العلاقة مع أميركا أحد أسباب الصراع بين جناحي الحكم

مستقبل ايران بين المحافظين والإصلاحيين

رياض أبو ملحم/كاتب من لبنان يقيم في باريس

يرى بعض المحللين انه اذا تطورت الأزمة المتفجرة في ايران بين المحافظين والإصلاحيين إلى مدى أبعد، فلن يكون ثمة مهرب من تحول الصراع السياسي القائم منذ عدة سنوات إلى أزمة مؤسساتية دستورية قد تهدد أسس نظام الجمهورية الإسلامية. ومع أن الفريقين المحافظ والإصلاحي تجنبا حتى الآن وصف ما يحدث حاليا بأنه صراع بين المؤسسات وليس بين اتجاهين سياسيين متضاربين فحسب، فإن طبيعة الأزمة الراهنة وجوهرها وتعبيراتها البارزة تؤكد كلها وجود أزمة مؤسساتية.

والدليل على ذلك يمكن تبينه من خلال وقائع عدة أفرزتها الأزمة الحالية، في مقدمتها الواقعة الرئيسية المتمثلة برفض مجلس صيانة الدستور ترشيحات نصف عدد المرشحين لخوض الانتخابية النيابية التي ستجري في العشرين من الشهر الجاري، بحجة عدم أهلية المرفوضين لتمثيل الجمهورية الإسلامية، ومن بين هؤلاء ما يزيد على ثمانين نائبا حاليا، يعتبر بعضهم من رموز وقادة الحركة الإصلاحية في ايران، كما أن 618 من المرفوضة ترشيحاتهم سبق أن خاضوا دورات انتخابية سابقة من دون أن تثار أية اعتراضات ضدهم.

وهذا يعني عمليا حسم نتيجة الانتخابات لمصلحة المحافظين قبل أن تجرى فعليا، فضلا عن وصم نحو أربعة آلاف مرشح "إصلاحي" من اصل ثمانية آلاف مرشح "من مختلف الاتجاهات" لـ "عدم الأهلية" من الناحيتين السياسية والوطنية، وهو حكم له أبعاده وتأثيراته غير المحدودة على الحياة السياسية في ايران.

ويلاحظ انه بعد المناشدات الموجهة من النواب الإصلاحيين إلى مرشد الثورة الايرانية السيد علي خامئني للتدخل وحمل مجلس صيانة الدستور على إعادة النظر بقراراته القاسية والمتحيزة بحسب وصف الإصلاحيين، جرى الإفراج عن مجموعة من الترشيحات لا يتجاوز عددها المئتين.

ثم ارتفع عدد الموافق على ترشيحاتهم "من الإصلاحيين" إلى 1160 مرشحا، وقد كشف ذلك، مرة أخرى عن أن مجلس صيانة الدستور "كمؤسسة رئيسية من مؤسسات الدولة" يتخذ كـ "مصفاة" لـ "غربلة" المرشحين وتصنيفهم بين موالين ومعارضين سياسيا، ثم تزكية ترشيحات المصنفين ضمن المجموعة الأولى، واستبعاد ترشيحات الآخرين.

وقد اعتبر مجلس الشورى (البرلمان) الذي يضم أكثرية إصلاحية، إن "مؤسسة" مجلس صيانة الدستور تتحكم بقواعد تشكيله وبمصيره، وهو المؤسسة التشريعية التي يفترض أن يكون لها الموقع الثاني والمميز في الدولة، باعتبارها منتخبة من الشعب مباشرة، لذلك عقد المجلس جلسة خاصة اقر فيها إدخال تعديل على قانون الانتخابات يسمح بإعادة النظر في أهلية المرشحين المرفوضين بيد أن مجلس صيانة الدستور اعتبر هذا التعديل "مخالفا" للدستور وللشريعة الإسلامية، وأعلن معارضته له وعدم تقيده به.

مواجهة سياسة الأمر الواقع

وحيال هذا التضارب بين المؤسستين لجأ النواب الاصلاحيون إلى ثلاث خطوات لمواجهة "الأمر الواقع" الذي فرضه مجلس صيانة الدستور عليهم:

الخطوة الأولى تمثلت بتنفيذ اعتصام داخل مجلس الشورى إلى أن تتم إعادة النظر بالترشيحات المرفوضة، والخطوة الثانية تختلف بتقديم نحو 120 نائبا استقالاتهم من مجلس الشورى احتجاجا على الأسلوب "غير القانوني" المعتمد في التعامل مع الترشيحات والمرشحين، والخطوة الثالثة تمثلت بالتهديد بمنع إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر في العشرين من فبراير الجاري، بالتضامن مع الحكومة القائمة.

ماذا يعني كل ذلك؟

النتيجة الأولى لتقديم استقالات ثلث عدد أعضاء مجلس الشورى (الذي يضم 290 نائبا) وهو ما حدث فعلا، هي إصابة هذه المؤسسة التشريعية بالشلل فضلا عن المغزى الذي تمثله هذه الخطوة وهو إعلان "التمرد" وإذا ما أعقب هذه الخطوة استقالة الحكومة ومسؤولي المناطق التنفيذيين، كما أعلن سابقا، فإنه سيكون من المتعذر إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر، ما سيؤدي إلى حدوث مشكلة دستورية من جهة، والى شرخ سياسي عميق داخل ايران من جهة أخرى، ويعزز مثل هذا الاحتمال التراكمات السياسية السابقة.

ووجود استعداد شعبي للتجاوب عبرت عنه التحركات الطلابية الأخيرة، كما عكسته مظاهر التململ الشعبي العام الناشيء عن التضييق على الحريات وتعطيل بعض الصحف وبطء الخطوات الإصلاحية، لاسيما في المجال الاقتصادي والتنموي وتعطيل كل المحاولات الرامية للانفتاح على الخارج.

وفي مقابل التحذيرات التي أطلقها مرشد الثورة علي خامنئي حيال أي تمرد على دستور الجمهورية الإسلامية وقوانينها، كرد على التهديد بتعطيل الانتخابات، وجه رئيس مجلس الشورى محمد مهدي كروبي انتقادات عنيفة إلى مجلس صيانة الدستور وحملّه المسؤولية الكاملة عن الأزمة الراهنة، معتبرا الحجج التي يستند إليها المجلس المذكور في رفض ترشيحات آلاف الأشخاص غير قانونية وغير مبررة، وداعيا مرشد الثورة إلى التدخل من اجل وضع الأمور في نصابها الصحيح.

وفي الوقت الذي كان النواب يؤكدون موقفهم بتنفيذ استقالة جماعية، وهو ما من شأنه إصابة المؤسسة التشريعية بشلل كامل، كان الرئيس الايراني محمد خاتمي ينفذ "نصف خطوة" في الاتجاه ذاته، وذلك بالإعلان عن إصابته بـ "وعكة صحية" ستضطره للانقطاع عن ممارسة مسؤولياته الرسمية لبعض الوقت، وقد نتج عن ذلك إلغاء الاجتماعات الحكومية التي كان أدرج على جدول أعمالها مناقشة المشاكل الراهنة، بما في ذلك مسألة إجراء الانتخابات النيابية والعقبات التي تعترضها.

على أن الرئيس خاتمي، الذي لم يذهب في موقفه إلى حد التضامن الكامل مع النواب الإصلاحيين المستقيلين، أبدى حرصا واضحا على القيام بمحاولة أخيرة لتسوية المشكلة قبل أن تبلغ نقطة "اللاعودة" وذلك بإصدار بيان "عن مكتبه" ينفي فيه ما نقل عن لسانه في وقت سابق عن أن "مساعي التسوية وصلت إلى طريق مسدود" وفي تقدير المحللين، أن الرئيس خاتمي أدرك، ربما بعد تطور النزاع على هذا النحو، أن وقوفه الكامل إلى جانب الإصلاحيين في خطواتهم الاعتراضية.

سيكرس الانقسام الذي عبر هو شخصيا عن تخوفه من الوصول إليه، والذي لا يريده في الأساس أسلوبا لبلوغ أهدافه الإصلاحية، لذا فضل، في هذا الوضع الدقيق الذي يتخذ ملامح مصيرية بالنسبة لمستقبل الجمهورية الإسلامية ونظامها المرتكز إلى قاعدة ولاية الفقيه، أن يقوم بدور الوسيط بين التيارين المتصارعين، بدلا من أن يكون أحد طرفيه إلى جانب الإصلاحيين، ويشير المحللون في هذا الصدد إلى أن خاتمي يعارض بقوة تحويل نظام الجمهورية الإسلامية إلى نظام علماني، بمعنى فصل الدين عن الدولة.

وان يكن يرفض في الوقت نفسه محاولات المحافظين للهيمنة على كل مؤسسات الدولة لإحباط كل توجه إصلاحي بالقوة وإبقاء ايران بالتالي أسيرة الطروحات المناهضة لكل تطور اقتصادي يؤدي إلى الانفتاح على الخارج.

فالمحافظون يسيطرون الآن على معظم مؤسسات الدولة وأجهزتها الرئيسية: مرشد الثورة، مصلحة تشخيص النظام، مجلس صيانة الدستور، القضاء، الجيش، الحرس الثوري، الأجهزة الأمنية، البلديات الكبرى، والكثير من مواقع النفوذ الأخرى، وإذا تمكن المحافظون من استعادة سيطرتهم على مجلس الشورى (البرلمان) عبر استبعاد معظم الشخصيات الإصلاحية المناوئة لهم "خارج عملية التنافس الانتخابي"، فستكون خطوتهم اللاحقة محاولة إيصال أحدهم إلى موقع رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية خاتمي، أو شل فاعلية الرئاسة قبل ذلك.

وبهذا تصبح مؤسسات الدولة كلها رهن إشارتهم، وتغدو عملية التحكم بالسياسات الإصلاحية والانفتاحية مسألة محسومة بالنسبة لهم، بغض النظر عن ردود الفعل الشعبية المحتملة حيال مثل هذا التطور.

الحوار مع أميركا وأشياء أخرى

وثمة من يرى في خلفية هذه الصورة القاتمة قضية الحوار مع الولايات المتحدة وشكل العلاقة المستقبلية معها في صورة عامة، وكذلك مستقبل الوضع في العراق ونوع النظام الذي سيقدم في هذا البلد، بالإضافة إلى القضايا الداخلية المتراكمة.

ففيما يتعلق بالمسألة الأولى ومع أن الإدارة الأميركية لم تقم بأي خطوة جدية لإصلاح علاقاتها مع ايران، إلا أن المحافظين الايرانيين بدوا قلقين من بعض الاتصالات الجانبية التي تجرى بين الحين والآخر لاختبار مدى إمكانية وجدوى فتح حوار جدي مع واشنطن.

ويرى المحللون انه كان من الممكن استثمار البادرة التي قامت بها الإدارة الأميركية بإرسال مساعدات إنسانية إلى ايران لمواجهة آثار الزلزال الذي ضرب مدينة (بم) ورفع العقوبات عنها في صورة مؤقتة، ثم باقتراح إرسال بعثة من الكونغرس الأميركي لإجراء اتصالات ذات طابع سياسي ـ استكشافي مع الحكومة الايرانية، بيد أن القيادة الايرانية رفضت استقبال البعثة المذكورة، معتبرة أن الظرف غير مناسب لإجراء مثل هذه الاتصالات.

وفي إشارة أخرى ذات صلة، التقى أخيرا المندوب الايراني لدى الأمم المتحدة محمد جواد ظريف عدادا من نواب الكونغرس الأميركي خلال مأدبة عشاء دُعي إليها، وذلك بعد إلقائه محاضرة بدعوة من مؤسسة (وودرو ويلسون) للأبحاث، وكان هدف النواب الأميركيين، كما قيل ، الاطلاع على مواقف ايران تجاه القضايا الإقليمية والدولية.

وقد تبين لاحقا انه تم خلال هذا اللقاء بحث فكرة قيام وفد من الكونغرس الأميركي بزيارة طهران خلال شهر شباط/فبراير الجاري، بيد أن وزارة الخارجية الايرانية أصدرت بيانا نفت فيه وجود مثل هذا التوجه في الوقت الحاضر، كما قللت من شأن لقاء نيويورك، مشيرة إلى أن هذا اللقاء الأول من نوعه.

وكان وزير الخارجية الايراني كمال خرازي اجتمع مع السناتور الديمقراطي الأميركي جورج بيدن على هامش (منتدى دافوس) في سويسرا.

ومن الواضح إن اللقائين الأخيرين شكلا آخر مظاهر "التجاذب الدبلوماسي" الأميركي ـ الايراني في سلسلة المحاولات المباشرة وغير المباشرة لإحداث اختراق قد يؤدي إلى تحسين العلاقات بين البلدين، لكن الرئيس الايراني محمد خاتمي بدا غير متفائل، حيث أكد مجددا ضرورة أن تغير الولايات المتحدة سياستها تجاه ايران، ومع ذلك لم يخف خاتمي شعوره بأن الإدارة الأميركية تستخدم منذ بعض الوقت "لغة مختلفة" وقال: "إذا كان الأميركيون أدركوا أن سياستهم كانت خاطئة تجاه ايران فان ذلك سيؤدي إلى إيجاد وضع جديد".

وفيما يخص الوضع في العراق، يرى بعض المراقبين أن المحافظين في ايران يطمحون إلى قيام نظام عراقي جديد يماثل النظام الايراني، من حيث هويته وقواعده الإسلامية ولذلك فهم يعتقدون أن إمساكهم بالقرار السياسي الايراني كاملا يتيح لهم تحقيق أهدافهم، وهو ما يمثل في اعتقادهم، تجديدا لشباب الثورة الايرانية وإحياء لمنطلقاتها، بعدما تحولت الثورة إلى دولة تحت تأثير اعتبارات مختلفة، كما تشهد بذلك تجارب العقد الأخير في مسيرتها.

وأيا تكن أسباب المواجهة الراهنة ودوافعها، فان النظام الايراني والدولة الايرانية يواجهان حاليا أزمة مؤسساتية حقيقية يتجلى فيها الانقسام الحاد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة، والمؤسسات والأجهزة المنبثقة عن تركيبة النظام الايراني من جهة أخرى، والمطروح حاليا هو أحد أمرين:

إما أن يتم تأجيل الانتخابات النيابية، كما يطالب الاصلاحيون، بانتظار تسوية الأزمة القائمة على أسس قانونية واضحة، وإما أن تجرى الانتخابات، كما يصر المحافظون، بغض النظر عن النتائج السياسية المحتملة لهذه الخطوة "الصدامية" على الشارع الايراني وعلى النظام في ايران، في صورة عامة.

وحيال ذلك، كيف سيتصرف مرشد الثورة وصاحب الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بمستقبل النظام الايراني.