أبو غربية: المستقبل العربي يبعث على التفاؤل والأمل

مقابلة مع المناضل بهجت أبو غربية في صحيفة (المجد) الأردنية *
رغم كل ما واجهته أمتنا من اعتداءات وما أصابها من نكبات لازلت أرى جانباً مشرقاً من واقعنا ومستقبلنا يدعو للتفاؤل والأمل فمن يخال انه قادر على إنجاز المهمات الكبرى بسهولة وعلى مدى زمني قصير لا بد أن يتولاه اليأس إذا فشل في تحقيق ذلك، فيما ينظر المناضل الحقيقي للقضايا الكبيرة نظرة شمولية ومستقبلية.
فعلى صعيد القضية الفلسطينية مثلاً وهي جوهر القضية العربية حيث انطلقت بدايات النضال ضد الهجرة اليهودية منذ أواخر القرن التاسع عشر، ورغم الهجوم العنيف والواسع الذي شنته ولازالت قوى عالمية كبيرة مصممة على فرض واقع معين وتحقيق أهداف مرتبطة بمصالحها على مدى أكثر من قرن، لا زال شعبنا صامداً ويقاوم، وهذا يدفع للأمل وليس العكس. فلم تستطع الصهيونية ومعها بريطانيا العظمى ومن ثم الولايات المتحدة، متعاونة مع حكام عرب معينين ومفروضين علينا من هذه القوى الأجنبية، فرض رؤياها والواقع الذي تسعى لخلقه في المنطقة، واليوم لا تقتصر المقاومة على فلسطين بل تنطلق في العراق بقوة وفعالية، وبالأمس القريب تم طرد "الجيش الذي لا يقهر" من جنوب لبنان هارباً مذعوراً.

والتساؤل حول استمرار المقاومة وأهدافها أمام الصعوبات ليس جديداً، فبعد ثورة عام 1936 ووجهنا بالتساؤل حول أسباب (فشل) الثورة، ولازال بعض المؤرخين يتناولون ما يفترضونه فشلاً بالدراسة والتحليل، وهذا افتراض خاطىء ، فيما أرى، وكنت أحد المساهمين في هذه الثورة، أنها لم تفشل، فهل كان أحد يتوقع منها هزيمة الإمبراطورية البريطانية عسكرياً حتى نقول أنها عجزت عن تحقيق هذه الهزيمة؟! لقد كنا نهدف ونحن نشارك في هذه الثورة إلى أشعار الأمة العربية بالخطر الصهيوني الذي يهددها جميعاً وقد نجحنا في ذلك إلى حد كبير، بل استطعنا تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية عالمية ولم يستطع الاستعمار حصرها في إطار ضيق كما يريد، مثلما استطاع الشعب عبر هذه الثورة وما تلاها، تأجيل قرار التقسيم الذي لا يحمل سوى معنى إقامة الدولة اليهودية لمدة عشر سنوات، إضافة للحد من الهجرة اليهودية في ذلك الوقت إلى درجة كبيرة.

هذا المثال وغيره الكثير يؤكد أن شعبنا قدم الكثير مما هو مطلوب منه واستمراره في الصمود والمقاومة حتى يومنا هذا، مانعاً العدو من تحقيق أهدافه، هذا العدو الذي يضم اليوم في صفوفه إلى جانب الدولة اليهودية، الولايات المتحدة القوة المهيمنة على العالم ومعها قوى أخرى وحكام عرب معينون من قبلها وتابعون لها يدعو للتفاؤل، وما دمنا لم نقبل بالهزيمة فنحن المنتصرون.

* بدأت حياتك مقاتلاً وطنياً فلسطينياً، ثم مناضلاً قومياً بعثياً بعد وحدة الضفتين، ثم عدت إلى صفوف منظمة التحرير والثورة الفلسطينية وأنت الآن تناضل على الصعيدين الأردني والفلسطيني.. هل ترى في هذه التحولات تناقضاً أم تواصلاً وتكاملاً ؟

- لا أرى في الأمر إي تناقض، فأنا لست مناضلاً فلسطينياً أو أردنيا فحسب، بل مناضل قومي قبل أي شيء آخر، وعندما اعمل من اجل قضية العراق أو الأردن أو فلسطين أكون مناضلاً من اجل القضية القومية العربية، والخطأ الكبير الذي يقع فيه البعض هو النظرة الضيقة إقليميا، وعزل إي قضية عربية عن محيطها وعلاقاتها العربية والقومية، فأنا لم أتحول من جهة إلى أخرى بل كنت أحاول دائماً التواجد في الميدان الساخن، وعندما كانت فلسطين هي هذا الميدان كما كان الأمر بين عامي 1936 - و1948 كنت -أقوم بدوري، وبعد النكبة تمت إعادة النظر في أمور كثيرة، وتكونت قناعة لدى القوميين العرب وأنا منهم أن بقاء النضال الفلسطيني محصوراً بالفلسطينيين يجعل إمكانية نجاح هذا النضال محدوداً، لذا تم طرح شعار (الوحدة هي طريق التحرير) وتبنى حزب البعث هذا الموقف في أدبياته، وفي أول مشاركة لي في مؤتمر حزبي في سوريا مطلع الخمسينات كنت اسمع ابن حلب يتحدث عن القضية الفلسطينية بنفس الحماس الذي يتحدث به ابن نابلس أو القدس، وهذا الأمر ليس جديداً في تاريخنا العربي، فصلاح الدين لم يتمكن من تحرير القدس إلا بعد توحيد قوى العراق والشام ومصر.

إما انخراطي في صفوف منظمة التحرير فلم يمثل تحولاً من وضع إلى آخر، بل على العكس تماماً ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي برزت ثورة مصر، والتفت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية حول النهج القومي الذي كان يتبناه عبد الناصر برفضه الخنوع للقوى الأجنبية ومقاومتها والسير نحو نوع من الوحدة العربية، وطرحت مصر عبد الناصر موضوع تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية أمام معارضة من قوى عربية كانت أبرزها المملكة العربية السعودية، فالخط القومي هو الذي طرح وتبنى منظمة التحرير، وعندما ابتعدت المنظمة عن هذا الخط ابتداءً من عام 1969 متقوقعة حول شعار (الفلسطينية) ويا وحدنا كنت أناضل ضد هذا التوجه وأساند الخط القومي الوحدوي النضالي المعادي للاستسلام.

* هل تخيلت وأنت تقاتل في القدس، وتناضل ضمن الخط القومي في الخمسينات، إن تشهد في شيخوختك بعد عدة عقود، مثل هذا الانهيار العربي، وأن تسفر كل نضالات ثلاثة أجيال عربية عن هذا الواقع العربي البائس؟؟

- ما أود إضافته لما ذكرته سابقاً، هو أن صراعنا مع العدو صراع تاريخي فلا يمكن لأحد أن يتوقع هزيمة الهجمة الاستعمارية الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين والسيطرة على الأمة العربية في سنوات قليلة، فالحروب الصليبية دامت حوالي مائتي عام، وبعد أن أقام الصليبيون ممالك لهم في الكرك والشوبك إضافة لما أقاموه في فلسطين، عادوا مدحورين من حيث أتوا، وعادت هذه البلاد عربية كما كانت دائماً.

* هل اقرأ من حديثك أننا بحاجة إلى مئات السنين من الصراع؟

- نعم قد نحتاج لذلك، فالمعارك سجال، وكلما اشتدت المقاومة تشتد الهجمة الاستعمارية، وهذا أمر طبيعي فاشتداد الهجمة مؤشر على وجود قوى حية تخشى الإمبريالية منها على مصالحها، فاضطرار الجيش الأمريكي لغزو العراق ناجم عن إدراكه مع دولة العدو الصهيوني أن مصالحها باتت في خطر، وهذا شأن الاستعمار دائماً، فعندما ظهرت أول قوة عربية تقدمية في العصر الحديث متمثلة بمحمد علي باشا تحركت القوى الاستعمارية لضربه وفرض معاهدة عام 1840، وفيما بعد اضطر الجيش البريطاني لاحتلال مصر عام 1882 لمواجهة نذر الخطر على مصالحه الذي مثلها بروز حركات جديدة عبر عنها جمال الدين الأفغاني واحمد عرابي.

* إذن، هل ترى أن التاريخ يعيد نفسه؟؟

- نعم، انه يكرر نفسه، فعندما برز دور عبد الناصر ومحاولاته للخروج بهذه المنطقة من دائرة النفوذ الأجنبي جاء العدوان الثلاثي عام 1956 لقبر هذه المحاولة في بداياتها، ومع ذلك صمدت الأمة العربية إلى جانب عبد الناصر وقاومت معه، فما يسميه البعض تراجعاً وخسارة أرى فيه مظهراً من مظاهر اشتداد الهجوم الاستعماري لمواجهة الخطر الذي باتت امتنا تشكله على مصالحه، فنحن لا ننهزم ولكننا صامدون وما نزال نهدد المصالح الإمبريالية إلى أن نجبرها على الرحيل وترك امتنا تصوغ مجتمعها وفق مصالحها، وطالما استمرت في محاولة السيطرة علينا سيستمر الصراع وسنقدم الضحايا، ومهما قدمنا حفاظاً على وطننا وعروبتنا ومصالحنا يبقى أمرا طبيعياً وبسيطاً مقارنة مع ما قدمته الدول والشعوب في _سبيل مصالحها، فمعركة واحدة في الحرب العالمية الأولى، وهي معركة فردان، راح ضحيتها اكتر من مليون شخص، فيما قدمت مدينة واحدة هي ستالينغراد ملايين الضحايا دفاعاً عن الحرية والمصالح الوطنية في الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي لا أقلل فيه من همجية العدو الصهيوني فأنني لا أرى بديلاً أمامنا سوى التحمل والمزيد من الصبر والصمود، ولا أتحدث هنا عن فرضيات بل عن واقع نعيشه يومياً، فرغم كل المعطيات وقوة وعنجهية عدونا الصهيوني المدعوم أمريكيا لازال شعبنا صامداً ومانعاً العدو من تحقيق أهدافه في الترحيل أو الترانسفير.

* هل تطرح على نفسك والآخرين سؤال.. ما العمل؟؟ وذلك في معرض التفكير والبحث عن وسائل وروافع للنهوض بالحال العربي الراهن؟؟

- هذا سؤال مطروح دائماً، ووضع خطة مستقبلية لمواجهة التحديات القائمة موضوع واسع يحتاج إلى دراسات وتحليلات واستنتاجات لكي انطلق من التحليل القائم على وجود مدرستين في العالم العربي ارتبطتا باحتلال بلاد الشام والعراق وغير هما كنتيجة من نتائج الحرب العالمية الأولى.. المدرسة الأولى أطلق عليها اسم مدرسة (نوري السعيد) فرغم كونه من زعماء الثورة العربية الكبرى إلا انه التزم جانب الاستعمار الإنجليزي، منطلقاً من فلسفة قائمة على أن البلاد العربية ضعيفة ومتخلفة لا يمكنها الوقوف في وجه قوى جبارة، لذا علينا أن (نتعامل ونتعاون) مع هذه القوى، وبواسطة هذا التعاون يمكن خدمة الشعب قدر الاستطاعة. هذه الفلسفة تقود هؤلاء الحكام ومن يدور في فلكهم من مثقفين وصحفيين ليصبحوا أداة تنفيذ البرامج الاستعمارية الصهيونية ضد شعوبهم، ونوري السعيد ذاته كان أكثر من قدم خدمات للدولة العبرية عبر ترحيل يهود العراق إلى فلسطين وشملت هذه المدرسة العديد من الزعماء العرب التاريخيين ولازالت.. أما المدرسة الأخرى التي يمثلها الشعب فهي مدرسة المقاومة، ولمواجهة هذه المدرسة وهذا التوجه يتحدث المستسلمون عن استحالة مواجهة الأسلحة المتطورة بالبندقية، وهذا تشويه لفكرة وأسلوب النضال الشعبي القادر على ابتكار وسائل المقاومة، والتي لم يكن أخرها الحجارة التي استطاعت هزيمة رابين أمام عجز الجيوش العربية عن مواجهته، فالمقاومة تمتلك وسائل واسعة والشعب قادر بفطرته على تحسسها وممارستها، أما ما تستطيع المقاومة إنجازه فيتمثل في أمرين أساسيين أولهما: قدرتها على شل أداة العدو العسكرية المتطورة فلا تعود هناك فائدة تذكر لطائراته وأسلحته التكنولوجية المتطورة.. والثاني: قدرتها على حرمان العدو من استقراره، وأشير هنا إلى واقعة تاريخية، فبعد خروج الجيش الفرنسي من الجزائر بعد مائة وخمسين عاماً من الاحتلال، توجه أحد الصحفيين بسؤال لقائد الجيش الفرنسي حول أسباب خسارتهم للحرب في الجزائر، فكانت إجابته: نحن لم نخسر الحرب لأننا لم نخض حرباً.. وأمام تساؤل الصحفي عن سبب الخروج، جاءت إجابة القائد العسكري لأننا لم نعد نستطيع البقاء. المقاومة الشعبية تجعل العدو غير قادر على البقاء، والهجرة اليهودية المعاكسة في سنوات الانتفاضة الحالية اكبر دليل على ذلك، فمن نتائج الصمود والمقاومة أن الاقتصاد اليهودي في حالة انهيار وكذلك حياة اليهود الأمنية والنفسية.. وضمن هذا الخط العام، خط المقاومة في مواجهة سياسة الاستسلام يقع البرنامج التفصيلي لمواجهة الأوضاع التي نتعرض لها الآن.

* نعرف أن الأنظمة العربية عاجزة ومستسلمة، ولكن أليست الشعوب هي الأخرى مذعنة ومستسلمة وغير ذات حراك؟ هل فقدت الشعوب نضاليتها، أم أن هذا هو هدوء ما قبل العاصفة؟

- التجربة تقول أن وقوف الشعب في وجه العدو الأجنبي مباشرة أسهل عليه من الوقوف في وجه حكومات وجنود من أبناء جلدته، والحكومات العربية التي فرضها الغرب علينا تعمل لقمع أي تحرك شعبي في مواجهتها، فإضافة لتسلط القوى الأجنبية ودسائسها وجواسيسها وأموالها، فالشعب يواجه حكومات تسير وفق تعليمات هذه القوى. الشعب لم يستسلم لكنه يجد صعوبة في مواجهة حكوماته، فمواجهة الفرد لجندي من أبناء بلده في مظاهرة أصعب من مواجهة الجندي الأجنبي، لكن هذا وضع غير طبيعي وغير دائم، فما يراه البعض سكوناً أو تخاذلاً هو في حقيقته مرحلة تخزين ستنفجر يوماً ما لا محالة، فقبل عام 1958 كان لنوري السعيد قول مشهور "بان اكبر رأس في العراق اضربه بالجلاق" وكان يبدو العراق وكأنه في مرحلة يأس واستسلام للأمر الواقع، وفي لحظات كان العراق ينفجر و(يسحل) نوري السعيد في شوارع بغداد، فالشعب يمهل ولا يهمل، وفي كثير من المناسبات الوطنية التي أشارك فيها أتوجه للمخبرين المتواجدين للتجسس على ما نقول، لإبلاغ مرسليهم بعدم الركون لصمت الناس الذين يمكن أن ينفجروا وحينها سيكون الانفجار مدمراً وخطيراً، فالشعب العربي ليس صامتاً فمن كان يتوقع تحرك الشعب في السعودية تضامناً مع الشعب الفلسطيني في انتفاضته، ومثال آخر أسوقه.. فقبيل الانتفاضة الأولى كان السكون في الأراضي المحتلة خادعاً للبعض، وكانت الدعاوى بنقل المقاومة من الخارج للداخل تعبيراً عن ذلك، فإذا بالانتفاضة تنفجر وتنطلق المقاومة في الداخل في الوقت الذي كانت فيه المقاومة في الخارج في تراجع.. فما نعيشه ونراه اليوم يجب إن لا يخدعنا أو يضعف من معنوياتنا.

* بعد الغزو الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي، جاء دور الغزو التربوي والتعليمي.. كيف تقرأ الهجمة الأمريكية على المناهج الدراسية في الأردن ومصر والعراق ودول الخليج؟؟

- الاستعمار والهيمنة لها أشكال عديدة منها العسكري والسياسي والنفسي والعقائدي، والعدو يحاربنا على جميع الجبهات بما في ذلك الجانب الثقافي والتعليمي، وهذا ليس بالأمر الجديد ففي عهد الانتداب كنا ندرس عن تاريخ بريطانيا وليس عن التاريخ العربي، وما تدركه القوى الاستعمارية وتسعى لتنفيذه إن التأثير على صغار السن وتوجيههم وفق مصالحها أسهل وأكثر خطورة. وما يحصل حالياً في الأردن تقوده مؤسسة كندية مرتبطة بالمخابرات الأمريكية، وهذه المؤسسة تعمل منذ خمس سنوات على الأقل، وقد نظمت وزارة التربية قبل أربع سنوات لقاءات لمدراء مدارس حكومية وخاصة عارضة عليهم مناهج مصاغة في اللغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماعية، ومنها مثلاً درس في المطالعة للصف الرابع الابتدائي تحت اسم (التعاون) ملخصه أن محمد وشلومو كانا يملكان قطعتي ارض تُسقيان من مصدر مياه واحد، اختلفا على توزيع المياه فحصل بينهما نزاع أدى إلى توقف الشخصين عن زراعة أراضيهما وفي النهاية لم يجدا سوى حل واحد قائم على التعاون وتوزيع المياه بينهما، وعاشا بسعادة وهناء.. هذا المنهاج موجود ومصاغ وقد اطلعت عليه، ولم يعطل تنفيذه سوى موقف مدراء المدارس الرافض للتعامل معه. وقبل عام قابلت في عمان مندوباً عن هذه المؤسسة الكندية حضر لدراسة المدى الذي وصلت إليه هذه المناهج في التطبيق، وبعد أحداث سبتمبر وغزو العراق ازداد الضغط على الحكومات العربية لتعديل المناهج، وهذه الحكومات منصاعة ومتجاوبة وقد اتخذ مجلس التعاون الخليجي قراراً بذلك، وفي الأردن يتم التعامل مع هذا الموضوع من وراء ظهر الشعب، فيما اعترفت الناطقة الرسمية باسم الحكومة أن مناهجنا تستهدف سياسة السلام.. وهي تعني بذلك التيئيس والاستسلام وفقدان الثقة بالذات حتى يقبل الشعب ما يقبل به الحكام، وهذا أمر خطير كونه يتناول واقعنا وتاريخنا من جذوره، وعلينا الاستعداد لمواجهة معركة تعديل المناهج مع الحكومة بقوة. وفي الوقت الذي أؤكد أنني ضد تعديل المناهج حسب التوجه القائم، إلا أنني أدرك أن كل شيء في الحياة واجب التطوير، لكن التساؤل هو بأي اتجاه يتم ذلك؟ فهناك بعض المقالات الصحفية التي تهاجم معارضي - تعديل المناهج باعتبارهم متخلفين، وهذا دجل سياسي، فنحن نؤمن بالتطور وننادي به بل وننادي بالتغيير الثوري، لكن ليس من السهولة خداعنا وخداع الشعب بأكاذيب من هذا النوع هدفها التستر على حقيقة التغيير السلبي للمناهج خدمة لأميركا والصهيونية.

* بحكم خبرتك النضالية الطويلة.. هل تتوقع تصاعد فعاليات المقاومة العراقية بعد اعتقال الرئيس صدام حسين، وتمكنها من دحر الاحتلال الأميركي، أم أن أميركا اليوم غيرها بالأمس حين دحرتها خلال حقبة الحرب الباردة، المقاومة الفيتنامية؟

- المقاومة هي الرد الطبيعي على أي احتلال، وعلى الوجهاء الذين جاءوا للعراق على ظهور الدبابات الأميركية، ففي فيتنام كانت هناك (حكومة فيتنام العميلة) فكل بلد يقع تحت الاحتلال يعمل المحتل على إقامة حكومة تمثل مصالحه وليس مصالح الشعب. كما اضطر الإنجليز لمغادرة العراق مرغمين بعد احتلالها عشرات السنين، فإن الاحتلال الأميركي سيخرج من العراق مرغماً، لكن الخطورة تكمن في عدم مغادرته قبل ضمان تشكيل حكومة عميلة تحافظ على مصالحه بالقمع والأحكام العرفية. وبعد أن كانت هناك محاولات لتصوير المقاومة في العراق على كونها محصورة بصدام والبعثيين، فإن الأحداث اليومية تؤكد أن المقاومة موجودة ومستمرة قبل اعتقال صدام وبعده، وكنت أحد الذين فوجئوا بسرعة انبثاق هذه المقاومة وفعاليتها، وفي الوقت الذي لم يكن أحد يتوقع أن يعجز الجيش الأميركي عن احتلال العراق، كانت خشيتنا من تأثير ذلك على الوضع في فلسطين، لكن المقاومة العراقية رفعت معنويات الشعب الفلسطيني، وقدمت دعماً إضافياً له. وحتى تستمر المقاومة العراقية وتتطور أود الإشارة إلى بعض العوامل الضرورية لذلك، وأولها ان إنشاء "مجلس الحكم" الحالي جاء مدخلاً لإقامة حكومة عميلة في العراق تسمح بانسحاب الجيش الأميركي بعد تأمين مصالحه وإقامة قواعد عسكرية في العراق، لذلك فإن من يساهم في هذا المجلس أو يتعامل معه يجب اعتباره منحرفاً وعميلاً، أما بعض الأحزاب التي شاركت وتحاول الآن التملص كالحزب الشيوعي العراقي والحزب الإسلامي فعليهما الخروج سريعاً من هذا المجلس دون أي محاولة للتبرير أو التستر وراء أي مقولات أو أعذار، إذا كانوا شرفاء ويعتبرون أنفسهم أحزاباً مناضلة. وثاني هذه العوامل أن مقاومة النهج الأميركي والمجلس المرتبط به تتطلب إقامة جبهة وطنية في العراق تمثل السلطة البديلة أمام العراقيين، وهذا لا يمكن له أن يتم إلا بالمقاومة، فهذا المجلس الذي يحاول الأردن تدريب عساكره يجب إسقاطه، ولن يتم ذلك دون إشراك جميع القوى المناضلة ضمن إطار جبهة وطنية. الأمر الآخر الهام، أن اكثر ما يضيق على المقاومة انحصارها في إطار محدود، وللأسف جاءت المواقف الايرانية والتركية والكويتية والأردنية المحيطة بالعراق معادية للمقاومة، مما يستدعي قيام الشعوب في هذه الدول وعلى أوسع نطاق بإعلان تأييدها ودعمها للمقاومة العراقية.

* رفعت حكومة الفايز شعارات التنمية السياسية، والحوار الوطني ومحاربة الفساد، وممارسة التقشف.. كيف تقيم هذه الشعارات؟؟ وهل تعتقد أن الحكومة تمتلك فعلاً القدرة والمصداقية على تحقيق ذلك؟

- إن الحكومات في الأردن تتشكل ضمن برامج ومخططات أجنبية لتحقيق أهداف معينة، وحكومة الفايز لا تختلف عن سائر الحكومات، أما السبب في تبديل هذه الحكومات فيعود إلى أن كل وزارة تأتي لتنفيذ أهداف ومآرب معينة.. فحكومة أبو الراغب نفذت ما طلب منها من دفع للضرائب وقمع للحريات.. الخ، ولم يعد أبو الراغب وحكومته قادرين على تنفيذ المزيد من المصائب المفروضة على رقاب الشعب، وهكذا كان لا بد من حكومة بديلة، فجاءت الحكومة الحالية لتطرح الحوار كمجرد غطاء تدعي بواسطته أن الويلات القادمة من رفع للأسعار وغير ذلك والتي بدأت أخبارها تتسرب إنما تتم برغبة شعبية، وهذه سياسة مكشوفة، وكفاءة الرئيس الحالي ضعيفة لتأمين هذه التغطية. وفي هذا السياق أود الإشارة دون تعليق إلى أقوال للمحامي فاروق الكيلاني، رئيس المجلس القضائي الأعلى الأسبق، نشرتها جريدة  (الميثاق) تحت عنوان (إصلاح القضاء رِدَّة أعادته للوراء مئات السنين) ومنها "أن رئيس الوزراء السابق تدخل في الدعاوى المنظورة لمصلحة أشخاص معينين"، "فساد القضاء هو اكبر باب للفساد في البلاد"، "إصلاح القضاء يحتاج لمصلحين وليس لعاجزين وما يجري ضرب من اللهو"، "صبغ القضاء بالعشائرية مناف لمبدأ الحياد وجرى تعيين قضاة ينتمون لعشائر معينة"، "فقدان معنى العدالة انتج مراكز قوى وأصبحت حقوق الناس وحرياتهم رهناً بالمزاج"، "محاربة الخبراء وحملة الدكتوراه في القانون تفسح المجال لتقدم الجهل". أمام الحكومة مهام صيغت لها لتنفيذها، وفي مواجهة هذه المهام والبرامج المعادية لمصالح الناس وخاصة الاقتصادية منها مترافقة مع الكبت الداخلي الذي يعيشه الشعب، لا استبعد انفجار كل ذلك في وجه الحكومة الحالية.

نحن في (المجد) نطرح منذ ثلاث سنوات فكرة حكومة الائتلاف الوطني التي تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الأردني لكي تقوى على مجابهة التحديات الراهنة.. هل تتفق أو تختلف معنا في هذا الطرح؟؟

- الأردن يفتقر للاقتصاد الذاتي ويعتمد على المساعدات الأجنبية، والبلد الذي يعتمد على ذلك يكون خاضعاً للقوى الأجنبية، وأي حكومة تشكل في هذا البلد تعمل ضمن هذه القيود، فتشكيل حكومة ائتلاف وطني في ظل النفوذ الأجنبي و"معاهدة وادي عربة" أمر خارج عن المنطق، ولو افترضنا جدلاً انه تم اختيار افضل زعيم وطني أردني لرئاسة الوزراء، وضمن حكومته خبرة الزعماء السياسيين في هذا البلد، فإن مجرد قبولهم لذلك يعني قبول "معاهدة وادي عربة" وتعليمات صندوق النقد الدولي مما يسقط عنهم صفة الوطنية، فأنا أرى استحالة تشكيل حكومة وطنية في ظل الظروف الراهنة، أما الادعاء بأن وجود أشخاص وطنيين ضمن حكومة ما يعني كونها حكومة وطنية فأمر غير صحيح.

* هل تعتقد في ضوء سياسات شارون والليكود الراهنة، أن "الترانسفير" أمر وارد، وأن الأردن بات في خطر حقيقي لا يقل عن فلسطين أم أن "معاهدة وادي عربة" والتحالف مع أميركا يمكن أن يحولا دون ذلك؟

- لا شك أن دولة العدو تعاني من المشكلة الديمغرافية، والتي ازداد تداولها لديهم أمام تضاؤل الهجرة اليهودية وتصاعد الهجرة المعاكسة بسبب انعكاسات الانتفاضة على المجتمع الصهيوني. ومنذ بدء الحركة الصهيونية رفعت شعار ضرورة إفساح المجال واسعاً لليهود القادمين، وقد ارتكبت العصابات الصهيونية عام 1948 مجزرة دير ياسين وعشرات المجازر الأخرى من اجل الاستيلاء على فلسطين وإفراغها من شعبها. وكمتابع للموضوع فقد نفذ اليهود عام 1948 بمساعدة الإنجليز وأعوانهم خططهم بنشاط الترحيل الجماعي، متصورين أن الفلسطينيين المغادرين سيندمجون سريعاً في بلاد الملجأ، ولكن هذا لم يتحقق وبقيت مشكلة اللاجئين تتفاقم، لذلك لم تحاول دولة العدو في حرب 1967 تكرار المحاولة، وأصبح التوجه الصهيوني منصباً نحو تضييق الخناق على الفلسطينيين لدفعهم للمغادرة طوعاً، وهذا التوجه المستمر حتى اليوم فشل أمام صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على البقاء فوق أرضه، ورغم وجود جهات صهيونية اليوم تنادي (بالترانسفير) فأنا أرى أن ما يعلن أقرب إلى التهديد نظراً للصعوبة البالغة في التهجير، فقد يستطيعون تدمير المنازل وقتل الآلاف ولكنهم لن يتمكنوا من تهجيرهم كون الرأي العام العربي والعالمي لا يمكنه تقبل مثل هذه الإجراءات، إضافة إلى أن الدول العربية التي استقبلت اللاجئين عام 1948 ترفض تدفق أعدادٍ جديدة منهم بما في ذلك الأردن.

وأود في هذا السياق الإشارة إلى جانب مهم وهو أن حكوماتنا الأردنية وبعض الصحف والصحفيين يثيرون موضوع هجرة الفلسطينيين إلى الأردن، مصورين ذلك كخطر على الشعب الأردني بهدف خلق نوع من الانقسام والصراع الداخلي، وأؤكد لكل المدعين بخطر الهجرة الجديدة والوطن البديل أن ذلك غير وارد، ولا يجوز أخلاقياً استغلال هذه الطروحات والمخاوف.

* سؤال شخصي.. هل انتهيت من كتابة ما تبقى من مذكراتك؟ وما هي الحكمة التي تعلمتها من الحياة، بعد أن عشت مناضلاً صلباً لم ينكسر لأكثر من نصف قرن؟

- فيما يخص المذكرات أود القول أنه بعد نشر الجزء الأول منها، أوشكت الآن على الانتهاء من كتابة البقية، وبدأت بإجراء الاتصالات لطباعتها. أما الحكمة التي تعلمتها فليست شعاراً إنما أمر جربته، وهو أن الشعوب لا تغلب.. والحكمة الثانية لست صاحبها بل ازددت إيماناً بها، وهي أن الاستعمار والاحتلال يحمل أسباب هدمه من داخله.. والأمر الثالث هو ضرورة الصمود والصبر، بمعنى استمرار النضال والمقاومة وتحمل تبعاتها، فنضال الشعوب لا يمكن أن يذهب سدى..

 

* وصلنا هذا المقال من (نضال الشعب)
http://www.alnedal.net/nuke
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alnedal.net/nuke/modules.php?name=News&file=article&sid=139