لماذا
تكره الولايات المتحدة الأمريكية العرب
والمسلمين؟
السؤال
ضمن هذه الصيغة المطروحة، يحمل في تضاعيفه
توجه الجواب إيجابياً، لأن الوقائع المتحصلة
على الأرض من الفعل السياسي الأمريكي بعد
الحادي عشر من أيلول، تفيد أن المنطقة
العربية والإسلامية تتعرض لهجمة أمريكية
عنيفة، لا تعلل أسبابها – ضمن صياغة السؤال –
إلا بعداء مستحكم من الولايات المتحدة
الأمريكية للمسلمين والعرب (وهذا لا يخلي
الجانب الإسلامي والعربي من مظاهر كره
للولايات المتحدة الأمريكية)، رغم عدم تساوي
أطراف الصراع (الولايات المتحدة/المسلمون
والعرب) في إنشاءات الصراع.
والمفكرون
المسلمون والعرب، الذي يتهربون من عنوان "صراع
الحضارات أو صدامها"، استجابةً لمخاوفهم
الفكرية الإيديولوجية الذاتية، من أن يسلموا
بدور الثقافة والدين في تشكيل الفعل السياسي
التصادمي (الحرب)، سيعجزون عن تحليل مكونات
الواقع، واستخلاص النتائج الكاملة منه. ذلك
لأنهم يريدون تطويع الواقعة، لكي تأتي على
مقاس أيديولوجيتهم المؤسسة على الخوف.
الأطراف
المتصارعة على ساحة أرض العرب والمسلمين، هم
أتباع الديانات التوحيدية الثلاثة (اليهودية،
والمسيحية، والإسلام) –حصراً- ضمن صيغ تطرف
بعض أبنائها. وهذا الصراع لا يقع – بلونه هذا
– عبثياً، كما أنه لا يلغي أبداً وجود باقي
عناصر الحدث الإنساني (الاقتصاد)، ودوره في
دفع عجلة هذا الصراع.
(اليهودية
والمسيحية والإسلام)، هي حلقات دين توحيدي
واحد. اختلف ظهورها الزمني، وعبرت عن هدفها
الواحد (توحيد الإنسانية المقسمة إثنياً في
مرحلة ما قبل الألف الأولى للميلاد)، ضمن
صياغات لغوية، كانت في منتهى الدقة في
تعبيرها عن ذلك الهدف.
القراءة
التاريخية لأدبيات هذه الأديان، ضمن آلية
تشكل النظم الإنسانية، وضمن ظروف حركة
التاريخ المتجددة، فرضت تحولها إلى
إيديولوجيات متنازعة تاريخياً، وقد تخلت
جموع أتباع هذه الأديان (تحتاج اليهودية إلى
إضاءة موسعة، ولكنها ليست من مهام هذه الورقة)
عن الالتزام بنتائج تجربتها التاريخية
القائمة على فرض السيطرة على العالم وتلوين
العالم بلونها، خلال تتابعها الزمني، وألغت
المسيحية من غالبية المجتمع الأمريكي، ومن
جموع مسيحيي العالم، -تدريجياً- العداء
القائم للآخر بينها، وذلك من خلال تفاعل جموع
أتباعها مع أتباع الأديان الأخرى بمعطيات
الحياة الحديثة، التي هي تحقيق للهدف الرئيس
والمركزي للدين التوحيدي، وهو توحيد
الإنسانية كلها ضمن إطار تنظيمي واحد.
أدى
النشاط السياسي في القرن العشرين إلى اندماج
جموع هذه الأديان في الحضارة الإنسانية ودفع
هذا الذوبان من قبل جموع أتباع هذا الأديان،
مجموعات متطرفة من أخلص أبنائها، لكي تنكب
على قراءة التجربة التاريخية لكل دين من هذه
الأديان، وتحاول تجييش جماهير المؤمنين من
أتباع دينها، لكي تستعيد جوهر التجربة
التاريخية؛ وهو سيادة أصحاب هذا الدين (اليهود،
المسيحيون، المسلمون) على الإنسانية كلها،
وفرض رؤيتهم عليها.
الولايات
المتحدة الأمريكية بإدارة الرئيس الأمريكي
جورج بوش، شكلت بعد الحادي عشر من أيلول رأس
حربة التطرف المسيحي، وحاولت قيادة جموع
المسيحيين في العالم لتحقيق رؤيتها
المتطرفة، (يقوم التطرف على استحضار رؤية
للدين، صيغت في تجربته التاريخية، قبل تحقق
هدف الدين التوحيدي، في تحقيق وحدة الإنسانية
كلها في العصر الحاضر). ويبدو واضحاً رفض جموع
المسيحيين لهذا التوجه، من خلال موقف الكنائس
المسيحية عموماً (باستثناء كنائس التطرف من
المسيحيين المتصهينين) وبموقف الدول
الأوربية التي رفضت هذا كله، باسم " أوروبا
الحكيمة " بدلاً من أوروبا القديمة كما
نعتها رامسفيلد. وبهذا الموقف التنازعي الذي
يشهده المجتمع الأمريكي والذي يتجاذبه هذا
الاندفاع التطرفي. ويصادم ذلك الحرص على
الاعتداء استجابة لكل ما أنتجته مرحلة التوحد
الإنساني، يظهر جوهر الموقف الأمريكي الكاره
والمبغض للعرب والمسلمين توهماً من هؤلاء
المتطرفين.
لفظ
الكره في سياق السؤال لفظ مربك معرفياً. وذلك
لأنه استحضار لغوي من مرحلة الفردية في حركة
التاريخ، إلى سياق لغوي في زمن المؤسسة التي
لا تعرف الحب والكره، بل تعرف الإدارة
القائمة على المصالح.
الولايات
المتحدة الأمريكية (رأس مرحلة المؤسساتية في
العالم) رسمت خططها بعد الحرب العالمية
الأولى، ضمن رؤية دورها الحاضن لعملية
التوحيد الإنساني، وظهرت في ذلك الوقت في وضع
منسجم مع تطلعات المنطقة الإسلامية
والعربية، التي كانت تتوق – كجزء من مستعمرات
الدول الأوربية – إلى الاستقلال، والمساهمة
إيجابياً في النشاط الإنساني الشامل.
حكم
رؤية الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب
العالمية الثانية، مخزون التراكم الإنساني
الساعي إلى تحقيق الخطوات الأخيرة في توحيد
الإنسانية. فساهمت باستقلال المستعمرات،
ودفعت الدول المستقلة حديثاً للانضمام إلى
الأمم المتحدة، فعززت بذلك هذه المؤسسة
وقوَّتها، وأعطتها القدرة على تجاوز كل
العقبات التي كادت تطيح بها أحياناً، فاستحقت
بذلك إعجاب العالم والتفافه حولها.
إخفاق
الولايات المتحدة الأمريكية في زمن إدارة
الرئيس كلنتون، للوصول إلى شكل توحيدي للعالم
في القرن الحادي والعشرين لا يستطيع
الاستغناء عن دور الولايات المتحدة كأقوى قوة
في العالم، وذلك عن طريق تحقيق السلام العربي-الإسلامي/"الإسرائيلي"،
وجعل هذا السلام أرضية لحوار الحضارات،
تتجاوز فيه الإنسانية استحقاق " صدام
الحضارات وصراعها". كل هذا أدى إلى انتكاسة
في تراتب الأهداف الأمريكية بعد الإخفاق،
ومنح قوى سياسية معارضة للخط الأمريكي
المستقر منذ الحرب العالمية الثانية قوة
جديدة. فنجح الرئيس جورج بوش الابن بالشكل
الذي ظهر واقعياً، ممثلاً لهذه القوى الجديدة
–الرافضة للدور الأمريكي التقليدي في توحيد
العالم- في معركته الانتخابية ضد آل غور، الذي
كان مصمماً على الاستمرار في النهج الأمريكي
المستقر منذ الحرب الثانية.
إدارة
الرئيس جورج بوش الابن، قامت بنقلة في بنية
الرؤية الأمريكية، التي تجسدت بشكلها
النهائي في إدارة الرئيس كلنتون. فرجحت مصالح
الولايات المتحدة الأمريكية كأقوى قوة في
العالم. وأخذت بالتنازل التدريجي عن كل
استحقاقات الدور الأمريكي في إكمال عملية
توحيد العالم، عن طريق التنازل عن الالتزام
بالمعاهدات الدولية الموقعة، مما جعل الدور
الأمريكي يفتقد مظهره الإيجابي، الذي كان
يسهل تحركه – كقوة عظمى – على الساحة
الدولية، ويكتسب – تدريجياً – موقفاً خشناً
من العالم، مما أدى إلى استفزاز كل القوى،
التي كانت تدخل إلى حومة الرضا بسيادة
القانون الدولي على استحياء.
الحادي
عشر من أيلول، هو رد الفعل التاريخي على موقف
الإدارة الأمريكية، أذهل إدارة الرئيس جورج
بوش، ثم دفع بها ضمن رؤيتها المتدرجة
لاستكمال كل عناصر استحقاق قوتها، ومحاولة
التخلي عن التزامات عملية التوحيد (ظهر ذلك
واضحاً وجلياً في موقف الإدارة الأمريكية، من
رفض اللجوء للأمم المتحدة، واستصدار قرار
بشأن إعلان الحرب على العراق) إلى الاعتداء
بعناصر قوتها الذاتية، وإهمال عنصر الشرعية
الدولية كنسبة هامة في تشكيل القوة في هذه
المرحلة. ومن هنا برزت القوة الأمريكية
متخلية بشكل كامل عن دورها القديم (الأداة
الرئيسة لاستكمال عملية التوحيد الإنساني)،
ومتلبسة بشكل واضح بدور جديد.
يقوم
الدور الجديد للولايات المتحدة الأمريكية
بإدارة الرئيس جورج بوش، على اندفاع الولايات
المتحدة الأمريكية لتحقيق مصالحها كدولة من
النمط القديم، وليست كنموذج للعالم الجديد،
ولذا فهي تعتمد على قوتها فقط، وتحاول جاهدة
التحلل من الخضوع للمعايير والمقاييس
الدولية.
وافق
العالم – مذهولاً من حادثة الحادي عشر من
أيلول – على ضرب أفغانستان، رغم عدم كفاية
الأدلة حينها. ولكنه أحجم – بعد انكشاف خصائص
الإدارة الأمريكية في الحرب الأفغانية – عن
إكمال خطوته، في دعم الهجوم الأمريكي على
العراق. وكان الدور الإيجابي لبريطانيا، هو
الذي خفف من غلواء الاندفاع الأمريكي، ولم
يقم قطيعة بين الولايات المتحدة وبين منظمة
الأمم المتحدة.
العالم
الإسلامي في ضرب أفغانستان وكذلك العالم
العربي، وافقا بإجماع شبه كامل على شعار
محاربة الإرهاب، الذي رفعته الولايات
المتحدة الأمريكية، وتبناه العالم بعد ذلك،
وتعاون هذان العالمان إيجابياً في هذا المجال.
ولكن الإدارة الأمريكية بغزوها للعراق،
معزولة –تقريباً- عن التأييد الدولي، سعت إلى
هيكلة المنطقة الإسلامية والعربية تحت ضغط
شديد، كان مركزه إطلاق يد "إسرائيل" في
المنطقة، وظهور مخططاتها في المنطقة شبه
سافرة، والتي تبدو الآن بهذا الشكل من الصراع.
وجوهر هذا الحلف مع "إسرائيل" إنما يركّز
على موقف ثقافي وديني.
ما
يجري من الصراع على ساحة المنطقة الإسلامية
والعربية؛ هو صراع قوى التطرف الثلاثة
للأديان التوحيدية (اليهودية، المسيحية،
الإسلام). وتأتي الولايات المتحدة رأس حربة
الصراع فيه، تختفي في ظلها "إسرائيل".
وتوقع بالمسلمين -بسبب قوتها الجبارة وعدم
تقيّدها بالإرادة الدولية- مادياً وثقافياً،
إصابات كبيرة.
هذا
الشكل من الصراع كما يظهره الخطاب المتطرف (أمريكا،
إسرائيل)، استدعى من المسلمين والعرب موقف
الدفاع. ولم يستطع هذا الخطاب – حتى الآن - /
بسبب التحالف الاستراتيجي بين الإدارة
الأمريكية و"إسرائيل"، والذي كان آخر
ظهوراته الفيتو الأمريكي على القرار العربي
في مجلس الأمن، لوقف عملية طرد الرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات من فلسطين / أن يوجد
حالة قبول في الشارع الإسلامي والعربي، مما
استدعى ظهور حالة عداء شديد ضد هذه السياسة
الأمريكية.
تحاول
الأدبيات الإسلامية والعربية لهذه المرحلة
بعد الحادي عشر من أيلول، وهي أدبيات ممتلئة
بكره الفعل الأمريكي، والحقد عليه. أن تفرق
بين الشعب الأمريكي، وبين الإدارة الأمريكية.
ولكن بناء المؤسسة الأمريكية لا يساعد على
هذا التفريق، مما يجعل هذا الكره ينصب على
مجمل الولايات المتحدة الأمريكية (إدارة
وشعباً). ويظهر حضٌ شديدٌ على إيقاع الأذى بها.
ولا تتمكن هذه الأدبيات من إيجاد صورة للآخر (الولايات
المتحدة)، يمكن التعامل معها إيجابياً، وذلك
بسبب هذا الحلف الاستراتيجي مع "إسرائيل".
الإدارة
الأمريكية (وهي أكبر وأرقى تشكيل للمؤسسة في
العالم)، تأثرت خططها بهذا التوجه الذي حملته
مجموعة الرئيس جورج بوش الابن، ورؤيتهم
لمصالح بلدهم، ولعلاقتهم بالعالم، ولهذا
تشوشت صورتها أمام العالم. وجوهر هذا التشوش؛
هو هذا التطرف الديني الذي يعيشه فريق عمل هذه
الإدارة، والذي تغذى واقعياً، من ظهورات
تحالف هذه الإدارة مع "إسرائيل"، ويعجز
الخطاب الأمريكي عن إيجاد صورته المقنعة في
هذه المرحلة. وهذا ما سمح لموجة عارمة من
الكره والحقد، أن تتشكل ضد الولايات المتحدة
الأمريكية.
كل
هذه الوقائع، لا يمكن أن تحجب أبداً توجه حركة
التاريخ، التي تظهر في إرادات القوى الفاعلة
على الساحة الدولية، ولكن هذه الإرادات لا
تصنع أهدافها مطابقة لتصوراتها عن مصالحها
القومية. وهذه الحركة، تتوجه إلى تحقيق
الخطوة النهائية في عملية التوحيد الإنساني،
وذلك بإظهار انسداد طريق صراع الحضارات، الذي
تديره قوى التطرف – المحدودة جداً – للأديان
الثلاثة، وبدء ظهور تقارب واضح بين قوى
جماهير هذه الأديان، التي تندفع مسرعةً – حسب
سيرورة زمن تشكل حركة التاريخ – لتحقيق
اندماج هذه الحضارات، في حضارة إنسانية تنهي
مظاهر الاستبداد في الإدارة، وتكون مدخلاً
لبدء تخليق علاقات جديدة في مستوى المرأة/الرجل
ثم الإنسان الفرد.
العداء الشديد والكره المقيت، الذي يتوزع سُمُّهُ الآن في طبقة العلاقات الحضارية، عن طريق هذا النهوض الأخير للتطرف ليس جديداً، ولن يستطيع أن يجعل حياة الإنسانية، حياة جماعات مقسمة تمزقها العداوات. بل إن حركة التاريخ أظهرت في سيرورتها كيف تخلصت من كره شديد حملته المجموعات الإنسانية سابقاً، وأخذت تحوله إلى محبة حقيقية، حملها هذا الدين التوحيدي في جوهر رؤيته للإنسانية.