مكيال واحد.. لا يتسع لبضاعة الآخرين!

عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق

كلما تصادف وأن تجرأ الأوروبيون فاقتربوا ولو قليلاً من قول كلمة حق تتعلق من قريب أو بعيد بالصراع العربي الصهيوني، ولو تضاءل شأنها وقل أثرها، كلما تعالت بالتوازي الأصوات اليهودية في "إسرائيل" والعالم، ومن يؤيدها، محذرةً من عودة وشيكة للاسامية إلى ربوع القارة العجوز، ومنذرةً، وهذه إضافة جديدة، من خطر تعاظم النفوذ الإسلامي فيها، بل وحتى من أسلمتها ديموغرافياًً في المدى غير المنظور. مثل هذا تكرر أكثر من أي وقت مضى في الحقبة الراهنة،خصوصاً على هوامش بعض ما بدر من المواقف الأوروبية - الأمريكية المتباينة، في بعض الحالات، أو غير المتطابقة في حالات أخرى، قبيل وبعيد غزو العراق، أو الخلاف حول شرعية الذرائع التي سبقت لتبرير الغزو. أو ما يتعلق إجمالاً بدور الأمم المتحدة واحترام ما يعرف بالمواثيق والأعراف والقوانين الدولية السائدة، أو ما اصطلح على تسميته بالشرعية الدولية المتمثلة في القرارات الصادرة عن هذه المؤسسة الكونية، التي جرى القفز عنها أو تجاوزها، أو حتى مصادرتها واستخدامها خارج إرادتها أو ما يتنافى مع رسالتها التي أوجدت أصلاً من أجل حملها.
الاستخدام الابتزازي من قبل الدوائر الصهيونية لمقولة اللاسامية قديم لا جديد فيه، لطالما عهدته القارة الأوروبية وأثقل كاهلها ولعقود خلت. وتبدو اليوم وكأنها تكتم في سرها بدايات تبرم تلوح إرهاصاته، عبر بعض المواقف الفردية الشجاعة، بعد أن طفح كيل تحمل أصحابها لهذا الابتزاز.
بيد أن هذا الاستخدام غدا يأخذ شكلاً فجاً هذه الأيام، بحيث تجاوز الضغوط الديبلوماسية والأخرى الخفية لمراكز القوى والنفوذ واللوبيات، أو عبر الندوات الأكاديمية، والحملات الإعلامية، ليصل حد التصريحات "الإسرائيلية" الرسمية والمتجاوزة لحدود اللياقة الديبلوماسية، والتي غدت تتردد على لسان من هم في قمة هرم السلطة في "إسرائيل"، مثل شارون ووزراء ائتلافه، كالوزير لبيد، أو شخصيات مثل رئيس الوزراء العمالي السابق بيريز، واستطراداً التوصيات التي تخرج بها المؤتمرات التي تعقد وتخصص لهذا الشأن.
هذا لا يعني بحال أن هذه القارة التي أنتجت حربين كونيتين وحدها لم يسبق لهما مثيلاً دموياً عبر التاريخ، والتي لها وحدها كان امتياز إنتاج وممارسة أبشع الفلسفات والممارسات العنصرية والشوفينية التي عرفها العالم، والصهيونية واحدة منها، قد كفّت أو طلقت إلى الأبد مواريثها في هذا المجال، وإن دأبت على عصرنتها وتشذيبها  أو تمويهها، كما لا يعني أيضاً أن أوروبا، التي كرهت يهودها وهم لديها وأحبتهم ودعمتهم واعتبرتهم جزءاً منها ومن رسل حضارتها وهم عندنا، قد تغيرت، وإن زاد تبرمها من ذاك الابتزاز الدائم المشار إليه... بل لعل في مثل هذه المحارجة ما يدفعنا إلى التوقف بموضوعية أمام سلسلة من المواقف الأوروبية المتناقضة من حيث الإيجابية  أو السلبية تجاه قضايانا العربية، ومحاولة قراءتها بعيداً عن المبالغة في تعليق آمالنا عليها، إن كانت إيجابية، لا سيما ونحن نمر بأكثر حقب تاريخنا المعاصر تردياً، بحيث يدفعنا حالنا الذي لا نحسد عليه إلى التعلق بأية قشة تصادفنا في لجة ما نحن فيه، أو أن نتفاجأ بالسلبي منها. وكأنما هو الذي ما كنّا لنتوقعه أو ننتظره من الأوروبيين!
لعل هذه المبالغة غير المحمودة في كلا الحالتين قد تبدت في اتجاهين، الأول: تمثل في قراءة البعض المتحمسة لنتائج الاستفتاء الشهير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي، ثم دأب على التملص من تبنيه، والذي يقول أن غالبية الأوروبيين يعتبرون أن "إسرائيل" تشكل التهديد الأكبر للسلام في العالم.
والثاني، المتمثل في تحذير البعض من بوادر عودة للتقارب أو التطابق الأوروبي الأمريكي مرة أخرى حيال قضايانا، بعد شبه الجفوة التي سادت بين دول الاتحاد الأوروبي أو ما يسميه الأمريكان بالجزء "القديم" منها، المتمثل في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، والولايات المتحدة إثر احتلال العراق.
وحيث أن العلاقات الدولية إجمالاً تقوم على المصالح، وترتكز إلى جانب ذلك على أسس تاريخية وثقافية، فالأحرى بنا أن لا ننسى حقيقة تقول أن ما يجمع الأوروبيين بالأمريكان هو ما يظل الثابت في علاقة الطرفين، أما المتحولات فيها فلا ترقى ولن ترقى إلى حدود فصم التحالف القائم بين ضفتي الأطلسي، كما لن تدفع الأوروبيين بحال من الأحوال إلى موقع الوقفة الجادة المؤيدة لقضايانا، أو المضادة للسياسات الأمريكية وثوابتها "الإسرائيلية"، والتي لن تكون إن حدثت إلا على حساب ذلك التحالف وبالتالي نقيض  تلك المصالح المشتركة للطرفين، كما يفهمانها ويحرصان عليها تاريخياً.
إذن، للمواقف الأوروبية المشاكسة للسياسات الأمريكية، أو المعترضة على الممارسات "الإسرائيلية" حدوداً علينا إدراك مداها، وعدم الوقوع في حبائل الأوهام الناجمة عن سوء تقديرها... وللتدليل على ما ذهبنا إليه، نتوقف أمام سلسلة من الأمثلة الطازجة قريبة الحدوث، منها ما أثير حول اقتحام السفير "الإسرائيلي" لمعرض فني أقيم في العاصمة السويدية ستوكهولم، ضارباً بكل اللياقات والمعايير الديبلوماسية عرض الحائط عندما حطّم تمثالاً ضمه المعرض كان للاستشهادية الفلسطينية هنادي جرادات... كل ما فعلته الخارجية السويدية، كما هو معروف، هو أن استدعت السفير وطلبت منه أن يشرح "أفعاله غير المعقولة"، أما بالمقابل، فقد استدعت الخارجية "الإسرائيلية" السفير السويدي في تل أبيب ليشرح لها بدوره موقف بلاده المستغرب هذا، طالبة من الحكومة السويدية أن "تزيل المعرض فوراً". وإذ هنأ شارون سفيره على موقفه اللاديبلوماسي طالب وزير الأمن الداخلي في حكومته منح السفير وسام شرف!
أي أن المسألة يمكن حصرها في احتجاج سويدي على عدوان فني ضد معرض وليس على عدوان صهيوني دائم على شعب يتعرض للإبادة.. احتجاج جوبه بغطرسة واستغراب "إسرائيلي".. يعزز ذلك الحصر، أن ما عرف بمنتدى الإبادة الذي عقد في العاصمة السويدية بعد أيام تحوّل في مجمله إلى ما يمكن نعته بمنتدى "الإسلام والإبادة"، ولم يجرؤ منتدوه على مناقشة الإبادة التي يزاولها "الإسرائيليون" ضد العرب في فلسطين المحتلة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، ماذا سيكون الموقف الأوروبي يا ترى لو أن المذبحة التي ارتكبها "الإسرائيليون" في حي الزيتون في غزة وهي ليست سوى الأخيرة  في سلسلة مذابح لا تتوقف، قد حدثت على أيدي سواهم من غير اليهود، وفي أية بقعة أخرى من الأرض؟!
يمكننا تخيل ذلك الموقف بسهولة.. وهذا يقودنا إلى مثال آخر، هو ما لاقته النائبة البريطانية جيني تونغ التي ساقتها إنسانيتها وصراحتها بل شجاعتها إلى مجرد التعبير عن تفهمها للعمليات الاستشهادية الفلسطينية.. كما يجرنا إلى ملاحظة كيف تحول منتدى دافوس الأخير المنعقد في سفوح الألب السويسرية تحت شعار "المشاركة في الأمن والرفاه"، وكان الأغنياء يقبلون مشاركة الفقراء رفاههم، إلى منتدى للحرب الأمريكية على ما يسمى "الإرهاب"، مع ما تيسر من تمويه مبرمج هو تجاذب لأطراف الحديث حول التكنولوجيا، وكلام عن فوائد الحوار بين الحضارات، وضرورة البحث عن السلام المفقود في الشرق الأوسط... لكن المثال الأخير الذي سوف نعرض له سوف يجد الكثيرين ممن سيطنبون في الحديث عنه، وبالتالي يعيدنا مجدداً إلى ضجة استفتاء الاتحاد الأوروبي المشار آلية، الذي جهد في التنصل من عواقبه، ولاقى على أثره رئيسه الإيطالي رومانو برودي  جراء تأجيله لموعد لمؤتمر يعقد لمناقشة اللاسامية ما لاقاه من حملة، بدأها وزير خارجية بلاده، اضطرت الأول إلى المسارعة في الإعلان عن موعد عقده.. المثال، هو أيضاً استفتاءً أوروبياً آخراًً نشر مؤخراً في روما، يقول:
إن 46 % من الأوروبيين يعتبرون اليهود "مختلفين" في أوطانهم عن سائر مواطنيهم الآخرين في تلك الأوطان، وإن 35% منهم يقولون أن على اليهود التوقف عن "لعب دور الضحية"، و18% يرون أن اليهودية ديانة "غير متسامحة"، كما تعتبر  نسبة 17% منهم أن اليهود مواطنين "غير حقيقيين".
هل  من جديد هنا؟
من السهل القول أن هذا ليس بجديد في المجتمعات الأوروبية عموماً، لكن لعل ما يعيدنا إلى مسألة الحدود التي لا تتجاوزها المواقف الأوروبية، وحتى الشعبية منها التي لا تصل حدود إلزام الحكومات بها، هو ما تبقى من أرقام الاستفتاء، والتي تقول: أن 71% من المستفتين يرون أن على "إسرائيل" الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وعلى الفلسطينيين التوقف عن مهاجمة "الإسرائيليين"، وأن 68% يرون أن "لإسرائيل" الحق في الوجود، لكن حكومتها "تتبع خيارات خاطئة"..
إذن، كل ما يقترفه "الإسرائيليون" هو اتباعهم "خيارات خاطئة"، وعليه كان الأجدى بهم، وهم لهم من حيث المبدأ حق الوجود على حساب وجود شعب آخر، الانسحاب من أراضٍ فلسطينية.. أما الفلسطينيون فعليهم التوقف عن الاعتداء على "الإسرائيليين" ليسهلوا "للإسرائيليين" اتخاذ خيارات صحيحة.. منطق قد لا يرضي اليمين "الإسرائيلي" الذي سوف يرى في الاستفتاء دليل جديد على اللاسامية الأوروبية، لكنه لا يتجاوز حتى موقف ما يسمي اليسار "الإسرائيلي" الذي يقول أكثر من ذلك!
نحن هنا لا نتحدث عن الأمريكان، بل عن الأوروبيين.. الذين، ورغم ما تقدم، يظل من واجبنا العمل على كسب مواقفهم إلى جانب قضايانا ما أمكن، لكن دونما المراهنة كثيراً على ذلك.. وأن ندرك ولو متأخراً، أن اتهامنا للغرب عموماً بأنه يكيل بمكيالين فيه تجاوز للحقيقة.. لماذا؟
لأن الغرب لا يعرف إلا مكيالاً واحداً يكيل به مصالحه.. لكنه لا يتسع لبضاعة الآخرين!!.