من الرجوع إلى الوقائع لتحديد مدى انطباق سلوك الدولة الحاجزة على أحكام هذه الاتفاقية أو عدمه.

وأنه رغم التعتيم الإعلامي الذي تمارسه سلطة الاحتلال على أوضاع المعتقلين إلا أن ما يتسرب من مشاهدات حسية وما ينشر بين الفينة والأخرى من تقارير يشير إلى ما يلي:

1 - أن قوات الاحتلال تستعمل أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ضد أسرى الحرب بقصد الحصول على معلومات عن مرحلة ما قبل الحرب وأثناءها وعن المقاومين والمعارضين للاحتلال. وقد أدت عمليات التعذيب إلى وفاة العديد من الأسرى وأخر تقرير هو ما نشر في صحيفة "ذي صن" البريطانية وهي أن وزارة الدفاع باشرت تحقيقاً بشأن اتهامات ضد جنود بريطانيين أساءوا معاملة أسرى الحرب لما أدى إلى وفاة أسير تعرض للضرب حتى الموت وجرح اثنين آخرين: (مخالفة المادة 12)، وتجدر الإشارة إلى أن قوات الاحتلال أطلقت النار على أسرى حرب في معتقل أبو غريب في ضواحي بغداد أثناء احتجاجهم على أسلوب معاملتهم مما أدى إلى مقتل وجرح العديد منهم وإطلاق الرصاص على مصور (رويتر) وهو فلسطيني الجنسية لأنه صور الحادث وحتى لا يتسرب خبر المجزرة إلى الخارج.

2 - خلط أسرى الحرب مع موقفين لأسباب جنائية.

3 - إجراء تحقيقات مع الأسرى وهم مكبلون ومعصوبي الأعين.

4 - وضع الأسرى في أماكن لا تزال مناطق قتال واشتباك (أبو غريب والمطار) (مخالفة المادة 22).

5 - عدم اطلاع أسرى الحرب على الحقوق الممنوحة لهم وإبقاء وضعهم خاضعاً للاستنسابية وبالتالي اللجوء إلى تغيير وضعهم القانوني وفقاً لمصالح سلطة الاحتلال (مخالفة المادة 41).

6 - إرغام الأسرى على توقيع تعهد مقابل إطلاق سراحهم (مخالفة المادة 21).

7 - اعتقال الأسرى في ظروف صحية وإنسانية سيئة للغاية، وهذا ما أكده بعض من افرج عنهم وما أشار إليه نجل رئيس المجلس الوطني سعدون حمادي.

8 - اعتماد أسلوب العقاب الجماعي في حال حصول مخالفات فردية والاعتماد على تقارير المخبرين الكيدية لتحديد وسائط التعامل مع الأسرى وهذا بشهادة د. أكرم عبد الرزاق المشهداني عميد أكاديمية الشرطة السابق والذي اعتقل لمدة 42 يوماً في المطار أبو غريب وأم قصر إذ يشهد أن المعتقلين تمارس عليهم كل أشكال الضغوط الجسدية والنفسية ويهددون بأشخاصهم وعائلاتهم وأقاربهم ويعيشون ظروفاً صحية صعبة وتفرض على العديد منهم أعمال السخرة، ومن يعارض، يحرم من الماء والذهاب إلى المرافق الصحية وتصادر الهويات الرسمية الوظيفية ولا تعاد للأسير الذي يطلق سراحه.

إذاً، من خلال ما تقدم، يتبين بشكل جلي وواضح، أن سلطة الاحتلال، لا تحترم في تعاملها مع أسرى الحرب المعتقلين لديها، أحكام اتفاقية جنيف الثالثة والبرتوكول الملحق بها. وهذا يشكل انتهاكاً خطيراً لأحكام المواثيق الدولية وأيضاً لحقوق الإنسان وإذا أضيفت هذه الانتهاكات التي ترتكبها سلطة الاحتلال ضد أسرى الحرب إلى جرائم الحرب التي ارتكبتها وما تزال بدءاً بقرار الحصار الظالم، وتداعياته وما نتج عنه من مآسٍ إنسانية واستعمال اليورانيوم المنضب والتخريب البيئي، واستعمال السلاح المحرم دولياً كالقنابل العنقودية والقنابل الفراغية والصواريخ الهيدرومغناطيسية وتدمير المرافق الحياتية والحيوية والقتل الجماعي كما حصل في ملجأ العامرية وإتلاف موارد الرزق للمواطنين، لقدم ذلك دليلاً قاطعاً في ثبوتيته على النية المسبقة لأميركا بارتكابها جرائم حرب في المناطق التي تمارس فيها عملياتها الحربية والتي تخضع لاحتلالها وهذا ما يفسر معارضتها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومن ثم رفضها التصديق على برتوكول هذه المحكمة.

إن رفض أميركا، التصديق على برتوكول المحكمة الجنائية الدولية، لا تفسير له إذن، سوى أنها تريد أن تبقى بعيدة عن أي مساءلة قانونية دولية، فيما لو أقدمت على ارتكاب جرائم حرب وانتهكت أحكام المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. وها هي اليوم تعطي السبب الحقيقي لتمنعها ومعارضتها قيام المحكمة الجنائية الدولية.

أما ما حصل ويحصل في العراق من ارتكاب جرائم حرب قامت به قوات الاحتلال، وما يقف عليه العالم من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ونموذجه الصارخ عدم احترام اتفاقية جنيف الثالثة بشأن أسرى الحرب، يشكل سبباً كافياً، لأن تكون أميركا ومن يتحالف معها كسلطة احتلال موضع المساءلة القانونية والسياسية. وإذا لم يكن ممكناً، مساءلتها قانونياً أمام المحكمة الجنائية الدولية فيمكن مساءلتها أمام محكمة لاهاي ومساءلتها سياسياً عبر تجاوزها لقرارات الشرعية الدولية وبالتالي تحميلها كل التبعات السياسية الناتج عن عدوانها ومن ثم احتلالها للعراق وما ألحقه من ضرر بالعراق كياناً وشعباً ومؤسسات. لأن ما تعرض له العراق وما يعانيه اليوم إنما هو بسبب الاحتلال بمقدماته ويومياته ونتائجه.

الاحتلال الأميركي البريطاني هو المسؤول عن كل تخريب بنيوي وتدمير اقتصادي وهو المسؤول عن كل قطرة دم تسيل على أرض العراق من أبنائه وكل كلام في غير هذا الاتجاه هو مجافاة للواقع وتشويه للحقيقة.