أمور إيجابية وأخرى سلبية

بقلم الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

أخذت الحكومة اللبنانية مؤخرا قرارات عدة، كما أصدر المجلس النيابي قوانين اتصف العديد منها بالمهمة. من المنطق التنويه بالقرارات والقوانين الجيدة وانتقاد الأخرى السلبية في سبيل التحسين والتطوير ومنعا للتكرار. المشكلة الأساسية التي يعاني منها نظامنا البرلماني هو الغياب العملي والواقعي لفصل السلطات بين التنفيذية والتشريعية. فالقوى الأساسية الممثلة في البرلمان هي نفسها الممثلة في الحكومة، وبالتالي هنالك "تضارب في المصالح" بين المجموعتين اللتين هن في النهاية مجموعة واحدة. هكذا تزول عملية الرقابة الجدية من قبل المجلس النيابي على أعمال السلطة التنفيذية، أي الحكومة مجتمعة. من وسائل الخروج من هذا المأزق الأساسي تحسينا لأداء السلطتين، يمكن فصل النيابة عن الوزارة إذ يزول العامل الشخصي المهم في لبنان دون أن يزول العامل السياسي إذ ستأتي مجموعة الوزراء ممثلة للكتل النيابية نفسها. بالرغم مما ذكرنا، نعتقد أن فصل النيابة عن الوزارة يستأهل التجربة وسيساهم في تحسين الأداء السياسي والإداري والاقتصادي العام، دون أن يكون المخرج النهائي للمشكلة الديموقراطية البرلمانية في لبنان. أما استقلالية القضاء، فيجب أن تعطى له حتما كي يصل الأداء إلى ما يرضي ضمير القضاة. لا يمكن للقضاء أن يعطي النتائج المنتظرة الفضلى وهو مرتبط إلى حد بعيد بالسلطتين التنفيذية أولا والتشريعية ثانيا.

من القرارات الحكومية الجيدة التي اتخذت مؤخرا هي إلغاء مناقصة الخلوي التي جاءت عكس الطموحات بعد أن انسحب الجميع من السباق باستثناء شركتين فقط. إلغاء المناقصة لا يكفي بحد ذاته بل يجب إيجاد الضوابط التي تسمح بإعادة السباق دون الوصول إلى النتيجة نفسها. هل بإمكان الدولة اليوم ضمان شفافية ونزاهة المناقصة في الخلوي وغيره احتراما لصورة لبنان في الخارج ولصورة مؤسسات الدولة في الداخل؟ أي هل تستطيع الدولة اليوم واقعيا القيام بعمليات خصخصة ناجحة ترضي اللبنانيين وتساهم في نفس الوقت في تطوير المؤسسات وفي تخفيف ثقل الدين العام في الاقتصاد؟ القيام بعمليات الخصخصة أو تأجيلها هو موضوع عملي وعلى الدولة الإجابة عن السؤال وحسم الموضوع نهائيا. إجراء مناقصة خلوي ثانية وثم إلغاءها يمكن أن يقضي على ما تبقى من مصداقية للدولة اللبنانية، ويساهم بالتالي في إلحاق الضرر بكل اللبنانيين. أما تنفيذ بقية وعود مؤتمر باريس 2، فيرتبط بنفس الموضوع أي القدرة على تنفيذ الأهم قبل المهم بشكل يرضي اللبنانيين. فهل الدولة، العاجزة عن وقف الهدر وترشيد الإنفاق وتحصيل الرسوم والضرائب ووقف التعامل الاقتصادي غير الشرعي وتنفيذ إصلاح إداري معقول، قادرة على خصخصة مؤسسات كبيرة بحجم الهاتف والكهرباء وغيرها؟ المطلوب دائما تنفيذ كل الوعود ضمن الضوابط المعتمدة دوليا والتي يمكن أن نكون غير جاهزين لها اليوم في لبنان. مؤتمر باريس-2 يبقى في النهاية مؤتمر أصدقاء لبنان، وبالتالي يمكنهم أن يتفهموا حيثيات الوضع اللبناني ويساعدونا على التطوير.

موضوعا طائرة كوتونو كما بنك المدينة بكل جوانبهما، يجب أن يتوضحا للرأي العام اللبناني بحيث تبقى ثقة الداخل والخارج قوية بقطاعي المصارف والنقل. من الخطاء الاستفادة من حادثة الطائرة لإلغاء "الأجواء المفتوحة" التي لا تتعارض مطلقا مع الواجبات التقنية والإدارية والأمنية التي تبقى حكما على عاتق أجهزة الطيران المدني والأجهزة الأخرى في الداخل والخارج. هدف "الأجواء المفتوحة" اقتصادي بحت أي لتشجيع المنافسة في قطاع النقل الجوي مما يخدم مصلحة المواطن ورجل الأعمال شرط التنبه لمواضيع السلامة والأمن. تكلفة النقل الجوي من لبنان واليه تبقى مرتفعة مقارنة بالنقل عبر الأطلسي مثلا الذي يستفيد من عامل وفورات الحجم. من المفروض أن تساهم "الأجواء المفتوحة" أكثر في زيادة المستفيدين منها وبالتالي تؤدي إلى تخفيض تكلفة السفر والنقل من والى بيروت. من ناحية أخرى، من واجب الدولة تجنب إضراب محتمل في القطاع المصرفي بسبب صرف عدد من موظفي مصرفين عاجزين ومعالجة هذا الموضوع الدقيق بعناية قبل حصوله. فالإضراب المصرفي يشل كل الحركة الاقتصادية ويضر بصورة لبنان كمركز مصرفي رائد، من هنا ضرورة تجنبه عبر إعطاء كل صاحب حق حقه. من الخطاء إعطاء الانطباع للداخل والخارج بأن الحكومة اللبنانية لا تتجاوب إلا مع الإضرابات وبعدها، كما حصل مع أساتذة الجامعة اللبنانية ومعلمي المدارس الخاصة. كان من الممكن، بل من واجب الدولة، تلبية هذه المطالب المعقولة جدا قبل حصول الإضراب احتراما للأساتذة والطلاب والرأي العام. المطلوب من الدولة تصحيح صورتها، أي درس مطالب المواطنين والقطاعات والسعي عبر الحوار إلى إعطائهم حقوقهم المشروعة.

أما تمديد قانون الإيجارات حتى حزيران المقبل وما يطرح من مشاريع جديدة، فهي لا تشكل الحلول الفضلى حتى الآن لهذه المشكلة التي قضت بسبب الإهمال والتأجيل على ما يسمى بالإيجار العادل. فالإيجارات في لبنان اليوم هي إما ظالمة للمالك وإما جائرة بحق المستأجر، تبعا لتاريخ بدء الإيجار. فالمالك ليس دائما غنيا والمستأجر ليس دائما فقيرا والمهم الوصول إلى السعر العادل بعد عقود من إهمال الدولة لحقوق المواطن مستأجرا كان أم مالكا. المهم ليس فقط المستأجر والمالك الحاليين وإنما المستقبليين بحيث تعود حركة الإيجارات إلى ما كانت في السبعينات والى ما هي عليه اليوم في معظم الدول الناشئة. من الضروري إعادة درس الموضوع بحيث تتحول الجهود البرلمانية من كيفية مراعاة شعور ومصالح ونفوذ تجمعات المالكين أو المستأجرين إلى درس كيفية الوصول مع الوقت إلى الإيجار الوسطي العادل الذي لا يشكل غبنا لا للمستأجر ولا للمالك.

أما إلغاء حماية الدولة للوكالات الحصرية بعد 4 سنوات من اليوم، فكان من الأفضل أن تقصر المدة إلى النصف. موضوع الإلغاء كان منتظرا من الجميع وهو مؤكد منذ سنتين على الأقل بسبب انضمام لبنان إلى الشراكة الأوروبية - المتوسطية ودخولنا الحتمي إلى منظمة التجارة العالمية. من المنصف إعطاء مهلة سنتين لأصحاب الوكالات لينهوا انتقال مؤسساتهم من الوضع الحالي إلى المستقبلي المبني على حرية الاستيراد وبالتالي المنافسة. هدف القانون الجديد هو تحرير المنافسة أكثر بحيث تنخفض الأسعار لمصلحة المواطن والاقتصاد الوطني. في رأينا، سيساهم هذا القانون الجديد في توسيع الأسواق الداخلية للقطاعين التجاري والإعلاني اللبناني بحيث يستفيدان منه مع الوقت. المستفيد الأكبر سيكون حتما المواطن أو المستهلك اللبناني في الجودة والسعر بحيث تحترم حقوقه أكثر من قبل الجميع. ما حصل لا يعفي الدولة مطلقا من وضع قوانين عصرية للمنافسة ضربا للاحتكار، الذي يمكن أن يظهر في كل وقت، وحماية لحقوق المستهلك. كل الاقتصاديات التنافسية الحرة في أميركا وأوروبا ترتكز على قوانين عصرية للمنافسة وبالتالي من واجبنا اقتباس أفضلها.

قرارات كثيرة أخرى مهمة ما زالت تنتظر مؤسسات الدولة بشقيها التنفيذي والتشريعي ومنها كل ما يساعد القطاعين الصناعي والزراعي على النهوض وثم الازدهار. فالقطاعين شبعا من الخطابات الرنانة والمحاولات المتكررة الهادفة إلى التحسين، ولكن دون أن تعطي النتائج المطلوبة. تكمن مشاكل القطاعين الرئيسية في التكلفة والإرشاد والتسويق وهو ما يجب أن تسعى الدولة للوصول إليه بالتعاون مع القطاع الخاص. أما إيجاد فرص عمل للشباب منعا لهجرة اليد العاملة والأدمغة، فالحل يكمن من ناحية الدولة في تقوية الاستقرار والحريات وفي بناء الثقة بها لإحياء أمال الشباب بالمستقبل القريب قبل البعيد.