أميركا تعود إلى الحضن الأوروبي في هجمة جديدة على العرب

دوافع مخططات واشنطن لـ"الشرق الأوسط الكبير"

رياض أبو ملحم/كاتب وباحث من لبنان يقيم في باريس

على الرغم من أن المشروع الأميركي الجديد «لتعميم الحرية والديمقراطية» يحمل عنوان مشروع "الشرق الاوسط الكبير" إلا انه موجّه إلى الدول العربية في صورة خاصة. ولأن المشروع يستند في معطياته الرئيسية وتحليلاته ومعلوماته وإحصاءاته إلى تقريري الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للعامين 2002 ـ 2003 اللذين شارك في إعدادهما فريق من الخبراء العرب، فقد بدا وكأنه "ملحق" للتقريرين المذكورين ذي طابع تنفيذي، نظراً لما تضمنه من اقتراحات تفصيلية شملت مجالات وقطاعات متعددة.

بيد أن المشروع، الذي سيقدمه الرئيس جورج بوش إلى قمة الدول الصناعية الكبرى الثماني في حزيران/يونيو المقبل من اجل تبنيه والمشاركة في توفير وسائل تنفيذه، تجاوز تماماً الشئون السياسية الخاصة بـ"منطقة الشرق الأوسط"، لاسيما الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، وذلك في محاولة متعمدة لإظهار أن مشاكل المنطقة ناتجة عن انعدام الحرية والديمقراطية فقط وليس عن أي شأن سياسي.

وفي الواقع فإن المشروع الجديد تكرار، ولو في صيغة أخرى اكثر تفصيلاً وشمولاً، لمبادرة الشراكة مع "الشرق الأوسط"، التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية في كانون الأول/ديسمبر عام 2002 ورصدت مبلغ 29 مليون دولار لتنفيذها، بما في ذلك "إقامة دورات تدريبية سريعة لتعليم الديمقراطية في العالم العربي". ولكن في حين أن تلك المبادرة كانت أميركية بالكامل، إعداداً وتنفيذاً، فإن المشروع الجديد يراد له أن يكون "دولياً"، بحيث يحظى بدعم مجموعة البلدان الصناعية الكبرى، بالإضافة إلى مساندة أي دول أخرى قد يكون لديها الاستعداد لتقديم إسهامات في هذا السبيل.

 

أسباب أميركية "موجبة"

ويرى المحللون أن ثمة أسباباً عديدة "موجبة" حملت الإدارة الأميركية على تطوير موقفها على النحو، فتتحول من التفرد والأحادية والاستخفاف بآراء الآخرين، إلى العمل الجماعي. ولعل من ابرز هذه الأسباب:

 

1- بات من الواضح أن الإدارة الأميركية تواجه مأزقاً حقيقياً في العراق لم تعرف كيف تخرج منه. ومع أن هذه الإدارة تعلن عن رغبتها في تسليم السلطة إلى العراقيين في نهاية حزيران/يونيو المقبل، وفقاً للاتفاق المبرح مع "مجلس الحكم الانتقالي العراقي" (المعين أمريكياً)، لتقليص التزاماتها والحد من خسائر قواتها في العراق، لكنها تؤكد باستمرار تصميمها على الاحتفاظ بوجود فعال في هذا البلد، عسكري وسياسي واقتصادي، لسنوات طويلة مقبلة (قد تتجاوز العشر)، وإلى أن تحقق أهدافها بالكامل. وهذا يعني أن قوات الاحتلال الأميركية ستظل تخوض مواجهات عنيفة مع العناصر والقوى المناوئة لها وتتعرض لخسائر متزايدة، برغم سعيها لاعتماد خطط ميدانية جديدة من شأنها التقليل من الاحتكاك الميداني بالعراقيين، لاسيما عن طريق تكليف قوات الأمن العراقية بمعظم المهمات الأمنية، بحيث يكون تدخلها في الظروف الاستثنائية فقط.

وفي هذا الإطار أيضاً، تواصل الإدارة الأميركية ضغوطها على الدول التي ترتبط معها بعلاقات خاصة من اجل حملها على إرسال قوات إلى العراق لتعزيز ما تسميه "قوات التحالف"، على غرار ما فعلته حيال اليابان وكوريا الجنوبية. وبرغم أن الرأي العام في كل من الدولتين يعارض التورط العسكري في العراق، إلا أن حكومتيهما خضعتا للضغوط الأميركية في نهاية الأمر، فبدأت الأولى بإرسال قوات إلى المنطقة، بينما تستعد الثانية لتنفيذ خطوة مماثلة.

وفضلاً عن النتائج السلبية المباشرة للتدخل العسكري لهاتين الدولتين في منطقة بعيدة جداً عنهما، فإن دفعهما إلى "العسكرة" من جديد، سيحول اهتماماتهما من الشؤون الاقتصادية والتنموية إلى الشأن العسكري ويثير لديهما ذكريات الحروب السابقة ونتائجها المدمرة عليهما، وسيضعهما في حالة عداء مباشر مع دول أخرى من دون أية أسباب أو مبررات، وهذا يكشف بوضوح عن أن الولايات المتحدة لا تتورع عن التضحية بحلفائها من اجل مصالحها الخاصة، كما أنها تشجع سياسات التدخل العسكري في الوقت الذي تدعي حرصها على السلام العالمي.

 

2- لم يعد خافياً أن الإدارة الأميركية تبذل مساعي حثيثة لاجتذاب الدول الكبرى من اجل تجديد التعاون معها ومؤازرتها فيما تطرحه من مشاريع خاصة بمنطقة "الشرق الاوسط"، أو ببعض مناطق التوتر الأخرى في العالم. فهذه الإدارة باتت تدرك الآن أنها لم تعد قادرة على العمل بمفردها، بعد فشلها المدوّي في العراق.

ولأن الأوضاع الاقتصادية الراهنة للولايات المتحدة وتراكم الأعباء المالية عليها لا تسمح لها بتحمل المزيد من الالتزامات وحدها. ولذا فهي تحتاج إلى من يقف إلى جانبها ويدعم المشروعات التي تطرحها بما يؤدي إلى توزع الأعباء على مختلف الدول القادرة من جهة، كما يوفر التغطية السياسية المطلوبة من جهة أخرى.

 

التغطية على الأكاذيب

3- تعاني الإدارة الأميركية، ومثلها الحكومة البريطانية، من حرج شديد بسبب انكشاف أكاذيب الطرفين ومبالغاتهما حول وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي اتخذت ذريعة لشن الحرب على هذا البلد. وتتعرض الإدارة الأميركية، والرئيس بوش شخصياً، لحملة عالمية واسعة بسبب عملية التضليل التي مورست على مدى السنوات الماضية حيث تبيّن أن قرار غزو العراق اتخذ قبل اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ومن دون أن تتوفر أدلة جدية على وجود أسلحة دمار شامل أو أسلحة نووية في العراق.

ويشكل المشروع المطروح محاولة للتغطية على هذا الواقع، وذلك بتمويل الاهتمام عن القضايا ذات التأثير السلبي على سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها، إلى قضايا أخرى جديدة تتصل بشعارات جذابة ترفعها الإدارة الأميركية كتصميم الديمقراطية والحرية في منطقة "الشرق الأوسط"، وإصلاح التعليم، وتحقيق التنمية.. الخ. وترى الإدارة الأميركية أنها قد تستطيع بذلك استعادة بعض المصداقية المفقودة حتى يكون لأي دور تضطلع به، بعض الاستجابة المستحبة، وهو ما افتقدته تماما في الآونة الأخيرة.

4ـ في اعتقاد المحللين ان مشروع "الشرق الاوسط الكبير" ربما يكون محاولة للرد على الانتقادات الموجهة للسياسات الأميركية التي تتوسل الوسائل العسكرية وحدها بالأسباب الحقيقية للعنف والتطرف وتولد العوامل السلبية، وكانت الإدارة الأميركية ترفض دائما مثل هذا المنطق، مؤكدة أن الإرهاب هو السبب الوحيد لكل ما يحدث في المنطقة وكأن الإرهاب حالة قائمة بذاتها وليست له مسببات سياسية أو اجتماعية.

وهذا التفسير يكتسب مبرره من تركيز المشروع الأميركي الجديد على العوامل الاجتماعية وتجاهل العوامل السياسية كليا وبرغم أن عملية تطوير المجتمعات العربية عن طريق تصميم المعرفة وتغليب الروح الإنتاجية لدى الأفراد وإعطاء دور اكبر للمرأة في الحياة العامة، تعتبر مسائل أساسية وجوهرية.

وتتطلب جهودا عامة كبيرة ومثابرة، إلا أنها لا تلغي حقيقة أن ثمة أسبابا سياسية أيضا لما تعاني منه هذه الدول من تخلف وفوضى وفساد ومن المتفق عليه أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية رئيسية في تراكم هذه الأسباب وتحولها إلى مدخلات كبيرة، كما هو حال معضلة الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" وتأثيراته المدمرة.

 

تجميل صورة إدارة بوش

فالمشكلة التي يطرحها التحرك الأميركي الراهن هي أن إدارة الرئيس جورج بوش تسعى إلى تجميل صورتها في الخارج، في الوقت الذي لا تفعل شيئا لتحسين سياساتها في منطقة "الشرق الاوسط" أو في مناطق العالم الأخرى.

فكيف يقتنع العالم بأن ما تقوله الإدارة الأميركية، عبر العديد من وسائلها الإعلامية المستحدثة يمكن أن يكون صحيحا، اذا كان ما يراه على أرض الواقع يناقض ذلك تماما؟ وكيف تستطيع وسائل "التجميل" الإعلامية (لاسيما بعد إطلاق فضائية "الحرة" الأميركية الجديدة التي تبث باللغة العربية) أن تحجب حقيقة سياسة الكيل بمكيالين التي تمارسها الولايات المتحدة دائماً؟ وكيف يصدق العالم، والعالم العربي تحديدا.

ادعاءات الإدارة الأميركية عن رغبتها في صيانة الأمن العالمي، في الوقت الذي تضاعف من تهديدها للأمن والسلام في العالم عبر الحروب "الاستباقية" التي تشنها تحت ذرائع مختلفة؟ وكيف يثق العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص الذي تتوجه إليه الإدارة الأميركية بمشروعها الجديد، كيف يثق بصدقها ونزاهتها وهي التي تدعم الاحتلال "الاسرائيلي" وتتواطأ معه وتحاول بمختلف الوسائل التغطية على الجرائم التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني؟

وكيف يتق العالم بإدارة تعتبر ارييل شارون "رجل سلام"، وهو الرجل المتطرف والدموي بامتياز، بينما تحمل الضحية وهو الشعب الفلسطيني مسؤولية الجرائم وأعمال التدمير التي تنفذها الحكومة "الاسرائيلية" ضده؟!

فالمجتمعات العربية ترفض الإرهاب وتقاومه لكنها في الوقت ذاته ترفض السياسات الأميركية المتميزة التي تعتبر أحد الدوافع الرئيسية لردود الفعل الإرهابية ولأعمال العنف المختلفة، فالعنف ينمو دائماً في كل بيئة غير مستقره.

إنه أحد أبرز النتائج المباشرة لعدم الاستقرار، ومن المسلم به أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة ناشئة عن الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" في الدرجة الأولى وعن شعور الشعوب العربية بالظلم والقهر حيال الضغوط الدولية، والأميركية تحديدا التي تتعرض لها، وإزاء سياسات الانحياز للمعتدي "الاسرائيلي" في ممارساته المدمرة ضدها.

وفي هذا الشأن بالذات يرى المحللون أن المجتمعات العربية لم تتح لها فرحة التطور في صورة طبيعية منذ حققت معظم الدول العربية استقلالاتها في النصف الأول والثاني من القرن الماضي.

وهي المرحلة الزمنية التي شهدت قيام "دولة اسرائيل" على أنقاض الوطن الفلسطيني وتفجر الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" الذي لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا، وليس من المبالغة القول أن هذا الصراع استهلك معظم الطاقات العربية، المادية والبشرية ومنع عملية التنمية وبناء مؤسسات المجتمع المدني من استكمال عناصرها الإيجابية، وذلك تحت تأثير قوانين الطوارئ من جهة واستجابة لمتطلبات مواجهة خطر التوسع "الاسرائيلي" من جهة ثانية.

 

الانحياز.. مرة أخرى

وإذا كان تقرير التنمية العربية بقسميه الأول والثاني، ركز على ما هو معروف من تخلف المجتمعات العربية وحاجتها إلى الإصلاح والديمقراطية والحرية فهو تعرض أيضا للعقبات الناشئة عن الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" بيد أن اعتماد هذا التقرير كأرضية لمشروع الإصلاح الأميركي، تم بشكل برز فيه الانحياز الأميركي التقليدي جليا تماما.

ففي حين ركز مشروع إدارة بوش على سيئات غياب الديمقراطية والحاجة إلى التطور المعرفي، تجاهل الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" وتأثيراته السلبية، مكرسا بذلك انحيازه الكامل لـ"اسرائيل"، وكاشفا عن الدوافع الحقيقية لمشروعات إدارة المحافظين الجدد.

والنتيجة التي يمكن استخلاصها من كل ذلك هي أن الإدارة الأميركية تحاول مرة أخرى الحصول على دعم الدول الكبرى لسياساتها في "الشرق الاوسط"، ولكن عبر بوابة "الإصلاح الديمقراطي" بعدما واجهت مغامرتها العسكرية الأحادية في العراق عقبات كبيرة تهددها بالفشل الكامل، كما تسعى هذه الإدارة إلى استعادة مصداقيتها المفقودة، ولكن من دون إحداث تغييرات جدية في سياساتها المعتمدة وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى بقاء الأمور على حالها.