المقاومة
لا المساومة
الدكتور
غالب الفريجات/الأردن
قدر
هذه الأمة أن تكون أمة جهاد ونضال في سبيل
تحقيق أهدافها، والعمل على ديمومة هذه
الأهداف، العرب هم أهل فروسية وهذه لا تكون
إلا في الرجال الذين لا يهابون الموت من اجل
الحياة، وفي حالتهم الحالية، أوضاع التجزئة
والاحتلال، فالمقاومة فرض عين على كل فرد
منهم، المقاومة ضد الاحتلال في فلسطين
والعراق، وكل أنواع التواجد الأجنبي على
الأرض العربية أيا كانت مسوغات هذا الوجود،
فهو احتلال، ولا يجوز إلا إزالته.
أصحاب
القضايا الوطنية والقومية حقهم المشروع في
اتباع أسلوب المقاومة، ولا يجوز بأي حال من
الأحوال أن يلجأوا إلى أسلوب المساومة، حيث
هذه تؤدي إلى التنازل عن بعض الحقوق المشروعة
إن لم يكن التنازل عن جميع هذه الحقوق، وفي
هذا التنازل إذلال لشخصية الإنسان المواطن
وتضييع لكرامة الوطن، وهما من أسوأ ما يمكن أن
يصل إليه شعب من الشعوب عندما تمتهن كرامته،
ويداس على مقدساته، وتتحكم في مقدراته قوى
البغي والظلام، التي لا يهمها إلا مصالحها
المتناقضة مع مصالح الأمة.
على
ارض فلسطين العربية نموذجان : واحد مثل
المساومة على الحقوق المشروعة، وقدم التنازل
المجاني للعدو الصهيوني، ولم يقطف من هذا
السلوك السيء غير الدفع به إلى المزيد من
التنازل، مع الإذلال والمهانة واصبح حالهم
كما يلي:
(عندما
تطأطىء رأسك مرة، وتحني هامتك، يدوسك الآخرون
مرات ومرات، حتى يصلوا إلى حيث كان رأسك).
وهكذا هي حال من يسلك طريق التنازل أمام عدوه،
يتمادى في مطالبه الواحد تلوى الآخر، حتى
يأتي عليك وينتهي منك، أما النموذج الثاني،
فهو نموذج المقاومة، الذي يرفض المساومة
والتنازل عن كل ذرة من تراب فلسطين أرضا عربية
من البحر إلى النهر، ولا يقبل الاعتراف
بالأمر الواقع، الذي يجسد وجود الكيان
الصهيوني، أو من يعتبر أن ارض فلسطين هي وقف
إسلامي، وهي ملك المسلمين جميعا، ولا يحق
لأحد أن يتصرف بما هو ملك المسلمين، وأيا كان
التبرير والتشبث في السير في طريق المقاومة
فهو حق مشروع، وهو على النقيض تماما من معسكر
أولئك الزاحفين على بطونهم نحو التعامل مع
العدو، وتقديم التنازلات له على حساب الحقوق
المشروعة للامة، وعلى الاعتراف له بشرعية
الوجود والاغتصاب.
على
ارض العراق أيضا نموذجان: نموذج المقاومة
التي جسدت قوى الشعب الحية في رفض الاحتلال
وإفرازاته، وعدم السماح لجنود التحالف
العدواني في الأمن والاستقرار على الأرض،
وتكبدهم خسائر ستكون في مستقبل الأيام كفيلة
بترجيح كفة الهروب، لعدم قدرتهم على تحمل
الخسائر، بالإضافة إلى عدم قدرتهم على توفير
الأمن لهم، ولأعوانهم من العملاء، وقد أخذت
المقاومة تتجذر في صفوف الشعب يوما بعد آخر،
وأخذ الاحتلال يعيد حساباته بشكل كامل، ويعيد
النظر في كل نظرياته التي سبقت العدوان،
ومخططاته في المنطقة والعالم، وقد يكون
للمقاومة العراقية في جسارتها وتقنية
عملياتها الدور البارز في رسم معالم مستقبل
إمبراطورية الشر، التي أرادت بالعراق
وبالمنطقة والعالم شرا من خلال الهيمنة على
مقدرات هذا العالم،وتسييره بالاتجاه الذي
يخدم مصالحها.
أما
الحالة الأخرى على ارض العراق، فهي حالة
المساومة، والمتمثلة في أزلام الاحتلال
المتمثلة بمجلس الحكم العميل ووزرائه، وفي
الكثير من رجالات الحوزة الدينية والسياسية،
والتي تحاول استثمار الاحتلال لأجل تحقيق
مكتسبات طائفية، ولتشويه صورة الطائفة
الشيعية في جعلها طائفة ممالئة للاحتلال،
وتقف في الخندق المعادي لمصالح الوطن وهموم
المواطنين والمتمثلة في دحر الاحتلال، وترك
العراق للعراقيين أنفسهم، وهم قادرون على
إدارة شؤون بلادهم دون وصاية من أحد.
نموذج
المقاومة يمثل مشاعل مضيئة في سماء الليل
المظلم، وهو طريق الشعوب المهدورة حقوقها
والمحتلة أراضيها، المسلوبة كرامتها من عدو
غاصب لا يهمه أي شعارات إنسانية أو أخلاقية،
إلا مصالحه المعادية لمصالح الأحرار،
والجماهير التواقة إلى الانعتاق من الذل
والعبودية والاستغلال، ونموذج المقاومة هو
طريق الأنبياء والمصلحين وكل الشرفاء في
العالم على مر التاريخ، وقد حقق أهدافه
المرسومة بتضحياته التي يقدمها من اجل الوطن
والمواطنين، والمقاومة شرف يتوق كل فرد أن
يضعه وساما على صدره، وقد وضعتها الأديان في
مقدمة أبجدياتها، والشهيد اكرم الناس جميعا،
وهو عنصر المقاومة، وكذلك نضالات الشعوب قد
وضعت له قاموس خاص به، حدت بكل شعب قدم العديد
من أبنائه حياتهم دفاعا عن حرية بلادهم
واستغلالها مزارا خاصا ـ صرح الشهيد ـ، لكي
يكون عبرة للأجيال القادمة بأهمية الدور الذي
قام به هؤلاء الشهداء في سبيل حق وطنهم وحق
مواطنيهم في العيش بأمن وأمان.
أما
المساومة على الحقوق، فهي من ارذل ما يلجأ
إليه قادة الفصائل السياسية، التي تعبت من
استمرارية النضال، ولجأت لعدوها لتجلس وإياه
على طاولة المفاوضات قبل أن تنجز مهمتها في
دحره والتغلب عليه، لانتزاع حقوقها وحقوق
شعبها، بسبب هزيمته أمام نضالات وتضحيات
أبناء الوطن، مما يعني أن العدو لم يهزم بعد،
وهو في هذه الحالة لن يقدم تنازلات لمن يضعف
أمامه، ولا يقوى على الاستمرار في مقارعته،
وقد يساوم غير هؤلاء على مصالح الوطن
ومقدراته من اجل كسب مادي، أو لنيل جاه أو
منصب في ظل الاحتلال، الذي سيستخدم هؤلاء
كعملاء ينفذون له أهدافه، ويسعون لتحقيق
مصالحه، ومثل هذا النوع من البشر، فهو لا يمثل
مصالح شعبه، وإنما يسعى لتحقيق أهدافه
ومصالحه الخاصة على حساب الوطن، ومثلهم في
التاريخ كثير كمثل من يخون بلاده يبقى ملعونا
في الدنيا والآخرة.
إن
الفرق شاسع وكبير بين المقاومة والمساومة،
فالشعوب الحية هي التي تستمر في مقارعة الظلم
والاحتلال، حتى تنجز أهدافها الوطنية، وأيا
كانت قوات العدو وشراسته، فأمام التضحيات
والبطولات التي يبديها رجال المقاومة سيهز
كيان المحتل، وستنهار عزيمة جنوده وأفراده،
لأن الإيمان في قلوب رجال المقاومة والإرادة
التي يتسلحون بها أقوى بكثير من كل صنوف
السلاح، وأنواع العتاد الذي يملكه الأعداء،
كما هي اكبر بكثير وأقوى من كل الذين سقطوا في
وحل التآمر على وطنهم، ومقدرات شعبهم عندما
يتنازلون عن حقوقه المشروعة في سراديب
المساومة مع أعداء الوطن.
لا
ينفع مع عدو غاصب ولا مع محتل وغاز إلا أسلوب
القوة، بحيث يشارك فيها كل الشعب لكنس جنود
الاحتلال، وتصفية عملائه، وإلا سيبقى هذا
العدو جاثما على صدر الشعب يمتص خيراته،
ويبدد مقدراته ولا ينفع أولئك المتعاونين معه
والمساومين على حقوق الوطن والشعب إلا فتات
المائدة، التي يتصدق بها عليهم أسيادهم
المحتلين، فالحل يفرض أن تكون المقاومة هي
طريقنا، وان المساومة لأولئك الذين لا صلة
لهم بالشعب ولا بطموحاته، والسعي لنيل حريته
واستقلاله.
إن أمة كأمتنا تحمل رسالة عظيمة وخالدة قدست الشهادة والشهداء وجعلت الشهادة بوابة من بوابات الجنة، وجعلت من الشهداء اكرم الناس جميعا، وأمة كأمتنا كانت الفروسية من صفاتها، وكان الفرسان محط تقدير واحترام لأنهم كانوا يدافعون عن الأرض والعرض والمال، لذا فمن كانت هذه خصائله فجدير به أن يجعل من المقاومة طريقه الوحيد في الوصول إلى تحقيق أهدافه وغاياته، وان لا يقبل لمن يساوم على شرف الأمة والنيل منها والعمل على نهب خيراتها في العيش بين صفوفها، لأنهم في تواطئهم مع أعداء الأمة يمثلون العدو المتربص بالأمة، وعلى الأمة ا ن تعاملهم معاملة أعدائها، لينالوا قصاصهم كما ينالون هذا القصاص في الآخرة.