بوش الشجاع وسجلّ خدمته العسكرية!

حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين يقيم في دمشق

نتوجه بالشكر الجزيل، لمناسبة الضراوة الانتخابية التي تدور رحاها اليوم، على منصب الرئاسة الأمريكية، حيث ينكشف الغطاء عن المستور، وتندلق المعلومات التي يراد كتمانها بحرص شديد، خشية من انتشار الفضائح، التي قد لا تصيب المعني بها فحسب، بل وتصيب عصب الدولة بذاتها، سواء كانت إدارتها جمهورية أم ديمقراطية.
لكن أمام البراغماتية الأمريكية للوصول نحو الهدف الشخصي، لا يمكن أن يقف عائق، مهما كانت بلاغته الأخلاقية، فكيف اذا كان الهدف منصب الرئاسة، حين لا يعلوه أي هدف آخر. الآن، هو موعدنا مع نشر الغسيل الأمريكي، حتى لو كان هذا الغسيل سينشر على حبل طويل، من الدقة في معلومات وكالة الاستخبارات المركزية، إلى عدم الدقة في تأويل الإدارة السياسية للمعلومات نفسها، ثم من قيادة البنتاغون للحرب ضد العراق، التي قيدت كمجزرة يأفف لحدوثها كبار الجنرالات العسكريين، على شاكلة الجنرال تومي فرانكس، ثم من استقبال الجيش الفاتح للعراق، بالأرز والورود، إلى استقباله بالصواريخ والعبوات المدمرة، ثم من التخطيط الدقيق للحرب، إلى الاستخفاف بتداعياتها، فضلا عن البطالة والعجز والاضطرار إلى رفع معدلات الضريبة، وهو ما يوقظ المواطن الأمريكي الذي سبق له أن أصيب في حريته الفردية أيضا.
إن سياسات الداخل والخارج في عهد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، بدأت تتكشف على حقيقتها اليوم، وأما الكاشف الذي نتوجه إليه بالشكر، فهو المناسبة الانتخابية الرئاسية، لا غيرها، فالإدارة الأمريكية البوشية الحاكمة منذ أربع سنوات، لم تتوقع من مواطن أمريكي مخلص لأمريكيته، أن يقول لها، أن إدارتكم عمدت إلى تضليل الشعب الأمريكي لسنوات، لا في سياساتها الخارجية التي يقودها رجال أعمال كشركة، ولا في سياساتها الداخلية، التي يديرها المحافظون الجدد ككنيسة لوثرية، وإنما ـ وهو الأهم ـ قيادة الولايات المتحدة إلى مهاوي استعداء الشعوب في جميع قارات العالم، إذ من الصعب العثور على قناعة أخلاقية عالمية، تقول بحق أمريكا، في أن تصبح شرطي العالم وسارقه بآن، كذلك هي مشكلة العراق مع عهد الرئيس بوش، فقد انطوت المشكلة على كثافة أضاليل تكاد تعافها النفس، وفي كل مرة، كانت تعمد الإدارة إلى تصويب التضليل السابق، بآخر لاحق اشد بؤسا وتهافتا، فإن لم يعثر في العراق على أسلحة دمار شامل، كما أفاد رئيس ألف مفتش أمريكي، السيد ديفيد كاي (بعد الاحتلال ولمدة سبعة شهور) فإن أسلحة الدمار الشامل تكون في هذه الحالة، صدام نفسه، ورغم الاكتشاف الذكي المتمثل في كون صدام قنبلة بيولوجية في حد ذاته، فإن هذا الاكتشاف يشي بالحقد ونفسية الانتقام، حيث من الواجب الترفع.. خصوصا وان المتكلم هو رئيس الولايات المتحدة نفسه.
وهناك في مناسبة الانتخابات الرئاسية ما يمكن أن يقال أيضا، فالرئيس المولع بفتح يديه ورجليه أثناء المسير، على طريقة حياة الكاوبوي في تكساس، والذي يحب أن يتزيا بزي الفحولة والرجولة، والذي هبط بطائرة صغيرة فوق سطح الحاملة لينكولن، ليعلن انتهاء العمليات القتالية في العراق، والذي اجتمع بجنود الحاملة وسمح للمصورين من فضائيات الشاشة الأمريكية، بأن يصوروا ذكرى سقوط العراق، وهو في لباس طيار شجاع، هذا الرئيس الذي أراد أن يصور نفسه وكأنه خارج من قلب أسد، هو نفسه من هرب من الخدمة العسكرية أثناء حرب فيتنام، فالرجل لوضعه الاجتماعي ـ الاسروي، كان من المدللين المحظيين، حين ووفق له باستبدال خدمته العسكرية، بخدمة داخلية بديلة في الحرس الوطني، ولم يكشف المرشح الرئاسي الديمقراطي كيري، عن واقعة هرب بوش من الخدمة العسكرية فحسب، بل أضاف إليها، معلومة مفيدة أخرى، وهي أن بوش أثناء خدمته البديلة في الحرس الوطني، كان في حالة غياب مكذوب المبررات، عن أداء الخدمة الواجبة..
وكما هي العادة في اللعب بالكلمات، فقد كان رد الرئيس بوش، على اتهامات المرشح كيري، بأنه (صحيح كان يتغيب عن الخدمة الداخلية أحيانا، إلا أنه كان يؤدي جميع المهام المنوطة به)، وهذا الاعتراف من قبل بوش، كان في حكم الإكراه، حيث لا يستطيع إنكار وقائع ما زالت موجودة في سجلات الخدمة للحرس الوطني، وفي اضطراره للاعتراف، فقد قاد هجوما ضد المرشح الذي سجل نقطة لصالحه من خلال سيرة بوش العسكرية، يقول فيه: صحيح أن كيري كان قد خدم كضابط شجاع في حرب فيتنام، إلا أنه عاد وانقلب ضد سجله العسكري، حين انخرط بحرارة ضد حرب قواته المسلحة في فيتنام!
وليس دفاعا عن جيري، من حيث انه، لا صوت لي في الانتخابات الأمريكية، بل واكثر من ذلك، فإنني مع ملايين شعبي، التي تنظر بعين الغضب لسياستي الحزبين الجمهوري والديمقراطي من حيث الكيل بمكيالين بين حق العرب في فلسطين وباطل "اسرائيل" في وجودها من الأساس، إلا أن النزاهة لوجهها، تفترض إقامة المقارنة بين مرشحين أحدهما سيقود العالم بعد نجاحه.
فكيري حسب خطابه السياسي في الولايات، يتهم بضراوة، الإدارة البوشية في تعمد تضليلها الشعب، لمبررات الحرب ضد العراق، وهو ما لا يستطيع أحد أن ينكره أو ينفيه، وقد وصل المرشح كيري حد القول (إذا كان احتلال العراق خطأ، فإن من الخطأ الأكبر البقاء فيه)، وأما بوش، فيرد رغم انتفاخه البطولي في فيتنام، بأنه (هو رئيس أمريكا في أزمان حربها) وكأن الحروب فرضت على أمريكا، ولم تكن إدارتها، هي الساعية إليها واللاهفة لها، ضد عالم إسلامي بكامله. وفي حملة الانتخابات الرئاسية هذه، سنسمع من بوش الكثير عن روما، ففي واقعة تاريخية، يسأل السيد بروتوس صديقه الإمبراطور يوليوس قيصر: إلى أين سنذهب يا سيدي الآن، فيجيب الإمبراطور بعد أن ثبت تاج العرش على رأسه: إلى مجلس الشيوخ، فيرد بروتوس باستغراب: وماذا سنصنع هناك، ويجيب الإمبراطور بلا مبالاة: نذهب علنا نسمع المزيد عن روما! وهو ما سنسمعه عن إنجازات بوش خلال ولايته.. فمن أكاذيب الجمهوريين القذرة، التي وعد كيري بفضحها، إلى التصوير الهوليوودي للشجاعة، إلى التضليل في أسلحة الدمار الشامل، إلى أكاذيب حلبجة والمقابر الجماعية، إلى الالتفاف حول المعلومات، أهي أخطاء استخباراتية أم تضخيمات سياسية، إلى كم الأفواه بذريعة بن لادن، إلى الاستنفارات الداخلية وكأن أمريكا مقبلة على حرب عالمية، إلى السياسات الاقتصادية والمالية، التي تذهب ملياراتها إلى الحروب، لا إلى البطالة التي جاوزت ثلاثة ملايين عاطل عن العمل، ولا إلى عجز الميزانية التي جاوزت خمسمئة مليار دولار، ثم إلى السياسات الخارجية التي فتحت الأبواب على مصراعيها، لعداء شعوب العالم للإدارة الأمريكية، حيث عادت لتستجدي الأمم المتحدة، أو حلف الناتو، لحل مشكلتها في المستنقع العراقي غير الخاضع للتجفيف.. وهو غيض من فيض.
ستتحامل إدارة بوش على نفسها، لتقول عن إنجازاتها ما قاله قيصر عن مجلس شيوخ روما، وفي هذا المقام، ليس لنا إلا أن نقول مع المثل العربي الدارج: من شب على شيء شاب عليه.. وهو السر الكامن في شخصية الرئيس بوش ونفسيته دون أضواء.