المحاصصة
في السـلطة تعطل الـديمقـراطيـة
منصور
الاطرش/رئيس اللجان العربية السورية لنصرة
العراق
يتسبب
الغموض في مضامين المسائل الأساسية ذات الصلة
بشكل الحكم
ومبناه،
بالخلط بين الديمقراطية والمحاصصة عند البحث
عن حلٍ لمسألة الحكم في
العراق.
فممارسة السلطة الوطنية لمهامها في إطار
البلد الموحد، غير المفتت وغير
الموزع
حصصاً على أبنائه كاقطاعات لها حدودها يجعل
هذه الممارسة ديمقراطية لأنها
تتم
باسم الوطن كله.
أما
أن تمارس السلطة الوطنية باسم فئة اثنية أو
طائفة
مذهبية أو فئة متحكمة بالأخرى فهذا لا يمت
للديمقراطية بصلة. فالوطن كله
بأهله
وبأرضه وترابه هو الحيز لظهور العمل
الديمقراطي الصحيح، غير المشوب بتوشيحات
تقلل
من قيمته، مثل الطائفية، والشوفينية
والإقليمية، وكلها في سعيها لطغيان أثرها
على
العمل الوطني الموحد تفسد آثار العمل
الديمقراطي.
لقد
شددت المعارضة
العراقية
على الديمقراطية كصفة حالية ومستقبلية لنظام
الحكم المتولي شؤون الشعب
العراقي
اليوم. وكذلك جعلت من غياب الديمقراطية في
النظام السابق العيب الكبير الذي
نتج
عنه هذه الانقسامات المتعددة الوجوه في كيان
الشعب العراقي وكلها منافية للعمل
الوطني
الذي يحمي وحدة الشعب ووحدة الأرض.
إن
الديمقراطية أصبحت مطلباً لذاتها
ولكنها
في الواقع قد تكون آلية لإظهار الغايات التي
تعيش في أذهان الواعين من أبناء
الوطن
والتي هي آمال كبيرة تعمر نفوس أبناء الأمة،
ولكي تتفق هذه الغايات مع السير
الديمقراطي
يجب أن ترمي إلى شمل كل أبناء الوطن كما ترمي
أيضاً إلى سلامته، فكل
غاية
لا تتجاوز المطامع الذاتية أو الفئوية لا
يمكن أن تنسجم مع الهدف الديمقراطي،
لأنه
يجب أن يعم الوطن ويخيم على أرضه كلها بصرف
النظر عمن يسكنها عند تحقيقه.
إن
الخلط بين الديمقراطية والفدرالية يجعل شكل
النظام مقدماً على مضمون
الديمقراطية
السليم. فالذين يعتقدون أن الديمقراطية لا
تتحقق إلا بالفدرالية،
يبطنون
في الحقيقة السعي لبلوغ مآرب أخرى ليست من
الأهداف التي يشترك فيها كل أبناء
الوطن،
فالفدرالية باب واسع لتحقيق مطامع محلية
موصولة بمصالح فئة أو جماعة تطغى
على
الأخرى. وقد تكون هذه الفئة تجمعاً مذهبياً أو
سياسياً بأهداف ضيقة أو حتى
بأهداف
ليس وراءها إلا ما يضمره أحد المتنفذين للوصل
إلى مآربه. وكثيرون يثيرون
الغوغاء
لتسهيل وصولهم إلى غاياتهم المنحرفة. فلكي
تكون الفدرالية بريئة ولا تحمل
الريب
يجب أن تستهدف بالدرجة الأولى حسن أداء
الإدارة في تطبيق القوانين الوطنية
وتجاوز
روتين الإدارة في سيرها المتثاقل. وتجدر
الملاحظة أن الدولة التي تأسست على
مركزية
صلبة يصعب تحويلها إلى تقسيمات فدرالية
ولاسيما في غياب الأسباب التاريخية.
إن
مطالبة الأكراد بالفدرالية لا توحي إلا
بالإعداد لمرحلة أولية لحكم منفصل عن
الدولة
العراقية. والاثنية الكردية عاشت قروناً تحت
الحكم العربي وأمنت من كل حيف
تحت
راية الإسلام؟ وما نشوء النزعة القومية
الكردية إلا نتيجة لمصالح بعض الزعامات
الكردية
التي أوغلت في التمذهب الإيديولوجي
الماركسي، وتورطت في حمل السلاح ضد
الحكم
المركزي بدلاً من اعتبار كل ما لحق بها من حيف
تساوت فيه مع باقي المواطنين
العراقيين.
إذ
لم يكن الحكم العربي في العراق رحيماً على
العرب وقاسياً على
غيرهم.
كما أن كل الذين حكموا العراق جعلوا للأكراد
نصيباً وافياً وشراكة صريحة في
الحكم.
إن
مطالبة الأكراد بضم كركوك إلى السنجق الكردي
هي من بوادر السعي
لاستكمال
أسباب القوة الاقتصادية لدعم المواقع
الانفصالية المتنامية. والبترول
كثروة
وطنية هو أولاً للدولة العراقية المكلفة
بتوزيع ريوعه حسب خطط التنمية التي
تعتمدها.
فإصرار الأكراد على أن تكون كركوك كردية
أولاً يفضح الغايات التي لا تتفق
لا
مع موجبات الفدرالية ولا تتفق أكثر بكثير مع
السير الديمقراطي في العراق كله.
وإذا
انتقلنا من شمال العراق إلى جنوبه يتضح لنا كم
هي واهية ذريعة الفدرالية
بغاية
تحقيق الديمقراطية. إذ أن الممارسة
الديمقراطية في الحكم ومشاركة الجماهير في
الانتخابات
الدورية تفرض تحولات صريحة في قناعات
الجمهور، أياً كان مذهبه فهو لا
يبقى
أبداً على قناعة بعينها إزاء المشكلات التي
يواجهها. وهو يلتقي مع أبناء
العراق
من المذهب الآخر في كثير من المسائل السياسية
والاجتماعية، فإذا أنكرنا عليه
هذا
الحق في وحدة الموقف، نكون قد أسقطنا حقه في
العمل الديمقراطي. فإذا شملت هذه
الفرضية
عدداً كبيراً فمن المنطق أن تعترف أن
الديمقراطية لم تعد قائمة.
إن
ما
نخشاه
أن تصبح الفدرالية في الجنوب أكثر شوفينية من
شوفينية الشمال. وقد تصبح
"غيتو"
يمارس منه مستقبلاً التطهير المذهبي الذي
يذهب بالديمقراطية والوطن الواحد
أيضاً.
والشعب
العراقي وأي شعب آخر من العرب سيعانون كثيراً
كي يستوعبوا موجبات
الحكم
الديمقراطي الذي لا تشوبه شائبة. ومع ذلك تبقى
المحاولة الصادقة بينهم ذات
أثر
في إرساء القواعد الأولية لبناء نظام حكم
يقطع الطريق على الساعين إلى ترويج
الأنظمة
غير الشعبية.