لماذا
تكرهنا أمريكا؟
منير
درويش/دمشق
قبل
عامين تساءل الأمريكيون (لماذا يكرهوننا؟)،
وأجاب مثقفوها (لأننا الأصلح والشعوب تحسدنا)،
إجابات عدة جاءت على هذا السؤال تبرر وتدافع،
بعضها عربية دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل
لماذا تعادينا أمريكا؟، لا أعتقد أن الكره
علاقة سائدة بين الشعوب التي تحكمها المصالح
وتجعلها في وفاق أو خصومة تصل حد الحروب،
وتزول مع زوال أسبابها. خاصة وأن المسافة
الجغرافية بيننا
وبين الشعب الأمريكي تكاد تكون الأبعد ولا
احتكاك بيننا حتى على المدى التاريخي، عندها
يصبح عدم التوازن في العلاقة نتاج السياسة
الأمريكية التي اعتمدت القوة في علاقتها مع
الشعوب، وخضعت دوما للوبي الصهيوني المعادي
أصلا للعرب، فالشعب الأمريكي لا يشكل كتلة
واحدة، ولا يوجد ما يبرر عداءه للعرب الذين
ساهموا ويساهمون في بناء المستقبل الأمريكي
بما قدموه من خبرات في مجال العلوم والطب
والآداب والفنون.
إذن
لماذا تكرهنا أمريكا؟
محاور
عدة يمكن ذكرها في هذا السياق جعلت الإدارات
الأمريكية المتعاقبة تطلق حملة العداء للعرب
منذ أن ورثت الاستعمار القديم الذي أسقطه
الانتصار السياسي لمصر والشعوب العربية بعد
العدوان الثلاثي عام 1956.
الأول:
لأننا أمة تعمل من أجل تحررها ووحدتها التي
تحتضن الأهداف الوطنية والقومية في عالم غاب
فيه تأثير الصغار والضعفاء، وحلت القوة محل
الحق في تقرير المصير، ونسعى لتحرير ثرواتنا
ومواردنا من السيطرة والهيمنة والنهب الذي
تمارسه قوى الهيمنة علينا.
والثاني:
لأننا ننتمي إلى محيطنا الحضاري، والذي يشكل
الإسلام و الدول الإسلامية إطاره التاريخي،
ومحور التفاعل الحضاري بين العرب والمسلمين،
بينما ادعت الولايات المتحدة على مدى عقود
عدة أنها تحتضن أهدافه عبر علاقات واتفاقيات
وعقود مع الأنظمة التي كان لها دور في تنصيبها
على هذه الدول، ولكن الثورة الإيرانية كشفت
إلى أي مدى يتوق الإسلام والمسلمين إلى
التحرر والاستقلال من الهيمنة الاستغلال،
وإن الدعم الذي لقيته من الشعوب العربية
وباقي الشعوب الإسلامية رغم بعض الخلافات
المذهبية، أثبت صحة هذا التوق، كما أثبت أن
هناك فرقا شاسعا بين تطلعات هذه الشعوب
للتحرر وبين أهداف السياسة الأمريكية وقوى
الهيمنة العالمية بالسيطرة والاستغلال
وممارسة سياسة المحاصرة للاتحاد السوفياتي
وحركات التحرر في هذه الدول.
والثالث:
نضال العرب مع شعوب العالم المتحرر من أجل
العدالة والمساواة، صحيح أن الاشتراكية بسبب
ما أصابها من إخفاق في بلدان التجربة لم تصبح
المرجعية الفكرية على أرض الواقع، ولكن
الشعوب العربية كانت في سعي دائم مع جميع شعوب
العالم التي تجمعها أهداف مشتركة
لتحقيق العدالة والمساواة رغم بعض
الاختلافات بينها.
إن
الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة لـ"إسرائيل"
منذ عام 1948 ولا زالت تقدمه، ووقوفها في وجه
الحلول والقرارات التي تبناها المجتمع
الدولي حول قضية فلسطين والشعب الفلسطيني لهو
دليل قاطع على العداء الذي تكنه السياسة
الأمريكية ليس للعرب وحدهم بل للمسلمين
والمسيحيين أيضا باعتبار قضية فلسطين
واغتصاب "إسرائيل" لها قضية عربية
جغرافيا، ودينية للأديان الأخرى.
وليس
هذا وحسب بل سير السياسة الأمريكية على مدى
نصف قرن تتسم بهذا العداء. ا عندما رفض الشعب
المصري بقيادة عبد الناصر دخول مصر في سياسة
الأحلاف الأمريكية، وأعلن عن انتمائها
لدوائرها العربية والإسلامية والأفريقية
عاقبته الولايات المتحدة بأن منعت عنه القمح
ورفضت تمويل السد العالي وصفقات السلاح التي
ليحمي نفسه من التهديدات "الإسرائيلية".
كذلك سورية التي رفضت الدخول في حلف بغداد
ومشروع ايزنهاور، ووقفت إلى جانب مصر في
معركتها ضد العدوان الثلاثي، استخدمت الحشود
التركية للضغط عليها وتهديدها بسبب مواقفها
هذه، كما وقفت ضد وحدة مصر وسورية وعملت بكل
الوسائل لإسقاطها.
وعندما
قامت ثورة تموز في العراق عام 1958 اضطربت
السياسة الأمريكية فأرسلت قواتها إلى الأردن
ولبنان لحماية مصالحها، وأرسلت عملاءها
لتخريب العلاقة بين تياراتها المختلفة وخاصة
التيارين القومي والاشتراكي ونجحت إلى حد ما
في مؤامرتها هذه، وسعت خلال نصف قرن إلى فرض
سياستها على الشعوب العربية بالترهيب
والترغيب والحصار الاقتصادي الذي شمل ليبيا
والسودان والعراق الذي فقد عشرات الآلاف من
أبنائه على مدى عقد من الحصار في حقد لا مثيل
له قبل أن يتم احتلاله كليا في مخالفة صريحة
لكل القوانين البشرية.
وخلاصة
القول أن الولايات المتحدة كانت ولا زالت
تعادي كل الشعوب التي تناضل من أجل تحررها
واستقلالها، وتحرير ثرواتها من السيطرة
والنهب، هذا العداء يقودها دوما لتوجيه ضربات
قاسية لهذه الشعوب والحركات التي تقود هذا
النضال، مما يرتب علينا أن ننظر للأمر بجدية
ونعيد حساباتنا على ضوء هذا الواقع.
وإذا
لم يكن مطلوبا منا أن نقف موقفا معاديا للشعب
الأمريكي لكن لنا الحق في الدفاع عن حقوقنا
وتأمين مصالحنا الوطنية والقومية وحماية
أنفسنا، وهذا يتطلب منا العمل على تحقيق بعض
الخطوات التالية:
1
– العمل بجدية نحو تعزيز مشروع النهضة
العربية الذي يعمل على تحقيق الوحدة العربية،
والديمقراطية وسيادة القانون، والتنمية،
والعدالة والمساواة بين أبنائه، والحركات
التي تعمل على استنهاض هذا المشروع هي القوى
الوطنية بكافة فصائلها، القومية والإسلامية
والاشتراكية، هذه القوى هي الممثل الشامل
للمحاور التي تعمل الولايات المتحدة على
إسقاطها، وإذا كنا جميعنا معنيون بالهزائم
التي لحقت بالأمة منذ 1948 فإننا الآن معنيون
بتصحيح هذا المسار لنصرة الأمة، وهذا يتطلب
مراجعة شاملة وتاريخية لهذه الحركات، ونقد كل
ما هو سلبي بتجاربها دون تردد أو تبرير،
وتعزيز القواسم المشتركة التي تقربها من
بعضها، والعمل كل في امتداده الفكري وعلاقاته
السياسية لحشد الطاقات العالمية لمواجهة
العولمة المتوحشة التي تقودها الولايات
المتحدة وتدمر بها حقوق الشعوب وثقافاتها.
2
- لقد انتهت مرحلة الخلافات وانتهت معها
الرموز التي قادت هذه الخلافات ولم يبقى إلا
أن ينهض الجيل الجديد بمشروع النهضة الذي
يحقق مصلحة الأمة.
3
- إن الدعوة لتشكيل جبهة عربية تضم كل القوى
القابلة والقادرة على مواجهة العدوان هي مهمة
عاجلة يجب السعي إليها وبذل الإمكانيات
لتحقيقها.
4
- لقد شكل المؤتمر العربي العام المنعقد في
بيروت 24 -25 نيسان 2003 والذي ضم المؤتمر القومي
العربي – والمؤتمر الإسلامي، ومؤتمر الأحزاب
العربية لجنة لإقامة جبهة وطنية عربية عريضة،
علينا أن ندعو لتفعيل هذه اللجنة، كما ندعو أن
يضم المؤتمر القومي - الإسلامي في عضويته
القوى الاشتراكية أيضا وإن كانت ممثلة في
مؤتمر الأحزاب العربية ويمكن لهذا المؤتمر أن
يسمى بالمؤتمر الوطني العربي.
إن
عداء الولايات المتحدة لنا سيبقى قائما طالما
أن المنطقة العربية تشكل بالنسبة لها مستودعا
للثروات وخاصة النفط الذي تضم منه احتياطيا
كبيرا، ويصل إلى المستهلكين بأسعار رخيصة جدا
خاصة وأن الولايات المتحدة التي اعتمدت سياسة
قوة الأمن تحت حجة مكافحة الإرهاب، احتاجت
إلى أموال ضخمة في هذا المجال، أثرت على
الاقتصاد الأمريكي ومعيشة الفرد الأمريكي،
وهي بحاجة لترميم هذا العجز عن طريق القوة،
لقد جمدت أموالا كثيرة للمودعين عندها تحت
هذه الحجة، ومنعت سحبها أو استثمارها، وخاصة
الأموال العربية منها والتي تصل إلى 800 مليار
دولار تشكل ثلث المديونية الأمريكية تقريبا.
لقد
خسرت الحركة الوطنية العربية فرصتها
التاريخية التي أتيحت لها إثر الانتصار
السياسي الذي تحقق على العدوان الثلاثي، وكان
لها أن تنهض وتنمو وتتحول إلى حركة وطنية
ديمقراطية فاعلة، وإن كانت عمليات القمع
والاستبداد التي تعرضت لها قد أفقدتها
فرصتها، ولكن ضعف الوعي السياسي والتفتت
والتناحر كانت من العوامل المهمة ليس لضياع
هذه الفرصة فقط بل
السبب في هزائم الأمة، وجاء الوقت كي نعيد
النظر في أوضاعنا والتغلب على مشاكلنا كي
نمتلك القوة التي هي وحدها القادرة على تبديد
هذا العداء وخلق علاقات متوازنة ليس مع
الولايات المتحدة فقط بل مع جميع شعوب العالم.