لماذا
تكره الإدارات الأمريكية عموماً العرب
والمسلمين؟!
حمدان
حمدان/كاتب وباحث من فلسطين يقيم في دمشق
لا
يبدأ التاريخ عادة من نقطة محددة، فما قبل
تاريخ الإنسان، يقبع تاريخ عالم مجهول من
الكائنات الميكروسكوبية، أو ربما تاريخ آخر،
له صلة بعالم الحيوانات العملاقة وما رافقها
من الزواحف الأرضية وهناك ما قبل الكائنات
الحية عوالم من الطبيعة سبقتها عوالم سديمية،
أو غازيّة.. أو ما يُطلق عليها علماء
الفيزياء، بعالم الانفجار الأول لبدء تخلق
الكون الأرضي قبل ملايين السنين.
إن
هذا الاستهلال الوارد أعلاه، لا يصلح كنقطة
انطلاق للحديث عن تاريخ أمريكا الشمالية،
فتاريخ أمريكا الشمالية ما زال واقفاً يستأذن
دوره أو ربما مع غطرسة القوة، لا يستأذن دوره
للدخول إلى ماضي التاريخ، ويمكننا الاعتراف
بأن تاريخ أمريكا الأنغلو – ساكسوني، لا
يتجاوز خمسمئة سنة إلا بقليل، أما تاريخها
الرسمي الذي يبدأ بحكومة واشنطن، فهو نيفٌ
ومئتا عام، حيث تشكلت أول إدارة أمريكية
برئاسة جورج واشنطن في العام 1789 ثم استمرت إلى
العام 1797 بمعدل دورتين رئاسيّتين، ثم لتخلي
المكان إلى الرئيس الاتحادي الثاني جون آدامز.
وبالطبع، فإن كراهية الغرب للعرب والمسلمين،
لا تبدأ من المقطع التاريخي الأمريكي، ولو أن
هذا المقطع أخذ الكراهية من وراثة غربية وزاد
عليها، فالمنطقة هنا تعرّضت لحروب صليبية
ابتدأت في العام 1095 ولم تنتهِ إلا مع خريف
العام 1204 ميلادية، وهذا معناه أن للغرب
أسبابه العدائية (التي هي في نهاية التحليل
جشع مصالح..) كانت متوافرة قبل ولادة أمريكا
بستمئة عام على الأقل، ويصف المؤرخ الأمريكي
نورمان شون في كتابه (السعي وراء العصر الألفي
السعيد ص 48) عملية احتلال القدس على يد الغزوة
الصليبية الأولى في تموز 1099، بأوصاف توراتية
إبادية لعلّها تنضحُ من كأس معينها، بأكثر
مما هي مذبحة حقيقية، أما إذا تساوى خيال
المؤرخ مع واقع تاريخه المروي كما كان
بالفعل، فإنها لطامة كبرى أن تكون مذبحة
القدس في تاريخها الصليبي هي مذبحة هيروشيما
دون منازع.
يقول
المؤرخ شون: (ما أن سقطت القدس حتى وقعت
المذبحة الكبرى، فقد ذُبح المسلمون رجالاً
ونساءً وأطفالاً، وعند معبد سليمان وما حوله،
غاصت الجياد في الدم حتى الركب، بل وفي حالات
حتى اللجام، إن حكم الله كان عادلاً، فهذا
المكان الذي ارتفعت من خلاله مآذنه، هرطقات
المُجدّفين في حق الله، هو الذي يتلقّى فيه
الله دماءهم اليوم).
لكن
هذه الترنيمة الإبادية، لم تكن حكراً على
المسلمين ففي وقائع التاريخ، ما يشي بمذابح
مماثلة على الطريق الصليبي لليهود
والمسيحيين دون تبكيت، وللتذكير فإن الضحايا
الأوائل للحملة الصليبية الأولى بقيادة
وولتر المفلس وبطرس الناسك، كانوا يهود
الراين ثم تبعهم مسيحيو بيزنطة، فقد كان
يتساوى عند جيوش المقدمين القادمين لتخليص
قبر المسيح!.. أن تكون الضحية من إسلام القدس،
أو من مسيحية بيزنطة، أو أن يكون النهب للقدس
أو بيزنطة سواء بسواء..
وعند
هذا المقطع، فإنه يمكن استخلاص "وعي
العداوة" في مسيرة التطور الإنساني، فلعلّ
وهم الاصطفاء الإلهي، هو الذي يؤسس للازدراء،
حيث هو البادئة الأولى على طريق العداوة
الطويل، وهو وعي قادم من الأسطورة
الميثولوجية (الدينية) مع الرضاع الأول،
فالاصطفاء هو اختيار الله لشعب دون شعوب،
وهذا ما يعطي الصك الشرعي (لشعب الاصطفاء)،
بأن يحكم العالم ويقوده ويرعاه، وتجدر
الإشارة إلى أن الأديان السماوية ليست وحدها،
مَنْ خصّ شعوبها بأفضليةٍ إلهيّة، بل هناك
أديان وثنية كانت تقول بذلك، فهذه روما، قبل
دخولها المسيحية، تقول على لسان فيلسوفها
شيشرون (إن شعب روما يتحمل مسؤولية رعاية
الكون وفرض قانون الإمبراطورية على سائر
الشعوب سواءً بالإقناع أو بالإكراه.. ذلك أنها
إرادة السماء التي لا تشاطرها إرادة أخرى).
وعلى هذه الفلسفة الوثنية، فإن فلسفةً
بريطانية مسيحيّة، تنحو ذات الأثر، حين يقول
فيلسوف القرن البريطاني جورج أنوين، كلاماً
مشابهاً، بل متطابقاً مع ما قاله الفيلسوف
الروماني شيشرون (لا مهرب من قبول هذا الواجب
الأعلى الذي فرضه الله، وهذا الشرف الذي
أسبغه القَدَر على شعب بريطانيا لقيادة الكون
ورعايته)..
ففي
الاصطفاء الوثني، هناك إرادة السماء، أما في
الاصطفاء التوراتي، فهو فرض الله الذي يجب أن
يُطاع. والشاهد أن الاصطفاء في الوثني، هو
نفسه بجوهره لدى الدعاة المُجدفين بحق
العدالة في شرائع الله، فالله لا يصطفي شعباً
كي يكون لعنةً على شعوب الآخرين، وبهذا
المعنى، فإن التسلسل التاريخي لنظرية
الاصطفاء التوراتية، أدت فيما أدت، إلى كوارث
إنسانية غير قابلة للوصف، لا في الخيال أو
التخيّل، فالاصطفاء بحد ذاته، يؤدي في الحيّز
الشرير في نفسية الإنسان، إلى الازدراء،
والازدراء يؤول إلى شرعنة الاستباحة، وهذا ما
حصل فعلاً وواقعاً، في تاريخ أمريكا مع
الهنود الحمر، بصفتهم الشعب الذي لم يقع عليه
اختيار الله، وعليه يمكن القياس على الزنوج،
وشعوب أمريكا الوسطى والجنوبية، كذلك شعوب
آسيا من العرب والمسلمين.. فمنذ أن اخترقت
اليهودية دين المسيح، على يد اللوثرية في
ألمانيا، والكالفينية في سويسرا وهولندا
وبلجيكا، والبيوريتانية في بريطانيا،
والهوغونتية في جنوب فرنسا، طغى التطرف فوق
طغيانه (الصليبي) بحق الشعوب الأخرى، وقد صادف
في بريطانيا على وجه الخصوص، أيام حكم الملك
جيمس والملكة ماري، أن شُنت الحروب الإبادية
ضد المسيحية البيوريتانية (وكلها اشتقاقات
بروتستانتية ضد كاثوليك العالم)، وهرب هؤلاء
باتجاه المحيط، حيث حملتهم أشرعتهم
التوراتية إلى الأرض الجديدة.. كان
البيوريتان الإنكليز، هم أصل الرواد الأوائل
الذين بنوا بمذهبية توراتية وأسماء يهودية
للإنسان والمكان، مستعمرة فرجينيا، بعد أن
نقلتهم سفينة (ماي فلاور) إلى الشواطئ الشرقية
لشمال أمريكا، ومن باب الاستعلاء الإلهي،
نظروا إلى الهنود، نظرة بني إسرائيل
للكنعانيين، وأكثر من ذلك، فقد ذهب خيالهم
إلى تسمية المحيط الأطلسي بالبحر الأحمر الذي
شقّه موسى بعصاه إنقاذا لشعب بني إسرائيل
وخلاصاً من فرعون (الملك جيمس) وظلمه..
وحيث
أن فلسطين هي أرض الميعاد لشعب اليهود، فقد
ولدت في المجتمعات الأمريكية الأولى، إلى
جانب التوراة والنبوءات، سياسات أديان
مضمرة، تقول بواجب تقديم العون لإرادة السماء
في الأرض، أي بواجب مساعدة اليهود في مشروعية
عودتهم إلى أرض آبائهم وأجدادهم في فلسطين،
وقد ترافق ذلك على نطاق أمريكي واسع، مع خرافة
اقتران عودة المسيح المنتظر باستباق عودة
اليهود (واقعياً) إلى فلسطين، والمحصلة أن
المسيحية المتهودة، كانت قد ولدت فوق الأرض
الأمريكية، قبل مجيء تيودور هرتزل بثلاثة
قرون على الأقل!.. سببان رئيسيان لتصاعد
التطرف اليميني (الإداري) الأمريكي ضد العرب
والمسلمين، الأول ويكمن في غلوّ مذهبي (توراتي)
مضمر (وقد أعلن مؤخراً على يد الطاقم الإداري
للرئيس بوش، حيث يضم خمسين عضواً توراتياً من
المسيحيين أو اليهود)، أما السبب الثاني،
فيتعلّق بالمصالح الأمريكية العليا، وفي
جميع الأحوال، فإن السبب الأول تاريخي،
والآخر راهن، علماً بأنه من الاستحالة بمكان
فصل السببين أحدهما عن الآخر، ففي تاريخ
أمريكا ما يشي بغلو المذاهب فوق المصالح، وفي
تاريخ أمريكا اللاحق (بعد الحربين العالميتين)،
ما يُنبئ بطغيان المصالح على المذاهب، خاصة
وأن الولايات المتحدة ما فتئت تعلن بأن
دولتها علمانية، وأن شعار ديمقراطيتها لا يقع
على الأرض.
إن
ما يهمنا من تاريخ أمريكا، على وجه التحديد،
هو ما يتعلق بمنطقتنا العربية، وربما في
دائرة أوسع الإسلامية أيضاً، ولا ينبع ذلك من
مذهبية مُتعصبة، فنحن عندما نتحدث عن المنطقة
العربية، فنحن نعني أمة بكاملها قوامها
الإسلام والمسيحية، وعندما نتحدث عن الدائرة
الإسلامية، فإننا نعني دائرة الشعوب، تلك
التي يمكن أن تقدّم دماءها في سبيل فلسطين
والعراق!. فمعاداة أمريكا (الإدارية) للعرب
والمسلمين، هي معاداة يهودية في أساسها
وسيرورتها وغلواء تطرفها، فمن البديهي، أن
مصالح أمريكا الاستراتيجية، تقع في المنطقة
العربية، لا في "دولة إسرائيل" التي تنهب
من جيب دافع الضريبة الأمريكي ما بين 6-8 مليار
دولار سنوياً، ومن هنا تعتري الدهشة كل منطق،
إذ كيف يمكن لأمريكا ألا تكون مع مصالحها
العربية، وتكون مع أعباء لا مصالحها :الإسرائيلية"،
فإذا كانت الولايات المتحدة، تراهن على إذعان
نظام رسمي عربي مقيم، فإنها تكون ربحت
الموقتية العرضية إذ أن قرناً من زمن الخنوع
الرسمي العربي، لا يساوي شيئاً في تاريخ
الشعوب، فيما الشعوب هي الأبقى على مر الدهور.
لقد ربحت أمريكا في عدائها للعرب والمسلمين،
"إسرائيل" ونظاماً عربياً لا يعنيه إلا
عرشه وثروته وخلافته.. وغالباً في تاريخ سقوط
الإمبراطوريات، ما يغفو أصحاب القرارات
الإمبراطورية، عن الأسباب الآيلة للسقوط،
فهي تعتري مسام الفاكس من المسيرة
الإمبراطورية دون أن يشعر بها أحد، ومع
التراكم، تنقلب القمة إلى قاع، تماماً مثلما
انقلبت روما من قمتها إلى قاعها، على يد
البرابرة وليس سواهم..
في
ختام خطابنا هذا، فإننا لا نجد أبرع من
الأستاذ الأمريكي في جامعة جورجتاون، نورمان
بيرنبوم، في وصفه للرئيس بوش وإدارته (إذا كان
فراغه الأيديولوجي صارخاً، فإنه من السذاجة
تجاهل سيطرته على أفظع جهاز قمعي في العالم،
فالرجل وهو فوق جهاز قمعه، يتحدث عن أمريكا
وكأنها كنيسة، وهو في صيغته الجمهورية، يضعها
فوق أطلال قبائل قيد التفكك، إنه يسير بإيقاع
أسرع على ذات الطريق الذي كانت نهايته
المحتومة، سقوط الإمبراطوريات العظمى في
التاريخ).