ديمقراطية الأمريكان أصبحت عبأً عليهم

منصور الاطرش/رئيس اللجنة العربية السورية لنصرة العراق

الديمقراطية التي سوغت للمعارضة العراقية ذريعة اللجوء إلى الأمريكان المحتلين، والتي تعلق خيال الكثيرين بها على أنها البلسم الذي يشفي كل الأمراض والمصائب التي يدعون أن النظام السابق قد فشاها في المجتمع العراقي، هذه الديمقراطية البلسم التي يقول الأمريكان أنها دافع لا يمكن عصيانه متى عصفت رياحه بالنفس الأمريكية الطاهرة والتقية المتمثلة بالزمرة الحاكمة في البنتاغون، هذه الديمقراطية البلسم أصبحت عبئاً على الخطط الأمريكية التي تهدف قبل كل شيء إلى إطالة وجودها على أرض الرافدين، بقرارات من مجلس الحكم أو بمعاهدات لاحقة من سلطة تابعة.
لذلك ترى آية الله بريمر" يبحث مع مرجعيته تعديلات لا غنى عنها قبل أن يلج العراقيون رحاب الديمقراطية والسيادة. إنهم يريدون أن يثبّتوا في ذهن العراقيين أن للديمقراطية مستويات ومراتب ومراحل كما للسيادة مثلها. والعيب في العراقيين أنهم لا يرون الأمور إلا في صيغتها النهائية ومراحلها التامة. فالديمقراطية ترتدي حلتها الجميلة بمجرد ذكرها أو المناداة بها؟ وهذا خيال يتجاوز الحقائق على الأرض. إن العراقيين يجب أن يدركوا أن عسر الهضم لا يقتصر على الطعام فقط بل أن الشعوب تصاب به في فكرها إذا ما تناولت لقمة كبيرة تزيد عن استيعاب فمها، فأشداق الأمريكان ليس لها شبيه في الأقنية العربية وربما شابهتها أشداق اقنية أخرى، وفي كل الأحوال فالأمريكان هم المرجعية القادرة والمخولة في تقدير الجرعات المناسبة من السيادة والديمقراطية التي يحتاجها الشعب العراقي، في ظل مجلس الحكم الحالي ومن ماثله مستقبلاً.
إن الجماهير العراقية التي ملأت شوارع البصرة والتجاوب الواسع معها في مدن أخرى وفي الشمال رفضت صراحة الخطة الأمريكية الهادفة لمرحلة ظهور السيادة الكاملة وغير المقيدة للشعب العراقي. وبصرف النظر عن مصدر الدعوة إلى هذا الموقف الحاسم، فإن الواقع الناطق بالحق يجب أن يغيّب كل إرادة تعمل على دعم الأمريكان في توجههم المقلل من ضرورة استعجال التدبير الديمقراطي، وعلى الخصوص رغبة "مجلس الحكم" الذي يجاري "آية الله بريمر" ويماشي خططه.
إن الجماهير الشعبية عازمة على تحمل مسؤولياتها في تحديد واختيار مرجعيتها السياسية بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بضمانات عربية ودولية. وهي ترى إن العمليات الفنية ليست عقبة لا يمكن تجاوزها. فالعقبة الفعلية هي رغبة الأمريكان في كسب الوقت اللازم والكافي لاستكمال التدابير الأساسية التي تسهل وتضمن لهم الاستيلاء على الثروات والإيرادات والارادات أيضاً. وهذا الأمر الأخير يشترك فيه عدد من "مجلس الحكم" لا يختلف عن الأمريكان في النظر إلى مستقبل العراق وموقعهم في السلطة الوطنية مستقبلاً. إنهم يريدون أن يستمر الوجود الأمريكي ليحرس سلطتهم المسخرة للأمريكان في داخل العراق وفي دول الجوار العراقي وربما في منطقة الشرق الأوسط كله.
إن الأمريكان يخططون لخلق كيانات جديدة ويرون أن العراق يجب أن يمثل القاعدة الأولى للانطلاق نحو مشروع بعثرة الوطن العربي أولاً، لكي يتجانس مع كيانات قائمة في ذهن الأمريكان ونموذجها الأمثل الكيان الإسرائيلي الجاثم على صدر الفلسطينيين في الواقع.
إن الجامعة العربية التي أبدت تردداً مشهوداً في التدخل في المسألة العراقية ولم يذهب ممثلوها إلى بغداد إلا بعد أسر الرئيس صدام، تعبيراً عن موقف مضمر مكبوت، عليها اليوم أن تؤازر الدفع الشعبي بتأييد انتخابات عامة قريبة، وعليها هي أن تحقق للعراقيين الآلية الفنية الضامنة لنتائج نزيهة وغير فعلية كما يشتهي بعض أصحاب المخططات المشبوهة.
إن إجماع العراقيين على وحدة التراب ووحدة الشعب ووحدة المصالح وصيانة الثروة لخير الجميع يمثل الديمقراطية غير الملغومة والسيادة غير المسخرة.
فإلى متى السكوت يا عرباننا ويا مؤسساتنا.