ابراهيم
العبسي/الأردن
لم
نكن نضرب في الغيب حينما طرحنا مطلع الشهر
الجاري، تحت عنوان (العراق وأخطار الحرب
الأهلية)، مخاوفنا من أن العراق ينزلق بوتيرة
متسارعة باتجاه حرب أهلية طاحنة تبدو كل من
واشنطن وتل أبيب متورطتين فيها حد العظم .
فالانسحاب المفاجىء للجيش الأميركي من
مدينتي بغداد والفلوجة اللتين تشكلان رأس
الحربة العراقية في مقاومة الاحتلال
الأميركي لم يكن ثمة هدف له سوى ترك هاتين
المدينتين نهبا لأعمال الفوضى والعنف والقتل
والنهب والتخريب والفلتان الأمني المفتوح
على مصراعيه، بعد أن تكفل بذلك عملاء (الموساد)
"الاسرائيلي" وطابور المرتزقة من رجال
المهمات القذرة الذين جندتهم المخابرات
الأميركية لهذه الغاية. واذا كان ثمة أهداف
إضافية أخرى لواشنطن من وراء هذا الانسحاب
التكتيكي فهي أولا: استثمار الفلتان الأمني
وأعمال العنف والتخريب والتفجيرات الرهيبة،
بهدف تعطيل الانتخابات العراقية المتفق
عليها، والتي باتت الإدارة الأميركية تتخوف
من نتائجها اذا ما أجريت في الفترة الزمنية
المحددة لها، والتي يبدو أنها تتعارض مع
المخططات الأميركية "الاسرائيلية"
المعدة للعراق، وثانيا: دفع الشعب العراقي
للمطالبة بعودة القوات الأميركية إلى هاتين
المدينتين والمدن الأخرى مثل تكريت، بهدف
الحفاظ على الأمن ووقف أعمال العنف والتخريب
والقتل، حتى تبدو في النهاية هي المنقذ
للعراق والعراقيين، بيد ان المقاومة
العراقية بتنظيماتها المختلفة الوطنية
والإسلامية والقومية أدركت على الفور المغزى
الأميركي من الانسحاب، فأعلنت وقف عملياتها
ضد الشرطة العراقية والجيش العراقي،
والمؤسسات المدنية العراقية لكي تفوت على
واشنطن لعبتها الخبيثة والقذرة، ولكن هل يكفي
هذا الإجراء المسؤول في وقف حالة التدهور
الأمني التي باتت تفرد ظلها الأسود على
العراق من أقصاه إلى أقصاه، لا سيما في ظل
انعدام أجواء الثقة بين طوائف وأعراق الشعب
العراقي مثل السنة والشيعة، والعرب
والأكراد، وشيوع عادات الثأر، والانتقام في
المجتمع العراقي، تلك التي لا تنفك واشنطن
تشعل نارها، كلما حاولت المرجعيات السنية
والشيعية الوطنية وكذلك العشائرية والقومية
والإسلامية إخمادها!!
يبدو أن اللعبة الدامية في العراق أكبر من
العراق والعراقيين، وأن واشنطن ومعها تل أبيب
باتتا تمسكان بخيوط هذه اللعبة، وتحركانها
وفق ما تقتضيه مصالحها الاستراتيجية
والاقتصادية والاستعمارية والتي لن تتحقق
إلا باندلاع الحرب الأهلية، كما عبر عن ذلك في
قلق الأخضر الابراهيمي مبعوث الأمم المتحدة
الذي أبدى مخاوف جادة من احتمال اندلاع هذه
الحرب.
وكان جون أبي زيد قبل الابراهيمي أول من تحدث
عن هذه الحرب، وقبل الانسحاب التكتيكي للجيش
الأميركي من بغداد والفلوجة وتكريت ومدن
عراقية أخرى، وكأنه كان يمهد الساحة العالمية
والمجتمع الدولي لهذه الحرب في تبرئة مسبقة
للإدارة الأميركية من مسؤوليتها عن هذه
الحرب، مع أن المجتمع الدولي يعرف تماما أن
الغزو الأميركي للعراق لا يتطلع فقط إلى نهب
الثروة النفطية للعراق، وإنما إلى تمزيق
وتقسيم العراق وتحويله إلى محميات أميركية
"اسرائيلية" دائمة يمكن السيطرة عليها
للأبد، وإلغاء العراق جغرافيا وتاريخيا
وحضاريا وثقافيا وقوميا بحيث لا يعود قادرا
على مجرد رفع رأسه إلى الأبد.