المقاومة العراقية وتظهير المأزق الأميركي

المحامي حسن بيان/لبنان

العراق، كان وسيبقى في دائرة الضوء والاهتمام السياسي، فهو فضلاً عن كونه يشغل البوابة الشرقية للوطن العربي، فأنه واحد من ركائز المثلث الإقليمي الذي تشكل تركيا وإيران ضلعاه الآخران.

لهذا كان دائم الحضور في كل مرة تصاغ استراتيجية دولية للحوض العربي ومنطقة الشرق الأوسط وهذا ما يفسر عزل جغرافيته المترامية عن متكئها المائي واقتراح عاصمته لتكون مقراً لحلف استعماري ذي مرتكزات إقليمية أطلق عليه حينذاك – حلف بغداد.

العراق، المتميز بأهمية موقعه الجغرافي المفصلي وثقله السياسي والاقتصادي هو اليوم تحت الاحتلال الأميركي البريطاني بعد حصار ظالم وحربين فصل بينهما  عدوان 1998 وتحت ذريعة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل ولم يمتثل لقرارات الأمم المتحدة.

وما بين أمس العام الماضي، ويوم العام الحالي ثمة تطورات بالغة الأهمية يعبر عنها ببروز مأزقين لقوة الاحتلال الأميركي – البريطاني للعراق:

المأزق الأول، سقوط نظرية الحرب الخاطفة وصغر الخسائر التي روجت لها أميركا قبيل الحرب من خلال استمرار المواجهة بين قوات الاحتلال والمقاومة العراقية والتي دفعت القوى الممسكة بمركز القرار في الإدارة الأميركية، لأن تكثف حركتها في الداخل الأميركي وخارجه لإعادة تقييم الأوضاع بعدما تبين لها بالحس والملموس أن حساباتها لسياقات الحرب والنتائج المرتقبة لم تكن كما توقعت وخططت له وقامت بتنفيذه.

أما المأزق الثاني، فهو الأزمة السياسية التي بدأت تعصف بالداخلين الأميركي والبريطاني، بعدما تبين أيضاً أن السبب الذي هيجت له أميركا ومعها بريطانيا المناخ السياسي العام لتبرير شن الحرب على العراق، لا أساس مادياً له، سواء لجهة التقارير التي رفعتها لجان التفتيش الدولية، أو لجهة التقرير الذي رفعه رئيس لجنة التفتيش الأميركية وفيه تأكيده عدم امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل وإقراره بأن الجميع يجب أن يعترف بأنه اخطأ في موضوع العراق.

هذان المأزقان اللذين اصبحا بمثابة كرة الثلج يزيد من وضوحها وشدة تأثيرها على مركز القرار في أميركا وبريطانيا، عنصران أساسيان.

العنصر الأول هو استمرار المقاومة واتساعها رغم حملات القمع وتنوع التسميات "الردعية" التي تطلقها قوات الاحتلال على عملياتها القمعية، وارتفاع فاتورة الخسائر الاقتصادية والبشرية والتي بلغت حسب الإحصاءات الأميركية المشكوك بصدقيتها أكثر من 500 قتيل أميركي وما يزيد عن ثلاثة آلاف جريح وحيث باتت قوات الاحتلال مكشوفة أمام نيران وفعاليات المقاومين.

أما العنصر الثاني، فهو دخول أميركا عام الاستحقاق الرئاسي، إذ كما أن المقاومة في العراق لعبت الدور الأول في تظهير المأزق الذي تواجهه قوات الاحتلال ميدانياً، فإن انكشاف زيف الادعاءات الأميركية التي بررت للحرب والتضليل وتلفيق التقارير وارتفاع فاتورة التكلفة الاقتصادية والبشرية تساهم في تظهير المأزق السياسي الذي بات يواجهه من يشغل الموقع الأول في هرم الإدارة الأميركية.

أمام هذان الضغطان الناتجان عن المأزق الأمني في العراق والمأزق السياسي في أميركا، يسارع مسؤولو الإدارة الأميركية التحرك على أكثر من صعيد لاستيعاب الوضع الأمني والسياسي في العراق والسياسي والإعلامي في أميركا.

وإذا كانت زيارة ولفوويتز للعراق تحت شعار إعادة تقييم الأوضاع قد استقبلت بتصعيد ملحوظ للعمليات التي استهدفت قوات الاحتلال والقوى الدائرة في فلكها، فأن دعوة بوش لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول مصداقية التقارير التي استندت إليها الإدارة في تبريرها لشن الحرب، لن تكون على الأرجح في مصلحته.

فالرئيس الأميركي الذي يسعى من خلال قراره تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، للالتفاف على الحملة السياسية التي تواجهه خاصة بعد تقرير رئيس لجنة التفتيش الأميركية، لن يحقق الغاية المرجوة، لعدة أسباب:

السبب الأول: أن المعركة الانتخابية باتت موضوعة على نار حامية وأن القوى السياسية التي دخلت سباق رئاسة ضد بوش لن تتركه يتكئ على لجنة تحقيق كما هو معمول به في لبنان إذ أن الملاحقة والمتابعة وفتح وسائل الأميركية المعارضة لبوش على تقصي الحقائق، ستبقي الموضوع حياً، وبالتالي لن يجد بوش مبتغاه في تبريد الحملة السياسية عبر إحالة الموضوع على لجنة تحقيق.

السبب الثاني: أن الحليف الأساسي لبوش في تحضيره لملفات الحرب بكل أسبابها التبريرية ليس في وضع يمكنه من مساعدته في تزويده بتقارير "مفبركة" كالتالي زوده بها قبل الحرب. فبلير يواجه وضعاً صعباً ومأزقاً سياسياً لا يقل ضغطاً وتأثيراً عن مأزق بوش، وأن تقديم الـ (بي بي سي) – كبش محرقة لمقدمات المواجهة الداخلية في بريطانيا لم ينه القضية خاصة وأن الشكوك تدور حول شفافية تقرير (هاتن).

السبب الثالث: وهو الأهم، ويتمثل بالمعطى الميداني في العراق إذ رغم التعتيم الذي تمارسه قوات الاحتلال على أعمال المقاومة، إلا أن ما يتسرب منها يشكل ضخاً يومياً لأحداث تتصدر أخبارها وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة. وهذه المقاومة التي أصبحت الحاضر الأكبر في حياة العراقيين، أصبحت تشق طريقها لتصبح الحاضر الأكبر في الحياة السياسية الأميركية.

من هنا، يمكن القول، أن الإدارة الأميركية التي دخلت الحرب بثقة من الحزم والحسم تواجه اليوم تخبطاً سياسياً، وأن مراكز القرار فيها تبحث عن كبش محرقة عل ذلك ينقذ الطاقم الحاكم في الظل والواجهة من فضيحة سياسية لن تكون تأثيراتها أقل وزراً من نتائج فضيحتي (ووترغيت) و(ايران غيت). وهذا المأزق السياسي والتخبط الذي باتت تعيشه الإدارة الأميركية، تجاوز حدود أميركا ليرخي ظلاله الثقيلة على الحكومة البريطانية، وتطال تأثيراته كل الذين ركبوا قاطرة الموقف الأميركي من عرب النظام الرسمي والأدوات العراقية التي زينت وما تزال تزين للاحتلال. وأقل ما يقال من انعكاس المأزق الأميركي على أدوات الاحتلال هو التخبط والتنافر بين أطراف ما يسمى بمجلس الحكم وسقوط البراقع التي حاولوا التستر وراءها. وأن هذه الأدوات k أنمهما فتشت عن أوراق تين لستر عوراتها السياسية، فإن كل ذلك لن يستر زاوية صغيرة من عورة سياسية قاتلة متمثلة في أنها قدمت نفسها أداة واجهية للاحتلال.

إذاً، هناك مأزق سياسي في أميركا وبريطانيا، وتخبط أمني وسياسي في الداخل العراقي، وقد بات واضحاً ومحسوماً أن المقاومة العراقية هي التي لعبت وتلعب الدور الأساسي في تظهير هذا المأزق. إذ لو كانت الأمور قد استقرت في العراق لصالح قوات الاحتلال، لكان بوش استطاع أن يكم الأفواه ولما كان بحاجة للتفتيش عن سبب استطرادي لتبرير شن الحرب، وهذا السبب الاستطرادي هو مسألة الديمقراطية وفق منظومة المفاهيم الأميركية.

لكن كما ثبت افتقار أميركا للدليل المادي لامتلاك العراق سلاح الدمار الشامل، فإن ما يحيط بمجمل السلوك الأميركي حيال العراق سواء على مستوى اتخاذ القرار السياسي أم على مستوى التعامل السياسي والأمني مع الوضع في العراق يقدم أدلة مادية حاسمة في قوة ثبوتيتها على ابتعاد أميركا عن كل المفاهيم الديموقراطية على مستوى التطبيق الميداني.

وعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى أن أميركا التي دمرت كيان بكل مقوماته لترميم شركات احتكارية، والتي تعمل لتفكيك عناصر التوحد المجتمعي لأجل تمرير مشروع تزوير حضاري والتي تمارس أساليب القتل الجماعي وتدمر المرافق الحياتية والحيوية تحت ذريعة ضرب الملاذات الآمنة للمقاومين، والتي تضغط على الناس لمقايضة لقمة العيش بتحديد طبيعة الولاء السياسي والتي تنتهك حقوق الإنسان من خلال تعاملها مع الأسرى والمعتقلين هي أبعد ما تكون عن الديمقراطية، وكل الوقائع الحسية تكشف زيف الادعاءات الأميركية حول ملف الديمقراطية فيما يتعلق بالعراق.

أن النظر إلى نتائج ملفي سلاح الدمار الشامل والديموقراطية كما تتعامل معهما أميركا سيصب في نقطة تقاطع واحدة إذ كما ثبت افتقار الدليل لامتلاك العراق سلاح الدمار الشامل، فأن الدليل قائم على افتقار أميركا لمرتكزات التعامل الديموقراطي على الملف العراقي، وعند نقطة التقاطع هذه سيصبح المأزق الأميركي شديد الإطباق على حلقات مركز القرار في أميركا وبريطانيا، وأن هذا الإطباق ما كان ليحصل بدون حضور المقاومة الفعال في ساحة الفعل الميداني، وبداية حضورها الفعال في ساحة التأشير السياسي في الداخلين الأميركي والبريطاني.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن أميركا التي لم تقدم على اتخاذ موقف الانسحاب من فيتنام، إلا بعدما أصبحت تأثيرات الداخل الفيتنامي عامل ضغط فعلي على ساحة الداخل الأميركي، فإن المشهد يتكرر اليوم مع ملف العراق وأن وصوله إلى مداياته النهائية هو في استمرار المقاومة العراقية التي بقدر ما استطاعت أن تكشف الهامشية السياسية للقوى المرتبطة بالاحتلال فإنها أصبحت الناخب الأول في سباق الرئاسة الأميركية وأياً كانت نتائج لجان التحقيق في واشنطن ولندن.