عوامل النهضة؟

يبدو أن الحوارات الكثيرة التي تدور الآن عن الإصلاح والنهضة، أو التنوير والحداثة، وعن المستقبل العربي البديل، وعن موقف المجتمع العربي المعاصر من نفسه ومن الغرب،أنها قد بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وهي الفترة التي عرفت باسم عصر النهضة بهدف الانتماء إلى حركة التاريخ الصاعدة،وما تزال هذه الحوارات مستمرة اليوم،مع تغير الظروف والأزمنة، وما تزال ال (هل) تطرح نفسها،هل نغير حياتنا؟ هل نغير مجتمعنا؟ هل نصلح من أحوالنا وننهض من كبوتنا؟

ولكن إلى متى سيبقى طرح ال (هل) وإلى متى سنظل حائرين أمام هذه الأسئلة المصيرية المتعلقة بوجودنا وحياتنا؟ ومتى سنجد لها الحلول؟.

طرح السؤال بعد الحملة الفرنسية على مصر مباشرة، وكان ذلك بداية الاستيقاظ، وكان السؤال دليل وعي متقدم وقتها، ومرة أخرى أعيد طرح السؤال في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي وبصيغة النهضة، وعبر هذا الطرح عن حركة اجتماعية وفكرية جديدة، وكان لحظة متقدمة في مسيرة الوعي الاجتماعي والفكر العربي، ولكنها لم تسطع الكشف عن كل الآفاق المسدودة.

من المعروف أن مفهوم الإصلاح في بداية ظهوره، كان يحمل ظلالا عثمانية يقوم بها موظفو السلطنة لإصلاحها، ومن بعد أصبح هذا المفهوم عند المتنورين العرب يعني إصلاح الولايات العربية تحديدا في نطاق السلطنة العثمانية أولا، ثم بالاستقلال عنها عندما وضع مصير السلطنة موضع الشك، أي عندما اتضح أن الإصلاح العثماني غير مؤكد وغير ممكن مما فتح الباب لإعادة الاعتبار لمفهوم الأمة العربية، وظهور النظرية القومية، ومن خلال هذه المستجدات بدأ يتقدم مفهوم النهضة ومصطلحها، مكان مفهوم الإصلاح ومصطلحة،ومفهوم النهضة العربية مكان مفهوم النهضة الشرقية، وكان استعمال هذا المصطلح متأثرا بالغرب وبعصر النهضة الأوربية تحديدا، وغالبا بتأثير الإصلاح اللوثري، والثورة الفرنسية من حيث المضمون، لذا كانت المطالبة بالإصلاح، ومن بعد بالنهضة، تهدف إلى التخلص من حالة التخلف بالنسبة إلى أوروبا والغرب عموما، ومن ثم الوصول إلى حالة تشبهها من حيث العلوم والفنون والاختراعات وبامتلاك ناصية الشؤون الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي وبناء الدولة، وكان المثال المنشود للنهضة هي أوروبا.

دفع الاحتلال الغربي للوطن العربي إلى اتهام دعاة الإصلاح والنهضة بالإلحاد أو التغريب، ومن هنا كان الوعي بأوروبا وعيا شقيا ممزقا بين الحاجة إليها والخوف منها، بين تقدمها وأطماعها، وهذا الأمر جعل الموازنة بين أوروبا والعرب/الإسلام، ميدانا لكثير من النقاشات والسجالات التي تحاول أن تفهم أسباب تخلفنا وتقدمهم، أو التي تقارن بين ماضينا الزاهي وحاضرنا التعيس، وهذه المسألة كانت وما زالت من المسائل الأساسية في المجتمع والفكر العربي/الإسلامي، منذ التغلغل الأوربي وحتى الآن، وبقيت هذه المسألة تحتوي كل المسائل الأخرى.

كان السؤال: هل النهضة أو (الإصلاح) قد أصبح لازما لأن هناك خللا ذاتيا أصاب المجتمع فأوجب إصلاحا، أو صار ضروريا لأن هذا الخلل نتج عن الهجوم الأجنبي، وما الذي سيعنيه النهضة/الإصلاح؟ أي هل الأمر ينطلق من وعي بخلل ذاتي حل بالمجتمع، وهذا الخلل الداخلي ناتج عن السقوط في التحريف (التقليد) وتعاظم الهوة بين المجتمع وبين الإسلام المعياري، كما يقول الإسلاميون، وبالتالي أوجب التصحيح بالإسلام وحده، دون اضطرار إلى اللجوء إلى الغير، أي لا يقتبس من الغير شيئا يدمج في مشروع الإصلاح، واعتبار الجيل الإسلامي الأول هو القدوة، وهذا يبرهن أن اللاوعي بالتأخر تجاه الأجنبي هو الغالب، ولا التساؤل عما عسى أن يكون وراء تغلبه من أسباب يجب الأخذ بها، كان مسيطرا على عقول أولئك المفكرين، رغم أن البعض منهم سلم بالتأخر، ولو اعتبره جزئيا، كما سلم بأن التفوق ليس ماديا، و في هذا الجانب، فقط، يتمثل تأخرنا، أي في (العلوم البرانية)، فالتفوق يرجع أيضا،إلى نظامه السياسي الضامن للحرية والمقيد للسلطة بالقانون، ويلتقي هؤلاء مع المفكرين الليبراليين من وعي بخلل يرجع إلى الفاصل بين مجتمعاتهم وبين الإسلام من ناحية، وفي انقلاب العلاقة بيننا وبين أوروبا من التفوق إلى الانحطاط من الناحية الأخرى، وفي التسليم بالتأخر واعتباره أساسا مشكلا سياسيا راجعا إلى النظام الاستبدادي السائد، وأدى التركيز على السياسي إلى ضعف الفكر الاقتصادي والاجتماعي في الفكر العربي/الإسلامي الحديث، وكان سببه عدم الإلمام بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الحديث، وأيضا، عدم الإلمام بتاريخ النظم السياسية الأوروبية، نفسها، وهذا قاد إلى مداولة أفكار انتزعت من سياقها ومن نظامها لتستعمل في الدعوة وفي البحث عما عسى أن يكون قد سبق إليه في المأثور.

إن التركيز على السياسي وإرجاع تخلفنا إلى طبيعة المؤسسة السياسية، وأن الحل يكون في تحويل السلطة المطلقة إلى سلطة مقيدة بأصول العدل الإسلامي، أو سلطة مقيدة بالقانون، قاد إلى اعتبار مسألة الدستور قضية محورية في الفكر السياسي العربي/الإسلامي، وارتبطت نشأة الأحزاب في أقطار العرب - وذلك منذ قيام الجمعيات داخل الإمبراطورية العثمانية – بالمطالبة بالدستور، سواء تلك التي طالبت بتحقيق إصلاحات دستورية كطريق (لترشيد الأهالي) ليصيروا مواطنين أهلا للاستقلال، أو تلك التي ربطت بين الدستور والاستقلال في مطلب واحد.

إن ظروف التراجع والانكسار، هي البيئة التي تنتج عادة السؤال التاريخي، ما العمل؟ وهذا السؤال هو أحد العوامل التي تؤسس لمشروع النهضة، ما العمل في ظرف الكبوة؟ وعلى الوعي أن يخوض معركة الإبداع بحثا عن أجوبة كبرى، عن معضلات الهزيمة والتراجع، وعن صور أخرى مستقبلية يتحقق فيها هدف التقدم، هدف النهضة، وكانت، بضرورة الأخذ من علوم الغرب وحضارته وتقنياته وأفكاره، أي طرح الانطلاق من اللحظة الراهنة في تطور الحضارة العالمية، وطرح في منطوقه وتياراته الدافعة: الحاضر والمستقبل، الحاضر العالمي طريقا لتغيير الراهن العربي، والراهن العالمي طريقا لبناء المستقبل العربي.

إن السعي العربي القوي لالتماس أسباب النهضة، كانت لحظات تاريخية: لحظة محمد علي، لحظة الثورة العربية، لحظة عبد الناصر، لحظة البعث، لحظة أبو مدين، عملت على (بناء قاعدة صناعية، بناء جيش، تحرير الأرض، بناء وحدة عربية، نشر التعليم، تحقيق الاستقلال الوطني، تحقيق التنمية المستقلة، توفير العدالة الاجتماعية)، ولكن منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، بدا وكأن هناك عملية التفاف وتراجع عن كل ما تحقق وما كان يفكر به في لحظات النهضة، بأشخاصها وأفكارها وقضاياها، وبرزت إلى الواجهة أنظمة أشبه بأنظمة المماليك وملوك الطوائف، كما أن بعض الحكام عاد إلى الأفكار والتنظيمات ما قبل الوطنية، واصطياد المثل الأعلى، والى حلول مشكلات الحاضر في الماضي، وليس في الزمن الحاضر والمستقبل، كل ذلك لتعويض بعضا من شرعيتهم المفقودة،وحدث نسيان أو تناسي المنجزات النهضوية التي ذهبت إلى عالم النسيان وتم القفز فوق العصر والتاريخ وإنجازات العقلانية التاريخية، وهذا أدى إلى تعميق الأزمة بكل مظاهرها وأبعادها، وإلى مفارقة أدت بالبعض إلى القول: أن الحل ليس هنا.

إذن، كان الفشل، بأسباب ذاتية،وبتآمر عليها، وبتدخل استعماري/صهيوني عنيف ألحق ضربات موجعة قاتلة للمشروع النهضوي في سائر محطاته التي قطعها منذ ما يزيد على قرن ونصف القرن، حتى أن الصهيونية والولايات المتحدة لم تترك شعورا بشبهة نهضوية عربية إلا وتدخلت بعنف وحشي لضربها قبل أن تينع، لتدمر القدرة العلمية والاقتصادية والاستراتيجية وإخراجها من دائرة تهديد الكيان الصهيوني ومصالح الغرب الإمبريالي، وكان عدوان 1967، وتدمير العراق، ومن ثم احتلاله، أحدث أعمالهم الشريرة. ومن البديهي أن إسقاط المشروع النهضوي من الخارج ما كان ليجري بهذه السهولة والسرعة التي جرى بها لو لم تكن قد تهيأت له شروط داخلية مؤاتية، أهمها تآكل الداخل السياسي واهتراؤه، وبالتالي ما عاد في وسعه أن يبدي كبير مقاومة أمام عدوان القوى الإمبريالية.

والسؤال يعاد طرحه الآن، وضمن ظروف أبرز سماتها: الاحتلال الاستيطاني في فلسطين،الاحتلال الأمريكي في العراق، تحرك الأقليات الإثنية مطالبة بالانفصال ومستقوية بالأجنبي، استعانة بعض المواطنين بالأجنبي على أنظمتهم وأوطانهم، تعميق القطرية، الأنظمة الاستبدادية بكل تلاوينها في أقطار العرب، نهب وسرقة الثروات العربية من قبل الطبقة الطفيلية الناشئة في عهد الاستبداد، ازدياد اضطهاد الشعب العربي من أنظمته الحاكمة، التجزئة وميكانيزماتها المتجددة والانتقال من طور التجزئة القومية إلى طور التجزئة القطرية، الفساد المنتشر في كل المرافق، طغيان الأصوليات، ضمور القوميين التقدميين والتحديثيين والمتنورين العقلانيين، العولمة بكل ما تحمله من نذر.. وكل ذلك بعد أكثر من مائة وخمسين عاما من اطلاعنا على الحضارة الحديثة واستهلاكنا منتجاتها.

من يرى أحوالنا ويعيشها، ييأس من الشفاء وصلاح الحال،ويتساءل، هل أمتنا أصبحت جثة هامدة، وليس يطلب إحياء العظام الرميمة؟

إن ظروف التراجع والانكسار تخيم علينا، وممكنات الأمة لا تفسح مجالا كبيرا، ولكن:

- رغم الإخفاق في تحقيق الوحدة،فإنها كرست الفكرة الوحدوية في الوجدان الجمعي وفي الوعي السياسي العربي.

- رغم الإخفاق في كسب معركة الديمقراطية، وعدم إيلائها الموقع المركزي الذي تستحق في المشروع النهضوي، فان حركة نضال شعبي ديمقراطي لا سابق لها تعلن أن الديمقراطية مفتاح نهضوي لا غنى عنه لكسب سائر مطالب وأهداف الأمة.

- رغم الإخفاق في التنمية المستقلة وتأمين العدالة الاجتماعية، ازداد الوعي بأن غياب التنمية وفقدان القرار الاقتصادي هو أقرب الطرق إلى فقدان السيادة والأمن الوطني، وهذا أسس وعيا حادا بالحاجة إلى مشروع تنموي وطني وقومي لسد الحاجات وكفالة الحقوق والحد من الفوارق الطبقية الفاحشة.

- رغم إخفاق إلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني وكيانه الغاصب، تكرست ثقافة المقاومة لهذا المشروع.

- رغم الاحتلال الأمريكي للعراق بأهدافه التي غدت واضحة، تزداد المقاومة وتتسع وتتطور.

ويعود سؤال جديد ليطرح نفسه، لماذا كلما أمدنا الواقع الموضوعي بتفاؤل بتغيير الأوضاع والأحوال، وبدافع للإرادة، نجد أنفسنا وقد عدنا إلى لحظة البدء، وعلى نحو غريب لامعقول يكاد يشل قدرة العقل على النفاذ إلى حقيقة ما يجري،  ولكن لا يمكن للعقل أن يقنع بأن دورات الفشل التي تدوخ، قدر لا سبيل إلى الإفلات منه، وان استعماله- العقل معرفة للإمكانيات التي تمنع تحقيق النهضة، إنها إرادة واعية من داخل واقعنا، أو من خارجه، كما أوضحنا، وأن العقل يتجاوز نفسه على نحو دائم ويؤسس لحرية ارتياد الواقع في كل عناصره ويرفض تقسيمه إلى ما هو ارتياده مسموح به وما هو ممنوع عنه. ويحدد الخيارات الحقيقية التي هي نتاج الواقع نفسه. لذا يجب النظر إلى الواقع في جميع أبعاده وتشكيلاته، بما في ذلك الواقع الاستشرافي الخاص بالتطور الذي وصل إليه، وأساليب البحث الجديدة التي تم اكتشافها وتوجب إعادة النظر فيما كان مطروحا، إذ لا يجوز البقاء في حلم بنشوة ما حققه فكرنا من مكاسب معرفية كما أسداها أسلافنا، فلن يجدي أن نظل مرددين لهذه المكاسب، أو نتخذ منها أنموذجا للعصمة والتقديس يمنع من تجشم عناء البحث في الكشف عما تنطوي عليه من أخطاء وثغرات، عبر عملية منطقية مؤداها أن ما هو صحيح، تكون الممارسة المعرفية لأجهزته التوليدية متفقة مع الواقع ومشتقة منه، وغير ذلك، إذا لم تكن على اتفاق واتساق مع الواقع، يقع فيها خطا جذري يترتب عليه نتائج ومضامين خاطئة.

كما أن الضرورة التاريخية، هي المعيار لتمييز الواقع العقلي عن الواقع اللاعقلي، وما هو ضروري في لحظة تاريخية ما، يكف عن أن يكون عقليا في شروط تاريخية جديدة، لذا فإن الاحتفاظ به أو الدعوة إلى بعثه موقف لا عقلي، وغدا مع الزمن فكرا محافظا لأنه محدد بواقع تاريخي معين.

إن قضية النهضة، هي قضية الضرورة للتغيير والتحديث، أي هي كيفية دخول مجتمعنا العربي مدار العصر، ورحاب الحضارة الحديثة، وتحوله من مستهلك وتابع، إلى منتج ومشارك في صوغ وصناعة الحضارة والثقافة الحديثتين، أي، تحوله من مجتمع متخلف إلى مجتمع متقدم.

إن السير نحو الحضارة الحديثة ـ أي النهضة ـ تتطلب التجاوز،تجاوز كل ما هو متخلف، فالنهضة العربية المطلوبة يجب أن تكون حركة فكرية اجتماعية اقتصادية، تحقق الوحدة والحرية والمساواة والعدل والمواطنة وترسخ سيادة الدستور وحكم القانون وتكفل حق الاعتقاد، وتعمل على تحقيق تنمية مستقلة و بناء قاعدة صناعية متطورة، توفر الازدهار ورخاء العيش، كما تعمل على صون الوطن ومنعته.

على المشروع النهضوي العربي أن يتفاعل مع بيئته، بأهدافه وعناوينه وقواه التي تحمله، أي أنه رؤية متسقة، ويكون ثمرة تفاعل أبناء الأمة مع واقعهم وتطلعهم إلى تغييره وتحقيق أهداف رسموها لنضالهم،كما لا يمكن فهم السيرورة نحو النهضة إلا بدءا من "اللحظة" حيث يبتعد "ما سوف نعمل" بشكل دائم عن كل التجارب التي حدثت حتى الآن، والتوجه النوعي نحو المستقبل لا يكون إلا بمقدار ما تسبغ تجربة النهضة على أفق التجربة الراسخة في الماضي بشكل متين وعلى الواقع المعاش، صفة جديدة تاريخيا. والحداثة ليس بإمكانها ولا برغبتها استعارة المعايير التي تسترشد بها من عصر آخر، وهذا يوجب أن ينظر إلى التاريخ كسيرورة متماسكة مولدة للمشكلات، وأن الزمان يعاش في مواجهة المشكلات المطروحة، يعاش وكأنه زمن يتعجلنا، وكما يقول هيغل: "الحاضر زمن عبور يتلاشى في وعي التسارع وفي انتظار مستقبل مختلف". لذا فإن وشائج القربى التي تربط النظرة إلى عصر النهضة وأحلام معظم مفكرينا المعاصرين دليل على أن الكثير لا ينظر إلى الراهن العربي إلا من خلال تلك العدسات النهضوية، بدل إعادة النظر بإمعان في المشروع النهضوي العربي في كليته وفي سائر لحظاته لا في أبعاده أو في لحظة منه فقط هي لحظة المآل.

إن أهم ما يجب علينا عمله هو أن نهزم القرون الوسطى في حياتنا، لأن ما يفصل بيننا وبين القدماء من السنين يجعل شعار العودة إليهم شعار إفلاس، وأن ظروفا جديدة نشأت في العالم المحيط بنا، وتحتاج إلى استنباط جديد، والى بحث الحقائق، والى الاجتراء والتفكير، ويقول (بارا كيلسوس 1493): أن القدماء ليسوا أفضل منا، وهم لا يعرفون مقدار ما نعرف، وان دراسة القدماء نافعة، لكن دراسة الطبيعة أفضل منها.

ونعود، ثانية، للقول أن ظروف التراجع والانكسار، هي البيئة التي تنتج السؤال التاريخي، ما العمل؟ وهذا السؤال هو أحد العوامل التي تؤسس لمشروع نهضة ينقذ العرب من انحطاطهم المطبق. وفي مناخ التراجع والانكسار، هذا، وممكنات الأمة لا تفسح مجالا كبيرا، يرد التساؤل، هل التفكير في مثل هذا المشروع وفي مثل هذه الظروف هو فعل من أفعال الادعاء اللفظي الأيديولوجي المنبثق عن سياسة الهروب إلى الأمام وعن التضخم الأيديولوجي في الوعي العربي، وفقدان حس الواقعية في التفكير السياسي وفي القدرة على تمثل الممكنات تمثلا صحيحا.

بداية، يجب دفن الموتى حقا بدل أن تستمر مأساة دفن الموتى للأحياء،وأن ندرك أن لكل عصر روحه الخاصة التي تؤثر على تفكير أفراده، وأن مسيرة التاريخ لا تعرف الحتمية، لأن محركها إرادة الإنسان، الإنسان الفاعل الواعي، والإرادة والفاعلية الواعية ينحازان بالضرورة إلى العقلاني ويسعيان إلى تحقيقه في الواقع، وهما إرادة وفاعلية فئات صاعدة من رحم الحاضر ذاته، الحاضر الذي يحتوي على العوامل الدافعة للتطور والنابذة له، وهذا يفضي إلى ضرورة أخذ الواقع وإحضاره إحضارا واعيا على مستوى التأسيس كنظام ونهج غرضه دفع الفكر نحو آفاق مفتوحة غير قابلة للانغلاق، وما من نهضة أو تحديث بمستطاعه أن ينجح لولا ما يشكله الواقع من حضور في الوعي، الحضور الذي يعتبر الواقع أساس الحقائق المستخلصة من مبدأ التجربة والاستقراء بدل التفكير المجرد، وبقدر ما يتراكم من خبرات الواقع، مع ما تضيفه الذات الإنسانية من قوالب ومضامين يبرز التفاعل والجدل بين الطموح والواقع المعاش.

سؤال آخر يفرض نفسه، هل نحن بحاجة إلى صوغ مشروع نهضة جديد أم إلى إعادة بناء مشاريع النهضة السابقة أم إلى خطاب نهضوي جديد؟

إن الطموح هو التأسيس لمشروع نهضوي سياسي، اقتصادي، فكري، يتشكل في صورة منظومة متكاملة، وليس في حلقات متعاقبة لا تستقيم معها نهضة، يمكن تحقيق بعض أهدافها، ولكن لا يمكن إنجاز تلك الأهداف كاملة، كما أنه لم يعد بالإمكان أن يستند مشروع النهضة إلى فرضية الأولويات كي لا تضيع صلة الاتصال والترابط بين أهدافه، ولذلك فان الضرورة تقضي صوغ العلاقة بين أهدافه، وإعادة بناء هذه الأهداف في وعينا بناء بنيويا منظوميا من خلال علاقة الترابط المتبادل بينها مجتمعة من ناحية، وضرورة المراجعة وإعادة النظر لبعض مفاهيمها ومضامين أهدافها.

إن مكونات عناصر المشروع هي: الوحدة وضرورة إعادة تمثلها على نحو جديد في ضوء صورتها في الواقع المعاصر الحرية وممارستها في نظام ديمقراطي يكفل تكافؤ الفرص، والتداول السلمي للسلطة – العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، ودعم الشرائح الفقيرة في المجتمع – التنمية المستقلة وبناء قاعدة صناعية متينة، ومكننة الزراعة، وتطوير الخدمات، ومكافحة البطالة.. – مجابهة العولمة بتطوير المحركات الأساسية لدينامية التنمية المستقلة بحيازة القدرة التقانية والعلمية، والعمل على إنتاج سوق فعلية عبر الزيادة في الدخل القومي وتطوير معدلات النمو وتحقيق الاستقرار السياسي الديمقراطي والاعتماد الجماعي على النفس من خلال التكامل الإقليمي، وهذا يوجب تحقيق تحول جذري في رؤية العرب ومفاهيمهم وسياساتهم العامة- الاستقلال الوطني والقومي، ويكون بتوفير عوامل القوة التي ترسخ الاستقلال، وهي عوامل المشروع النهضوي ذاته – التحرير، وعوامله تبدأ من تعبئة الشعب، ونشر ثقافة المقاومة، ومقاطعة منتجات العدو، وتتوج بالكفاح المسلح والحرب الشعبية – المرأة وحصولها على كامل حقوقها، وضمان المساواة لها في التشريعات والقوانين وتأهيلها لممارسة دورها كمنتجة – انطلاقا من أن حدود بعض الأقطار العربية قد حددتها الدول الاستعمارية، ونتيجة ذلك وجدت بعض القوميات نفسها أنها أصبحت أقليات، لذا من الواجب مساعدتها، وإذا اقتضى منحها حق تقرير المصير.

وطبعا، فان كل مشروع نهضوي يحتاج إلى خلفية فكرية،والى حامل اجتماعي، وهنا يأتي دور المفكرين العرب،فهم ملزمون بأن يساهموا في نجاح المشروع النهضوي، وأن يقوموا بما يمليه عليهم الواجب، والشعور بالواجب هو أحد لوازم المشروع، ووجوده ضروري لنجاحه ثم ثباته ونمائه.

وأن القوى الفكرية والسياسية التي يمكن أن تنهض بدور رئيس في الدعوة إليه وفي نقله إلى الواقع، يجب أن تمتلك وعيا حادا بهويتها وعمقا بانتمائها إلى الوطن العربي، وتشمل كل الحركات التي يموج بها الواقع العربي: التيار القومي العربي، التيار الليبرالي العربي، التيار الإسلامي الاجتهادي، التيار الماركسي، القوى الاجتماعية المفترضة: "عمال، فلاحون، فئات من الطبقة الوسطى، رجال أعمال.."، الحركات الاجتماعية الصاعدة "حركات: الشبيبة، النساء، حقوق الإنسان، حماية البيئة، التضامن مع شعب فلسطين وشعب العراق، مقاطعة البضائع الأمريكية، مناهضة العولمة.." وأن حاملا اجتماعيا، بهذا الشكل، يجب اعتباره طرفا أصيلا في حمل المشروع النهضوي وإنجاحه.

ومن الضروري التنبه إلى بعض القضايا المتعلقة في صياغة المشروع النهضوي، وفي آليات تطبيقه:

أن التحدي الذي يشكله نقد العقل يحدد زاوية الرؤيا لما نريد من المشروع، أي من "التطور العلمي والتقني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي"، ووضع كل ذلك موضع التعقيل، وتحويل أنماط الفاعلية العقلانية بالنظر إلى غاياتها، كما يقول (ماكس فيبر).

النهضة، بمشاكلها وقضاياها، هي عملية اجتماعية تاريخية، جدالية وفكرية، تتحول خلالها المشاكل والقضايا إلى مفاهيم وتنظيمات تفعل في المجتمع المعاصر، وتدل بتكوينها ومضمونها على الشكل الذي يترتب عليه هذا المجتمع، شكل حياته وماهية قضاياه ومشكلاته وصورته ومكانته في المجتمع الإنساني الواحد والشامل، أي شكل المجتمع العربي المنشود بأبعاده الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كل مشروع نهضوي تحديثي، يشير إلى جملة من سيرورات تراكمية يشد بعضها بعضا، "إعلاء شأن العقل والعلم، لأن العوالم المعاشة المعقلنة تتصف بعلاقتها التفكيرية وبنماذج راقية من الدمج الاجتماعي، تحديث الموارد وتحويلها إلى رؤوس أموال، نمو القوى الإنتاجية وزيادة إنتاجية العمل، نشر حقوق المشاركة السياسية وأشكال العيش المدني،علمنة القيم والمعايير، التعليم العام، الصحة للجميع..."، إنها سيرورة النظرة المدنية للأشياء، والتطور الاجتماعي وهجر أفق مرحلة مضى زمانها.

إن العلاقة بين أهداف المشروع النهضوي، هي علاقات تجديد متبادل، توجب العمل بها دفعة واحدة دون تمييز، لأنها تستند إلى تراكم تاريخي تترابط فيه أبعادها ومستوياتها ترابطا منظوميا شاملا أو جزئيا.

يجب أن يؤسس المشروع على قاعدة إرادة التغيير بعقلانية وتخطيط، بدءا من تغيير طريقة النظر إلى الأمور في القضايا القديمة، والقضايا الجديدة التي تفرض نفسها الآن.

اعتبار المقاومة كمحتوى للمشروع يطلق في الأمة الأجواء التعبوية الشاملة لميادين متعددة، بدءا من استعمال فعال للتقانة مرورا بإنجاز بنية من المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية والهندسية، وهي قاعدة مهمة من قواعد الانتصار، لذا يجب ربط إرادة النهوض بإرادة المقاومة لكل احتلال أو عدوان أو هيمنة أجنبية.

تأهيل الجيل الشاب الذي يعيش ظروف محاولات اجتثاث وتصفية الفكر القومي وارثه، و يعيش ظروف الانحسار والانحدار، تأهيله، ليكون أهلا لحمل المشروع النهضوي العربي.

لجنة منتدى موقع

www.nasrataliraq.org

مروان حبش- لمى قنوت- حمزة منذر