جذور
التآمر الإمبريالي على فلسطين
منذ
بواكير الحروب الصليبية أدرك الغرب
الاستعماري، أن احتلال فلسطين يعني تمزيق
الشرق العربي الإسلامي عن مغربه، ومنع الأمة
من مشروعها في التوحيد. ومنذ القرن الثامن عشر
اتضحت العلاقة بين الصهيونية والرأسمالية
الأوروبية بالذات، ذلك أن الصهيونية جزء لا
يتجزأ من العقلية التوسعية للاستعمار
الأوروبي، وبالضرورة فالحركة التي تطورت عن
هذه الأيدلوجية لا بد أن ترتبط بالإمبريالية،
وأنها لكي تحقق أغراضها لا بد أن تخرج عرب
فلسطين من ديارهم.
ويظهر
أن نابليون بونابرت في حملته على مصر عام 1798م
وتعطشه إلى خيرات مصر والوطن العربي وقطع
الطرق والمواصلات على منافسته بريطانيا، قد
ناشد "يهود العالم" في آذار/مارس 1799
ولاسيما "اليهود العرب والأفارقة"
للانضواء تحت رايته مقابل إنشاء "دولة
يهودية" لهم في الأرض المقدسة بعد تحريرها
من سيطرة العثمانيين، كما يلاحظ أن بونابرت
قد أصدر خلال حملته في فلسطين عام 1799، دعوته
لإعادة بناء المعبد في القدس ودعوة "اليهود"
إلى فلسطين، وثمة ما يشير إلى أنه في شباط:فبراير
1808م قد استدعى "المجلس الأعلى لليهود" في
فرنسا، وعرض عليهم التحالف مقابل تمويل
مخططاته، وأكد لهم عرضه ثانية لإقامة "الدولة
اليهودية" في عالم تسوده السيطرة الفرنسية..
ولقد أدرك الصهيوني (موسى هس) أهمية المصلحة
بين فرنسا والصهيونية فقال بهذا الشأن "إن
من صالح فرنسا أن ترى الطريق المؤدي إلى الهند
والصين، وقد استوطنه شعب سيظل مخلصاً لقضية
فرنسا حتى النهاية.. وهل هناك أمة أخرى اكثر
تأهيلاً لحمل هذه الرسالة من "اسرائيل"؟..
وهذا يعني لقاء مصالح البرجوازية العليا
للإمبريالية الأوروبية مع مصالح البورجوازية
العليا لليهود، فالصهيونية هي من نتاج أوروبا
إلى حد كبير، وتسويغات الصهيونية تتسق وتنسجم
مع تسويغات الاستعمار بشأن الموقف من الوطن
العربي في اختلاق رسالة (التحضر) وتطوير حياة
سكان الأراضي المحتلة.
ويلاحظ
أن سقوط نابليون وإخفاقه في تحقيق أحلام
الهيمنة العالمية وفشله ومن ثم نفيه أسقطت
الوعد الذي ظل هدفاً استراتيجياً اقتنصته
بريطانيا فيما بعد، كما اعتمدته الحركة
الصهيونية كاستراتيجية بعد مضي قرن على طرحه.
ويبدو أن لجنة (كامبل بانرمان) عام 1906 التي
أعدت تقريراً لرسم استراتيجية عالمية عصرية
لبريطانيا آنذاك جاء فيه "أن على بريطانيا
تبني الحركة الصهيونية كأداة مؤثرة وفاعلة
لتحقيق أهداف بريطانيا في الشرق وذلك لقيام
حاجز مانع لإحباط أي مشروع يهدف إلى توحيد
المشرق العربي مع مصر والمغرب العربي".
وفي
هذا التقرير تحدد دور ووظيفة الدولة
الصهيونية قبل أن تقوم بأكثر من أربعة عقود،
والذي يتجلى في المنظور البريطاني في منع
قيام أية وحدة عربية والعمل على تجزئة وتفتيت
الوطن العربي، كما يتجلى في المحافظة على
أمجاد "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها
الشمس"، ولذا جاء وعد بلفور في 2/11/1917 نتيجة
حتمية ومنطقية للاستراتيجية البريطانية في
وقت كانت فيه (بريطانيا العظمى) بحاجة ماسة
إلى أموال الصهاينة ومؤازرة الولايات
المتحدة لها في الحرب العالمية الأولى.
يمكن
القول إذاً، إن نواة وفكرة قيام دولة الكيان
الصهيوني، كانت تكمن في الرؤية الفرنسية -
البريطانية، وأن هذا الدور المحدد قبل وبعد
نشوئها هو لتكون الحارس لمصالح الغرب
الإمبريالي في المنطقة والمطرقة التي تستخدم
للطرق المتواصل عبر حروب وعدوان وإرهاب اكثر
من أن تحصى، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن
انتقال ملاذ الحركة الصهيونية من أوروبا إلى
الولايات المتحدة الأميركية في أثناء وبعد
الحرب العالمية الثانية، شكل تحالفا تاريخيا
ومصيريا قد لا ينفصم بين البربرية الأنغلو-سكسونية
والبربرية الصهيونية، وهذا يعني أن العدو
الأساس هو أميركا فهي التي تبارك وتؤيد سلوك
وجرائم وإرهاب الكيان الصهيوني، وهي التي
تدعمه وتسنده وتثير شهيته في الإبادة، وهذا
العدو لا يريد نهب خيرات الأمة العربية فحسب،
بل يريد فرض إرادته والتحكم بمصير الأمة
العربية، ومن المهم الإشارة إلى أن أميركا
تمتلك استراتيجية ثابتة بشان الكيان
الصهيوني، وهي ليست استراتيجية فردية لرئيس
ما كما كانت حالة بونابرت، وهذه الاستراتيجية
في أميركا هي من شأن الدولة ومؤسساتها وليست
قضية رئيس ما أو حزب أو جماعة ما وهذا الأمر هو
الذي يفسر لنا إصرار أميركا ودعوتها باستمرار
لتأكيد حق التفوق العسكري المطلق للكيان
الصهيوني على جميع الأقطار العربية مجتمعة
وليس فقط التفوق على الأقطار المحيطة بدولة
هذا الكيان الغاصب لأرض فلسطين العربية، وهذا
يعني أن المشروع الصهيوني سيظل سكينا في
خاصرة وقلب بلاد العرب، كما سيظل متوحداً مع
رؤية الغرب الإمبريالي، فالصهيونية هي وليدة
التناقضات المتأتية عن النظام الرأسمالي،
والوليد الشرعي للإمبريالية القائمة على
الإلغاء والنهب والتدمير والتي ترتكز إلى
أخلاق اللصوص والإرهاب..
فإذا سقط بوش في الانتخابات الأمريكية القادمة ونجح كيري أو غيره تبقى سياسة إدارة الشر الأمريكية هي دعم الكيان الصهيوني، ومن يعيد قراءة تاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أول رئيس لها وحتى يومنا هذا يجد أن تلك السياسة ثابتة لا تتغير بتغير الرئيس..