المعارضة
العربية خارج أوطانها: من الحاكم المستبد إلى
التبعية للأجنبي
د.
عز الدين دياب/أستاذ جامعي وباحث في القضايا
العربية/دمشق
الزمن
العربي الراهن، هو نحن الشعوب والحكام.
السلطة والمعارضة، المثقف والأمي الحزبي
وغير الحزبي التقدمي والرجعى.
انه
الزمن الذي يسيطر فيه على السلطة الحاكم
المستبد ويحول دولته ومؤسساته إلى مصانع
لإنتاج عقلية التبعية، والولاء الكاذب
وإنسان الغريزة، لا إنسان الفكرة والقضية. في
هذا الزمن يتم صناعة الرأي الذي يوافق على كل
ما يقوله الحاكم، فبهتت قدرة الإنسان العربي
على القرار. انه الزمن الذي سادت فيه الفرقة
العربية.فساهمنا بصناعة الاستعانة بالأجنبي.
وما
دام الزمن وتراكماته هو التاريخ وللتاريخ
ذاكرته، فإنه يذكرنا بأقصوصة "أبو رغال"
التي نبدأ بتحريرها من ضوابطها اللغوية فنقول
أبو، أو أبا، أو أبي لأن لها أكثر من علاقة مع
الزمن الراهن، ومن أجل أن تتساوى في انفلاتها
من الضوابط مع انسياب أكثر من فصيل من فصائل
المعارضة العربية خارج أوطانها من أخلاقيات
العمل السياسي التي أفرزتها نضالات المعارضة
العربية داخل أوطانها في عقد الأربعينيات
والخمسينات من هذا القرن، معصومة بحسها
الوطني والطبقي والقومي، وحجتنا في هذه
المقاربة، أن هناك قرابة بين انفلات "أبو
رغال" وأصحاب دكاكين المعارضة العربية
خارج أوطانها، وتحفظ لنا الذاكرة الثقافية
بيتاً من الشعر قال فيه جرير: (إذا مات الفرزدق
فارجموه ـ كما ترجمون قبر أبي رغال) لأن "أبو
رغال" خان وطنه عندما عمل دليلاً للأحباش
حينما توجهوا إلى مكة، وكانت زلته إما طمعاً
في المال أو وصولاً للجاه، أو رد فعل لعداوة،
ظنا منه أن فعلته هذه ستجعله سيد قومه. وبعد صد
الأحباش ودحرهم، أصبح هذا الطامح الطامع
رمزاً للخيانة، وسبة توجه إلى كل شخص يسلك
سلوكه، و يفيد (لسان العرب) أن "أبو رغال"
(كنية لزيد ابن محلف) وقد كان رجلاً جائراً.
وقبره يرجم، ولا شك أن توقفنا عند الظاهرة "الرغالية"
الخيانية يريد أن يقاربها مع مثيلاتها، وهي
تحدث وتتكرر في حياتنا الراهنة، متجلية في
عدة أشكال وممارسات، سواء قيام بعض الأنظمة
العربية، بطلب المساعدة الأجنبية، أو
استعداء بعض فصائل المعارضة العربية للقوى
الأجنبية، ضد أنظمتها الاستبدادية، أو من
تدعي أنها استبدادية.
والجدير
بالقول أن ذكر واقعة "أبو رغال" لها مهمة
أخرى وهى أن تتحول إلى مدخل للاتجاهات
الرئيسية الحاكمة لنشاط الناس في زمنه،حيث
يمكن تحديدها بالاتجاهات الثلاثة التالية:
-
الاتجاه الذي يقول بمنطق التبعية للأجنبي
وعقد الأحلاف معه على النحو الذي فعله
الغساسنة والمناذرة.
-
والاتجاه الثاني يدعو إلى الانغلاق على الذات
والابتعاد عن العالم الخارجي ومثلته العقلية
الجاهلية في أوساط مكة والقبائل التي تجاورها.
-
أما الثالث، فقد رأى بعين ساهرة مسكونة
بالمستقبل الدور المنتظر للجزيرة العربية،
ووطنها العربي.
ونحسب
أن إرهاصات الاتجاه الأخير ظهرت داخل رؤية
فكرية وحضارية تجلت في سلوك الأحناف، بوصفهم
ورثة ابراهيم الخليل وملته. ثم تجسدت ساطعة
وثرية في أخلاق محمد الشاب، قبل أن يُبلَّغ
بالنبوة، وتحولت إلى مشروع حضاري رسالته
الإسلام، بعد أن اختارته السماء نبياً. وفي
أعقاب وفاته، خرجت الردة معللة حركتها بأسباب
كثيرة، وفيها من رائحة الرغالية الشيء
الكثير، لكن الخليفة أبو بكر الصديق (رض)، سحق
هذه الردة، وقضى على فتنتها. وعبرت فصائل
الجهاد أرض الجزيرة لتقوم بالتحرير والفتح،
ثم قامت الدولة العربية مالكة لقرارها على
مستوى العالم عهدئذ.
لكن
للتاريخ دوراته على حد تعبير ابن خلدون،
فضعفت الدولة العربية، وقل جاهها، وصارت
مطعماً للدول الأجنبية، ثم نشأ حكم الطوائف،
وأصبح الوضع الانقسامي ونوازعه الانفصالية
مدعاة للاستعانة بالأجنبي واستمر الحال هكذا
حتى الوقت الراهن، وخاصةً غداة المد الشعبي
التقدمي وسطوع نجم مصر بقيادة القائد عبد
الناصر، وكانت "عاصفة الصحراء" المروق
الأكبر بهذا الاتجاه، حاملةً معها عدة
مستويات من الانحدار والتمزق العربي، أخطره
اتفاق أوسلو، وقبول رفع الصفة العنصرية عن
الصهيونية، مع إنها الرافعة الأساس لبناء
الكيان الصهيوني.
وكان
نصيب المعارضة العربية في خارج أوطانها
كبيراً، حيث راحت بعض أحزابها تستعدى الدول
الأجنبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة
الأمريكية، تحت غطاء مجلس الأمن، والأمم
المتحدة، وبعض منظمات "حقوق الإنسان" ضد
أنظمتها في وضح النهار، وتحت تسميات لا أول
لها ولا آخر، وأسمح لنفسي بالاجتهاد لوضع
المشهد الذي رسمه مقال الأمين العام للتجمع
الوطني والديمقراطي السوداني الأستاذ صلاح
جلال:(دفاعاً عن فرض العقوبات). رسالة من
المعارضة السودانية إلى الأسرة الدولية ـ ص
(10) جريدة (الأهالي) في17/4/1996 - العدد رقم (2761)
داخل مسلسل الاستعداء.
وقد
بادرت الكاتبة العربية التقدمية الفطنة
أمينة النقاش، بإضافة هامش صغير إلى جانب
المقال، تحت عنوان (حديث العقوبات) قالت فيه
من جملة ما قالت "..لكننا ونحن نختلف معها
ننشرها عملاً بحرية الرأي، وأملا في أن تفتح
"سجالاً قد يثري المناقشة حول هذه القضية
الملتبسة".
أما
صاحب المقال المعارض، فإنه عندما يدافع عن
فرض العقوبات فحجته أن "الجبهة القومية
وحكومتها العسكرية تشكل سداً أمام مسيرة
الوطن المتطلع إلى الديمقراطية والسلام،
واحترام حقوق الإنسان". وقد استند في دعواه
على ما عمله د. حسن الترابي بما له من ارتباطات
مع جماعة الإسلام السياسي، على وضع خطة
لزعزعة الاستقرار في معظم دول الجوار العربي
والإفريقي والإسلامي، مما شكل تهديداً
مباشراً للسلم والأمن الدوليين. واعتماداً
على مخاوفه من الحكم السوداني على مصير
العالم، اتخذ قراره بضرورة "إنزال أقصى
العقوبات بهذا النظام لأنه قد أضر بمصالح أهل
السودان قبل إضراره بالسلم والأمن الإقليمي
والدولي. وهدد السلام الاجتماعي لأهل السودان
بإيوائه للإرهاب ومساندته". لذلك يناشد "كل
المهتمين بالشأن السوداني من الأشقاء
والأصدقاء بأن مصلحة أهل السودان تنحصر في كل
ما من شأنه، إضعاف هذا النظام وإسقاطه"
يستدعينا المشهد الذي رسمه المقال بمقاطعه
السابقة أن نسأل ونتساءل، أي وطن هذا الذي يتم
استلامه بعد سقوط النظام السوداني بفعل
العقوبات الدولية أو الأمريكية؟ بشكل أدق، ثم
ما هي الكلفة المادية والمعنوية التي سيدفعها
الشعب السوداني. هل الوحدة الوطنية، والولوج
مرة ثانية إلى حكم الطوائف؟ ثم ما هو حجم
التركة التي تتحملها الأجيال القادمة في
السودان؟ وكم تحتاج من زمن وعقود حتى تعيد
للسودان عافيته الوطنية، وتخرجه من دائرة
الهيمنة الأجنبية وما هي مصداقية الولايات
المتحدة الأمريكية؟
ونستأذن
في استمرار الحوار، ولكن هذه المرة من مرجعية
الضوابط الوطنية والقومية التي تصر على رفض
الاستعانة بالأجنبي جملة وتفصيلا، مؤكدةً أن
الإسقاط يجب أن يتم بقوة النضال الشعبي
الوطني المنقاد بقانون أولوية التناقض
الرئيسي، على التناقضات الثانوية، وفي هذه
الحالة فالقفزة "الأمريكية" النوعية لا
تجدي، وهذا معناه أن دعاة الاستعداء الأجنبي
قد دخلوا الأنفاق المظلمة، وسقطوا في دوامة
القوة الأجنبية وأفلسوا جماهيرياً إلى الحد
الذي أصبحت فيه لغتهم وكتاباتهم مستنكرة
ومدانة، وتقوى نظم الاستبداد، لذلك لا تلقى
التأييد، وهي غير مفهومة إلا في ساحة التبعية
للأجنبي.
ونعتقد
أن تاريخ الوطن يفقد معناه الحقيقي في ظل هذه
الأجواء ودعواتها غير المقنعة لأن الاستعداء
مهما كانت مستوياته وأشكاله، ما هو إلا عبارة
عن شكل من أشكال السقوط في التبعية للأجنبي.
وفى هذا الجو تنمو وتنفجر كل القيم والغرائز،
القتل، الانتقام، الثأر، الحروب الأهلية،
التشرذم، حينئذ يصبح الفجر المتخيل داخل هذه
الأجواء مخيفاً ومفزعاً، لأنه يحتوى نقائضه،
وأضداده، وتقوده نزعة الانقسام التي تستهوى
الناس تدريجياً وتدمجهم بسلوكها، وتجعلهم
يؤمنون بها فهي صنعة خارجية-داخلية للرأي
والرأي المضاد.
الآن
وفى ظلال الردة الجديدة والهرولة باتجاه
الكيان الصهيوني، ممثلةً بعدة مشاهد أبرزها
قيام مجرم الحرب وجنرال السلام شمعون بريس ـ
التعبير للكاتب كامل زهيرى ـ بزيارة أكثر من
قطر عربي سرا
وعلنا،
وما يجنيه من اعترافات بكيانه، وما يقيمه من
اتفاقات أمنية واقتصادية غير مسبوقة حتى من
"أبي رغال" تعلى من سطوته واقتداره على
الشعب العربي وقضاياه. وخير مثال على ذلك ما
جرى في لبنان من جراء عناقيد الحقد الصهيوني،
بعد أن نال الدروع والأوسمة العربية وجائزة
السلام. نقول بناءً على ذلك، وفى سياق هذه
المساءلة الطويلة يمكننا أن نقول بمسألة
الأولويات وتحديد نقطة البداية في الصدام
وطابعه ومستواه مع الأنظمة الاستبدادية، حتى
لا يتحول إلى كر وفر مواله الداخلي الثأر
والانتقام ومد اليد للأجنبي كأن تُدفع
الأنظمة الاستبدادية لتقديم التنازلات
مطلباً أولياً تفسر على أساسه النضالات
الوطنية،باعتبار أن الهجمة الأمريكية ـ
الصهيونية على الوطن العربي ومن جملته
السودان ـ إذا قبل صاحب المقال هذا الاعتبار
الأخيرـ هي التحدي الأول، والخطر الأكبر.
واعتماداً على ذلك نرى أن التصعيد الذي لا يضع
في حسابه المخاطر الخارجية فإن أصحابه ينفذون
فكر وأطروحات ومقولات القوى الأجنبية،
ويرفعون الشعارات غير المحسوبة: (دفاعا عن فرض
العقوبات)، هذه الشعارات التي لا تترك
للمستقبل إلا الرماد، والألم، وسوء الظن
والجوع إلى السلطة تحت وهم التعددية السياسية
المسكونة بعوامل الانقلاب عليها، لذلك كله
يتم رفض الاستعانة بالأجنبي، من قبلنا مهما
كانت عناوينه، ففيها مقتل الوطن العربي من
الماء إلى الماء، وحينذاك فإن الوطن إلى طريق
الشيطان، ويصبح مثوانا جميعا النار، الحاكم
والمحكوم معاً. ونسأل هل كان تحالف ماوتسي
تونغ مع صان بات خروجاً عن التقاليد الثورية
الديمقراطية الحقة، أم أنه كان أخذ المناضل
العارف بأولوية قانون التناقض؟ فهل نرتب
تفكيرنا على أن مطالب الوطن لا تتحقق إلا
بالنضالات الوطنية الخالية من أي غش خارجي،
مهما كان مستواه ووجهته. في هذه الحالة وحدها
تتحول إبداعات الشعب النضالية من أجل التحرير
إلى قوة لإسقاط الاستبداد وعقليته وتخريجاته
الكلامية. ويصبح الرهان على الديمقراطية
القاسم المشترك للناس جميعاً ومخرجها الوحيد
من التخلف والتبعية، فالوطنية شقيقة
الديمقراطية. وهذه وتلك لا تتعايش مع أي شكل
من أشكال التدخل الأجنبي. وكلاهما يتوحد مع
الآخر من أجل التقدم الاجتماعي؟ سياسة
الأسئلة السابقة تبحث عن مشروع وطني وقومي
للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية،على ضوء
قانون التناقض: وحدة، تناقض، وحدة، والنضال
ضدها من أولوية الصراع العربي ـ الصهيوني،
ومسيرة السلام المعكوس، وعودة الأحلاف
والنقاط العسكرية وقواعدها إلى الوطن
العربي، والرأي الآخر يوقع أصحابه في مصيدة
الأجنبي، هذا جانب من مسألة المعارضة العربية
خارج أوطانها.
أما
الجانب الثاني فيلخصها قولي لأحد الوزراء
العرب السابقين، الذي أحبه وأقدر نضاله،
وترفعه عن الجهوية والطائفية، والإقليمية،
كيف تريد من الشعب أن يثق بك، وهو يعرف أنك
تتناول راتب اللجوء السياسي من الولايات
المتحدة الأمريكية؟
أجاب:الدنيا
تغيرت.. فقلت له أنت الذي تغيرت.. أما الولايات
المتحدة الأمريكية لم تتغير، وهي العدو رقم
واحد للشعب العربي.. لذلك فالشعوب تخذل
المعارضة في الخارج وتتبرأ منها.
وحتى
تنتهي عملية التهاون في القيم النضالية، ستظل
المعارضة العربية في الداخل والخارج في
عزلتها وتخبطها، لأن المواطن العادي قد تقدم
عليها، وأصبحت الطليعة الحزبية متخلفة عن
قواعد أحزابها.
وتبقى
إشارة لا بد منها وهى أنني ضد فكرة الحزب
الواحد، واحتكار السلطة، ولي تحفظات على
مقولة النخبة والطليعة، الآن.. أقصد بعد
الاحتلال الأمريكي للعراق. وحضور المعارضة
العراقية في الخارج إلى بغداد على ظهر
الدبابات الأمريكية. ومراهنتها على الدور
الأمريكي في تغيير أوضاع العراق وخاصة في
مجال "الديمقراطية" واعتلاء رأس السلطة
التي يوجهها ويرسم سياساتها الداخلية
والخارجية المندوب أو المفوض السامي
الأمريكي (بر يمر) وحفنة من "اليهود
الصهاينة" الذين يشكلون العقل السياسي
والثقافي الناصح له.
أقول
الآن.. وبعد أن حُلَّ الجيش العراقي ودمرت
صناعته العسكرية، وتوصيف المواطن العراقي
على أساس طائفي وعرقي وأقليات. واعتلاء
المرجعية الدينية الشيعية رجال دين من أصول
فارسية وهندية وأفغانية وباكستانية. أما
المرجعيات الدينية من أصول عربية مثل الصدر
فلا حول لهم ولا قوة. بل هم تُبَّع للغرباء
اللذين يقودون الشيعة العرب ضد مصالحهم
ومصلحة العراق وبما يخدم مصلحة الاحتلال تحت
شعار: الانتخاب للسلطة أولاً.
أقول
بعد كل الذي جرى للقطر العراقي على يد
الاحتلال الأمريكي وصارت لوحته على النحو
الذي نرى ونسمع من المحطات الفضائية من نهب
لثروات العراق وتدمير لمعالمه وملامحه
الحضارية العربية. واعتقال وذبح وقذف لمدنه
ومساكنه بالطائرات والمدافع. وتعذيب وحشي
للمعتقلين.
أقول
ثانية وثالثة فهل نتعلم من الدرس العراقي درس
الاعتماد على الأجنبي ونبادر إلى مصالحات
وطنية في طول الوطن العربي وعرضه؟
وهل نباشر على وجهة السرعة ونقف إلى جانب المقاومة العراقية البطلة قبل أن يفوت الأوان يا عرب ونصبح من العرب البائدة؟