ترويج (الحرّة) بالهجوم عليها..

د. غسان اسماعيل عبد الخالق/عن "الدستور" الأردنية

كالعادة، فلم تكد بضعة أيام تنقضي على إطلاق "الحرّة" حتى انهمرت التصريحات والتعليقات "المزدرية"! للقناة الأميركية. وخلافا للدعوات التي أطلقها مسؤولو القناتين المستهدفتين "الجزيرة.. العربية" بضرورة الانتظار والمراقبة قبل إصدار الأحكام.
والغريب أن المسارعين إلى الهجوم هم إعلاميون محترفون نفترض انهم تلقوا مساقات او دورات في علم النفس وفي علم التسويق وفي فن المناورة التي تفضي جميعها إلى بديهية مؤداها: إن افضل طريقة للإعلان عن الحضور تتمثل في القدرة على اكتساب خصوم ثرثارين يمكن أن ينوبوا عن المعلن في استثارة فضول الجمهور، وبدلا من الانتظار بضعة شهور - وربما بضعة أعوام - لاستقطاب اهتمام الجمهور فيكفي أن تدفع بعضهم ليشتموك "مشكورين ومأجورين" كي تصبح بين ليلة وضحاها مالىء الدنيا وشاغل الناس. والغريب أيضا إن الإعلاميين المحترفين الذين سارعوا لتقصير مشوار "الحرة" باتجاه الجمهور يعرفون أن أبرز قاعدة يمكن استنباطها من أسلوب الدعاية الأميركية تتمثل في القول: "ابحث عن عدو.. وإذا لم تجده فاشتر عدوا.. وإذا لم تجده فابتكر عدوا" لأن الحرص على وجود النقيض هو دائما افضل مبرر للوجود.
والطريف في الأمر أن المحطتين العربيتين اللتين يفترض انهما المستهدفتان "بالحرة" قد أفادتا هما تحديدا من نتائج هذا الأسلوب - ولا نملك دليلا على أنهما خططتا لذلك - إذ أن التصاعد الكبير في أعداد المشاهدين لهما تحقق وباطراد في أعقاب سلسلة من حملات الهجوم العنيف عليهما رسميا وشعبيا وفي أكثر من قطر عربي.. حد انعقاد المظاهرات والاعتصامات المناوئة التي لم تدخر كل من المحطتين وسعا لإبرازها والتي أثمرت في كل مرة مزيدا من المشاهدين. بل أن من أطرف ما يمكن الإشارة إليه على هذا الصعيد أن غير قليل من الكتاب العرب الغاضبين الذين سبق أن شنوا حملات مقدسة على "الجزيرة" بتهمة التطبيع أصبحوا الآن من نجومها ومن أبرز المدافعين عنها والمروّجين لها. وكذا حال معظم من سارعوا لمهاجمة برنامج "سوبر ستار" حتى إذا ذهلوا بعدد المصوّتين المشاركين في التصويت النهائي راحوا يبررون ويعللون وينظرون.. لكنهم نسوا أنهم بهجومهم الكاسح على البرنامج إنما وفروا له أكبر دعاية ممكنة، ويبدو أن هذا السيناريو سيعيد نفسه في التصويت النهائي على "ستار أكاديمي".
خلافا لما يتوقع كثير من القرّاء سأغامر بالقول: ما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا فعلا.. هل هو: هل ستنجح "الحرّة" ولماذا وكيف يمكن أن نعيق هذا النجاح؟ أم هو: لماذا فشلت فضائياتنا العربية الرسمية في استقطابنا وكيف يمكن أن تنجح؟ في ظني أن ما يزعجنا في أسلوب الإعلام الأميركي شيء آخر سوى انحيازه أو سطحيته.. أنه خوفنا المسبق من أن يتمكن هذا الإعلام "المنحاز والسطحي" من دحر إعلامنا العربي "الموضوعي والرصين"!!!