لا
عداء للاستعمار والصهيونية
نواف
أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في
الأردن
أحمد
الجلبي هو أحد أعضاء (مجلس الحكم) الذي نصّبه
الأميركان في العراق. ولسنا هنا في معرض
الحديث عن شخص الجلبي، بل في معرض مناقشة ما
كان قد ورد على لسانه في الآونة الأخيرة بشأن
أمور لا تخص العراق وحده، بل الأمة العربية
والمسلمين والإنسانية جمعاء، في الحاضر كما
في المستقبل.
يقول الرجل: "إن هناك لجنة خاصة في العراق
تعمل للتخلص مما أسماه (أيديولوجية البعث..
لإلغاء هذه الأيديولوجية من المناهج
الدراسية في الإعلام والأنشطة الثقافية مثل
المسرح والسينما والفنون الجميلة من رسم ونحت".
وأضاف بلهجة الظافر "لم يعد هناك مصطلحات
معادية للإمبريالية والاستعمار والصهيونية
في القاموس السياسي العراقي في الوقت الراهن".
ماذا يعني هذا الكلام..؟
بادىء ذي بدء.. فإن مصطلحات الإمبريالية
والصهيونية والاستعمار ليست مخصصة للوطن
العربي. كما أن العرب عموماً لم يختاروها، بل
هي برزت في إثر فعل قامت به دول بعينها، منذ
عدة قرون، حيث انتشارها إلى دول وقارات،
وقامت باستعمارها لكي تحقق قدرات وتبسط
النفوذ، في آسيا، وأفريقيا، وأميركا
اللاتينية. من هنا استعبدت شعوب بكاملها ونهب
المستعمرون ثرواتها واستنزفوها. كما أن
الإمبريالية هي أعلى مراحل الاستعمار، هكذا
قبل أن تعود الدولة العظمى، الولايات المتحدة
الأميركية، إلى سياسة الاستعمار المباشر بعد
أن أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية
الوحيدة المتحكمة بالعالم كله.
الوطن العربي خضع منذ بداية القرن العشرين
إلى ضابطين محددين متزامنين، هما (سايكس بيكو)
من جهة، و(وعد بلفور) من جهة أخرى. حيث اكتملت
عملية استعباد الأمة العربية ونهب ثرواتها،
ومصادرة حريتها ودورها الريادي الحضاري.
لذا كانت الأمة العربية منذ القرن الماضي،
تتحرك بمجمل حركاتها السياسية، لتركز على
التصدي لما يمنع وحدتها وحريتها وتحررها،
وأداء الدور المنشود في المدار الإنساني.
لذا سقط الشهداء على أديم أرض العرب عبر
الانتفاضات والثورات من المحيط إلى الخليج.
لقد قدم شعبنا في الجزائر فقط أكثر من مليون
شهيد، كما قدم شعبنا في المغرب وتونس وليبيا
ومصر والسودان، وسوريا ولبنان وفلسطين
والعراق واليمن، عشرات الآلاف من الضحايا
والشهداء، على مذبح الحرية.
لقد مضى الشهداء وهم يحلمون بوطن عربي متحرر
من الاستعمار ومن الاحتلال الصهيوني
لفلسطين، حيث لم يخف الصهاينة نواياهم ضد
الأمة كلها. إذاً، العرب لم يختاروا الأعداء
وما حددوهم، بل إن العكس هو الصحيح حيث
الأعداء هم من اختار مناصبة العرب العداء. ومن
منظور الجلبي في العراق، فإنه على العرب كلهم
أن يصفقوا للصهاينة وهم يحتلون أرض فلسطين،
وأن يطأطئوا للإنكليز وهم يتوجهون نحو بغداد
في الحرب العالمية الأولى، وكان على
العراقيين ألا يثوروا عام 1920، ويقدموا
الشهداء من (الرارنجية) إلى (سن الزبان). وكان
على الفلسطينيين أن يتركوا فلسطين طواعية،
دون حاجة إلى (إرغام) عصابات الهاغاناه
والشتيرن والآرغون على اقتراف اكثر من 250
مذبحة في مدن وقرى فلسطين، وكان على
الجزائريين أن يدعوا الجزائر للمستعمرين
الفرنسيين، ويذهبوا إلى بلاد الله الواسعة،
بدلاً من أن يقدموا أكثر من مليون شهيد. وكان
على المصريين ألا يثوروا سنة 1919، وسواها، ضد
الإنكليز، وكان على (عمر المختار) ألا يقود
الثورة الليبية ضد المستعمر الإيطالي، وكان
على سوريا ولبنان ألا ينهمك شعبهما في مقارعة
المستعمرين الفرنسيين.. فلا ابراهيم هنانو
ولا يوسف العظمة ولا آلاف الشهداء كان عليهم
التقدم لملاقاة جيوش الاحتلال.
وما كان على اليمنيين أن ينبروا ضد المستعمر
الإنكليزي ويقدموا الأضاحي في سبيل الحرية
والاستقلال.. لأن ذلك، أي التصدي للمستعمر
والصهيونية، كان خطأ تاريخياً جاء من يصلحه
أخيراً في ظل دبابات وصواريخ وطائرات وأسلحة
جورج بوش وتوني بلير في أرض الرافدين. وينسحب
على الماضي ما ينسحب على الحاضر، فلقد أخطأ
العرب والمسلمون حين تصدوا للغزو الصليبي
لبلادهم قبل ثمانية عقود، وكان على صلاح
الدين الأيوبي أن يمنح (ريتشارد قلب الأسد)
ومن معه مفاتيح القدس، وأرض السلام كلها.. ولم
يكن الخليفة عمر (رضى الله عنه) مجبراً على
الذهاب إلى فلسطين وبيت المقدس، و.. إذاً، لا
حول ولا قوة إلا بالله. إن الاستطراد هنا قد
يقودنا إلى العودة آلاف السنين وصولاً إلى (نبوخذ
نصر) وإلى ارتدادة لزمن هتلر، مع دعوة
الأوروبيين وكل الشعوب إلى عدم مقاتلة جيوشه
الغازية لأنها لم تكن تريد سوى احتلال
واستعمار بلدانهم..!! وممن سيدانون غاندي
ونهرو وكل رموز مقارعة الاستعمار في الكون!!..
القاموس السياسي (العراقي) الآن ليس قاموساً
عراقياً، لأنه قاموس مفروض بقوة الاحتلال
وبأدواته. والمقاومون العراقيون يقضون اليوم
على أديم العراق ليصححوا هذا (القاموس) الذي
يرفض أن يواجه أطماع الكيان الصهيوني. نذكرهم فقط بأن شارون أرسل عدداً من
الحاخامات إلى العراق، كي يصلوا (صلاة الشكر)
شرق وغرب الفرات، في اليهود الذين دخلوا إلى
العراق مع قوات الغزو (الاحتلال). ويقال إن
عددهم كان (ألفين) من بين قوات بوش وبلير..!!
معنى ذلك أن الصهاينة يريدون (دولتهم) من "الفرات
إلى النيل"، لم يغيروا علمهم، ولا محوا
شعارهم وإلا تنازلوا عن أيديولوجيتهم
العنصرية التوسعية. والذين احتلوا العراق
مستعمرون غزاة هدفهم مصادرة ثروة وكرامة
وحرية واستقلال وسيادة العراق والعراقيين.
والمطلوب، من خلال كلام أحمد الجلبي، أن يفسح
العراقيون المجال أمام قوات الغزو لإنجاز
مهامها المرسومة، إذ من الخطأ، في القاموس
السياسي العراقي الجديد، أن يطالب أي عراقي
بحريته وبخروج المحتل من العراق.
كما أن (المناهج) الدراسية التي يجري (تطهيرها)
يجب أن تمّجد الغزاة الفاتحين، ويجب ألا
تحتوي على أي مادة أو موضوع فيه (تحريض) ضد
العدو، أو ليس هذا ما نصّ عليه اتفاق (واي ريفر
بلانتيشن) بين العدو الصهيوني والمفاوض
الفلسطيني..؟!
لا قصيدة (بلاد العرب أوطاني)، ولا نشيد (أخي
جاوز الظالمون المدى)، ولا نشيد (الله أكبر)، و(لاحي
على الجهاد)، ولا (ثوار لآخر مدى)، ولا (راجعون)
ولا لوحة ولا كلمة يمكن أن تستفز مشاعر (السادة)
الذين جاءوا إلى أرضنا (محررين) يرفعون بدلاً
من البنادق أغصان الزيتون، هذا إذا أبقى
المحتل الصهيوني على شجرة زيتون في فلسطين،
وماذا يقال بعد في هذا السياق..؟
كان ديغول والفرنسيون على خطأ.. وكان ماوتسي
تونغ على خطأ..! وكان تيتو على خطأ.. وكل من سار
على درب التحرير..!! وكان كل القادة الذين
تصدوا للمحتلين والمستعمرين على خطأ.. من أول
من رفع صوتا في وجوه الغزاة حتى آخر طفل
فلسطيني أو عراقي يحمل الحجر والراية ويهتف
بعروبة وحرية العراق وفلسطين..!