الغبي بريمر

ابراهيم العبسي/الأردن

أن يهدد بول بريمر الحاكم المدني الأميركي أو العسكري للعراق، من انه لن يقبل على الإطلاق، أن يكون الإسلام، مصدر التشريع في الدستور العراقي المنتظر، وانه سيبطل أي قرار يتخذه مجلس الحكم العراقي الانتقالي بهذا الشأن عن طريق استخدام حقه في النقض "الفيتو"، فذلك يعني أن العراق ليس حراً في صياغة دستوره واختيار نظام حكمه، وأن الكلمة الأولى والأخيرة التي ستحدد مصير العراق هي بين بريمر والمحتلين الأميركيين الذين لم يأتوا إلى العراق إلا من اجل تجريده من هويته وعقيدته، وعروبته وثقافته وحضارته وتاريخه، وفك ارتباطه بمحيطه القومي، وإلحاقه بمنظومة الدول المتأمركة، وإرغامه على التصالح مع الكيان الصهيوني، وربما عقد تحالف استراتيجي مع هذا الكيان على غرار التحالف الصهيوني التركي. فهل هذه هي الحرية التي وعد الأميركيون بتعميمها في العراق!! وهل هذه هي الديمقراطية التي تعهد الأميركيون بإرساء قواعدها المتينة في بلاد الرافدين!!
وإذا كانت هذه هي الحرية والديمقراطية الأميركية التي تصادر حق الشعب العراقي في اختيار نظامه ودستوره، فما هو الاستبداد والاستعباد والاستعمار إذن!! وكيف يمكن أن يكون العراق حراً وديمقراطياً اذا كان بول بريمر هو الحاكم والمتحكم بالشؤون العراقية المصيرية!! وما هو رأي "مجلس الحكم العراقي الانتقالي المؤقت" في هذا التهديد الخطير جداً، والذي يتعارض مع تصريحات ورغبات عدد كبير من أعضاء هذا المجلس الذين أعلنوا أن الإسلام سيكون مصدر التشريع في الدستور العراقي!!
وإذا ما تراجع هؤلاء عن رؤيتهم وقناعتهم النابعة من أعماق الروح العراقية والثقافة العراقية، والعقيدة الدينية والقومية العراقية، بفعل تهديد بريمر واستعداده لإبطال أي تشريع ينص على أن الإسلام هو مصدر التشريع في الدستور العراقي، فما الذي يمكن أن يكون عليه حال العراق اذا ما نجح الأميركيون في فرض رؤيتهم ودستورهم على العراق والشعب العراقي!! وأية رؤية ودستور هذه التي سيفرضها بريمر على شعب عربي مسلم يعتز بعروبته وانتمائه القومي والديني!! أهي الرؤية الإمبريالية الأميركية الاستعمارية التي جاء المحتلون لفرضها على الشعب العراق!! ام هو الدستور الأميركي، وربما الصهيوني الذي لم يكتب بعد!!
وهل يبقى العراقي عراقاً.. اذا ما نجح الأميركيون في فرض رؤيتهم ودستورهم الاستعماري الذي يجرد العراق من هويته وشخصيته ويربطه إلى الأبد بعجلة الدوائر الإمبريالية الصهيونية!!
وهل يركن الشعب العراقي العظيم ويستسلم لمثل هذه الرؤية الإمبريالية والدستور الاستعماري الغريب الذي لم يفصح عنه بريمر حتى هذه اللحظة، وان كانت خطوطه العريضة قد باتت واضحة وجلية!!
يبدو أن بريمر الغبي، وأسياده في البيت الأبيض، والبنتاغون، ومجلس الأمن القومي، وحتى في الكونغرس الأميركي اليميني المتصهين، لا يفهمون خطورة مثل هذا التهديد، وعواقبه بالنسبة لشعب يمكن أن يصمت على جراحه وعذاباته، ولكنه بالقطع لن يصمت على فك ارتباطه بعقيدته الدينية، تلك التي تنغرس عميقاً في روح هذا الشعب، وتعكسها آلاف المرجعيات الدينية الشيعية والسنية المنتشرة في أرجاء العراق، والقادرة على تحريك الشارع العراقي بصورة لا يتخيلها بريمر وأسياده في واشنطن، والتي يمكن أن تضيف للمقاومة العراقية بعداً جديداً اكثر قوة واستعداداً للتصدي للمحتلين الأميركيين، وإغراقهم تماماً في وحل المستنقعات العراقية.