أمريكا
بين الهزيمة السابعة.. أم الهروب على الطريقة
الفيتنامية
عباس
المعلم/لبنان
خاضت
الولايات المتحدة معركة شرسة في مجلس الأمن
لتنتزع قرارا يتيح لها شن حرب على العراق
وقدمت ذارئع عدة لشن هذه الحرب أبرزها أن
العراق قد أعاد تسليح ترسانته العسكرية
بأسلحة الدمار شامل وان النظام العراقي له
علاقة بتنظيم القاعدة. وكانت الإدارة
الأمريكية تسعى دائما في مناقشاتها في مجلس
الأمن إلى تقديم دلائل لذرائعها وتقول أنها
استحوذت عليها من مصادر موثوقة، وبعد كل هذه
الضجة الدعائية الضخمة التي قدمتها للأسرة
الدولية لم تستطع أن تنتزع قرارا دوليا يجيز
لها الحرب على العراق، فكانت الهزيمة الأولى
لصقور البيت البيض في حربهم على العراق، ومن
هنا بدأت الهزائم تتوالى.
تحدى
سيد واشنطن ومعه سيد لندن الشرعية الدولية
متجهين بجيوشهم وأسلحتهم المحرمة دوليا،
ليغزوا العراق، وبعد عشرين يوما على بدء
عدوانهم، ذلك العدوان الذي استخدمت فيه قوات
التحالف العدوانية الصواريخ والقذائف
المزودة باليورانيوم المنضب، لتكشف عن
كذبتها وهي حجة تخليص العالم من أسلحة الدمار
الشامل ولعل اليورانيوم من ابرز هذه الأسلحة،
تدخل قوات الاحتلال إلى بغداد مخلفة وراءها
بلدا شبه مدمر وكانت دباباتها تسير فوق رؤوس
اكثر من عشرة آلاف قتيل عراقي،
لتسقط الحجة الثانية وهي "تحرير"
العالم من الأسلحة المحرمة وإرساء
الديمقراطية وحقوق الإنسان، فكانت الهزيمة
الثانية.
جاء
الرابع من أيار ليطل فارس البيت الأبيض أمام
شاشات التلفزة العالمية ويعلن انتهاء
العمليات العسكرية الكبرى في عدوانه على
العراق ويسجل لنفسه ومن معه من مهندسي هذا
العدوان انتصارا عسكريا وسياسيا، وليقول لكل
من عارض غزوه بأن مراهنتهم كانت خاسرة.
لم
تمر أيام قليلة على ما وصفه بوش بالانتصار
الكبير إلى أن اصطدم انتصاره بمقاومة ما كان
ليتوقع قوتها وفاعليتها باصطياد قواته في
العراق من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وبدأ
تأثير هذه المقاومة يتفاعل يوما بعد يوم على
قوات الاحتلال وحلفائها في العراق، إلى أن
ظهرت ضغوط سياسية وشعبية على إدارة بوش وبلير
في واشنطن ولندن، فكانت الهزيمة الثالثة.
بدأت
الإدارة الأمريكية تتخبط فيما بينها لإيجاد
حل للمأزق الذي وضعت قواتها به في العراق، فهي
لم تكن بعد قد وجدت حلا للغز وجود أسلحة
الدمار الشامل مع مرور اشهر على وجودها في
العراق، فبدأت تارة تكشف عن "مقابر جماعية"
لشهداء لم يعرف تاريخ ومكان وأسباب استشهادهم
وحاولت الاتجار بشهداء هذه المقابر لتخفي
فشلها في هذا العدوان، لكن سرعان ما زالت هذه
الحجة التي وضعتها قوات الاحتلال من أذهان
الشعب العراقي في ظل تعايشهم مع مقبرة جماعية
اكبر ارتكبتها أمريكا نفسها على مدى ثلاثة
عشر عاما من الحصار الجائر وراح ضحيتها اكثر
من مليون ونصف عراقي، وتعايشهم أيضا مع مقبرة
أخرى ترتكب يوميا بحقهم منذ أن دخل الاحتلال
بلدهم، كذلك الأمر معاناة العراقيين من عدم
توفر الأمن في ظل الاحتلال وتزايد أعمال
النهب وازدياد البطالة وانقطاع الكهرباء
وقلة توفير الوقود في بلد يعد من اكبر البلاد
المنتجة للنفط، وقد اجمع العراقيون ممن كانوا
يوالون أو يعارضون النظام السابق بأنهم لم
يعيشوا في هذا الحرمان حتى أيام الحرب التي
مرت عليهم من قبل، ليسقط
شعار الاحتلال مرة أخرى في توفير حياة مفعمة
بالرخاء للعراقيين، ولتكون الهزيمة الرابعة.
من
هنا بدأت تظهر ملامح الهزيمة اكثر، سواء على
الصعيد العسكري أم على الصعيد السياسي
والنفسي لقوات الاحتلال، فالواقع السياسي
لإدارة الاحتلال مبني أساسا على تشكيل حكومة
عراقية تتسلم زمام السلطة، فأتت إدارة
الاحتلال بمجموعة من العراقيين أغلبهم كان
بعيدا عن العراق لعقود ومنهم من ولد أصلا في
الخارج، فوجد الشعب العراقي نفسه أمام أشخاص
هو نفسه لا يعرفهم وحتى الآن لم يشعر العراقي
بأي وجود لسلطة عراقية حقيقية بل لأشخاص همهم
الوحيد هو تحاصص ثروات الشعب لصالح شركاتهم
التي كانوا يعملون بها في الولايات المتحدة
وغيرها من الدول الأجنبية. أما الوضع السياسي
لإدارة الاحتلال خارج العراق فلا يختلف كثيرا
عن الداخل، ففي واشنطن لا يكاد بوش وإدارته أن
يخرجوا من أزمة حتى يدخلوا في أزمة أخرى، حتى
أن الخناق بدأ يضيق على بوش اكثر فأكثر في
حملته الانتخابية الرئاسية التي اشتد
التنافس عليها من قبل المنافسين له، الذين
وجدوا فشله في العراق عاملا إيجابيا لمصلحتهم
في هذه المعركة حسب ما تنقل استطلاعات الرأي
هناك، والأمر عينه هو حال طوني بلير فهو
يتأرجح بين معارضة داخل حزبه وبين فضائح
الاستقالات متعددة الأسباب لكبار مسؤولي
حكومته. ليصلوا للهزيمة الخامسة.
أما
عن الوضع العسكري فتفيد قوات الاحتلال نفسها
أنها خسرت حتى الآن ما يزيد عن ست مائة قتيل
وألفي جريح وأجرت حوالي 11 ألف عملية جراحية
لجنودها وفقدانها اكثر من ثلاثين طائرة
عسكرية وعشرات الدبابات والعربات وغيرها من
المعدات العسكرية في عشرة اشهر فقط تحت ضربات
المقاومة، ولعل ما نشرته صحيفة أمريكية أن
الخسائر التي ألحقتها المقاومة العراقية في
الأشهر الستة الأولى في صفوف القوات
الأمريكية يعادل خسائر السنوات الأربع
الأولى للاحتلال الأمريكي في (فيتنام) وهذا
خير دليل على ما تحققه المقاومة العراقية
وجديتها في طرد الاحتلال. أما الواقع النفسي
للقوات الأمريكية فمنهار تماما، فحتى الآن
سجلت مراكز الدراسات الأمريكية المعنية
بالشؤون العسكرية اكثر من خمس وثلاثين حالة
انتحار للجنود المتواجدين في العراق كما سجلت
ألفا ومائتي حالة فرار للجنود الأمريكيين من
ساحة المعركة إلى الدول المجاورة للعراق، أما
عن حالة الاسترخاء العسكري فنجد أن الإدارة
الأمريكية قد أنفقت حتى الآن مائة وعشرين
مليار دولار في تغطية احتلالها للعراق ونرى
كيف تأثر الاقتصاد الأمريكي العام سلبا
بإنفاق هذا المبلغ، ورغم ذلك عرضت وزارة
الدفاع البنتاغون دفع عشرة آلاف دولار شهريا
لكل جندي يؤدي خدمته العسكرية في العراق ورغم
هذا الأجر المغري ماديا إلا أن أكثرية الجنود
الأمريكيين في أمريكا يفضلون البقاء في
بيوتهم على أن يذهبوا إلى ما يسمونه بالجحيم
العراقي. هنا نجد أن القوات الأمريكية تعيش
حالة تامة من الاسترخاء العسكري، لنصل إلى
الهزيمة السادسة.
بعد
كل هذه الهزائم التي لحقت بأمريكا وعملائها
في العراق علي أيدي المقاومة العراقية، لا بد
أن نتوجه لعملاء الاحتلال أولا بأن يدركوا
هذا الواقع، وأن يدركوا أن الشعب العراقي لا
يبالي بوجودهم وانهم بنظره مجرد عملاء ظلوا
لسنوات عديدة يتقاضون ملايين الدولارات من
قبل المخابرات المركزية الأمريكية ليساعدوهم
على نهب أموال الشعب العراقي، ولعل وصف وزيرة
خارجية أمريكا السابقة "مادلين اولبريت"
بأنهم عملاء من الدرجة الثالثة اصدق دليل على
شخصية هؤلاء.
أما
أمريكا فلم يبق لها سوى خيارين: الخيار الأول
هو أن تقبل بالهزيمة السابعة والأخيرة وهي
انسحاب قواتها من العراق والاعتراف بفشلها
وعدم قدرتها على مواجهة مقاومة الشعب
العراقي، أم الهروب على الطريقة الفيتنامية،
وكلاهما هزيمة....