العراق..
انقلاب المفاهيم ووعي الدلالات
ما
زال العجب يتملكني من أولئك الديموقراطويين
والثقافويين، الذين يدّعون الثقافة ويتمسحون
بالديمقراطية، أو ما نسميهم بأدعياء الثقافة
والمعرفة، وكيف ينطقون الكلمات لتنحرف عن
دلالاتها، ويعلنون القبائح وكأنها الحق
الألهي، وكذلك أدعياء الديمقراطية، وهم
يفصحون عما بهم من حقد وكراهية للأمة والوطن
والتاريخ والحضارة، وهم الأكثر وحشية
وديكتاتورية وتعصبا وانغلاقا، فهم بكل
ادعائهم لم يستطيعوا احتمال رأي أو كلمة أو
موقف.
أعجب
من هؤلاء وهم لا
يدرون أن أول تأسيس للثقافة
والمعرفة، هو الوعي بها، وليس تصنعها. إن
الوعي حالة تفرد، وحالة انشداد للكلي، الوعي
هو حضور الغياب،
وهو التفرد عن الأرقام الفردية.
وأن هذا الوعي المعرفي الحضاري، هو أساس
الوعي الديمقراطي، والوعي الديمقراطي لا
يمكنه
أن يكون بدون ممارسة
الديمقراطية. فالديمقراطية وعي وسلوك،
فالديمقراطية ممارسة الوعي الديمقراطي.
وأول
المعرفة بالوعي الديمقراطي، والمعرفة بحالة
الوعي العامة، هو الوقوف عند حالة الوعي
الشعبي، وإذا ما خان أي منا حالات من الوعي
الزائف، فعليه الاحتكام إلى الوعي الشعبي،
فهو الوعي الكلي، وعي التاريخ ووعي الفطرة،
وخزان المعرفة الذي لا ينضب.
أما
إذا ما خرج علينا من يقول أن الوعي الشعبي، هو
وعي مشوش، وعي عاطفي لا يؤخذ به، وليست مقياسا
لدلالات الوعي، فإننا بذلك نقع تحت طائلة
الوعي المزيف، الوعي المنحرف بكل أبعاده
ودلالاته.
ليس
هذا القول بريئا من طرفي على الأقل، وإنما هو
يدخل ضمن دائرة القصدية والمعنى. فمنذ فترة
تزيد عن العقدين من الزمن، طالت ألسن وأطلت
رؤوس، وبرزت شخوص كانت منسية، أو هي في انتظار
من يدفع بها الى المسرح، وينقلها من دور
الكومبارس إلى أدوار تبدو للوهلة الأولى أنها
رئيسية، وفي حقيقتها ليست أكثر من كومبارس
بدور أكبر وأكثر صخبا وضجيجا. ويمكننا أن نرى
ذلك بكل وضوح في تلك الرؤوس التي أطلت على
الساحة الفلسطينية بعد أوسلو ووادي عربة،
تماما كما أطلت علينا بعد كامب ديفيد
السادات، هي أطلت علينا بعد أوسلو عرفات،
وهي تطل علينا اليوم بوجوه
أكثر صفاقة وقباحة في العراق الأشم، يطلون
علينا وهم يحملون كل الحقد على تاريخنا
وقيمنا وحضارتنا، انهم كالغربان ينقضون على
الجيف النتنة.
إنها
مرحلة كامب ديفيد، وإن أخذت تسميات مختلفة،
أوسلو أو وادي عربة أو "العراق الجديد"،
كلها كامب ديفيد، كامب ديفيد السادات، وهو
كامب ديفيد عرفات، وهو كامب ديفيد حسين، وهو
اليوم كامب ديفيد المجلس المحلي، وكامب ديفيد
كان وما زال مشروعا أمريكيا صهيونيا، يأخذ في
كل مرحلة تسميات مختلفة وأشكال مختلفة أيضا،
إلا أن جوهره يبقى قائما وثابتا، وهو خدمة
المشروع الأمريكي الصهيوني، وتحقيق
مصالحهما، بتحقيق الهيمنة المطلقة على
المنطقة.
وقد
اتخذ هذا المشروع خطوات عملية، واستطاع أن
يحقق انتصارات آنية، من خلال تنفيذه
لاستراتيجيته، فهو
أخرج مصر من الصراع العربي الأمريكي
الصهيوني، بإبرام معاهدة كامب ديفيد عام 1977،
وكان عنوان المخطط الأمريكي آنذاك، هو ابتلاع
السمكة الكبيرة المؤثرة والفاعلة ما بين
الأسماك الأخرى الأصغر حجما وفاعلية في
البحيرة. وقد تمت ترجمة ذلك بشكل ملموس، عندما
قام العدو الصهيوني بغزو لبنان واحتلال
بيروت، العاصمة العربية الثانية التي تقع تحت
الاحتلال بعد القدس، ولم يستطع العرب فعل أي
شيء في غياب مصر، الدولة الأكبر والأقوى ما
بين الدول العربية، وبخاصة بعد العبور الذي
تحقق عام 1973، والانتصار العسكري الذي أنجزه
الجيش المصري والسوري، وحوله السادات
برعونته وتبعيته إلى هزيمة سياسية لحقت
بالعرب جميعا، وثم كان مؤتمر مدريد، "كامب
ديفيد جماعي" فكانت الكارثة الثانية،
إبرام اتفاقية كامب ديفيد، في مولود جديد له
أسماه "أوسلو" وكان العنوان الأمريكي
لهذه المرحلة، "الشرق الأوسط" "إنهاء
مشكلة الشرق الأوسط"، أي تصفية القضية
الفلسطينية، وبعد الإعلان عن هذا الاتفاق،
تزاحمت الطوابير على أبواب تل أبيب، للتسجيل
بالدخول إلى نادي كامب ديفيد، نادي الرضا
الصهيوني، أو كما يحلو للبعض بتسميته، النادي
الماسوني، وأنا هنا لا يهمني ما الاسم، رغم
البعد الدلالي للمصطلح أو الاسم، فكلها
تسميات لمدلول واحد، هو الانخراط في المشروع
الصهيوني الأمريكي، لقاء البقاء في السلطة
والاستمتاع بمزايا السلطة وامتيازاتها، وإن
كان ذلك على حساب الشعب والقضايا التاريخية،
ومستقبل الأمة وأجيالها.
وما
كاد المواطن العربي يلم أنفاسه من كارثة
أوسلو، وما زال غبارها يملأ الجو المشحون
بالامتعاض والاستنكار الشعبي والرفض السياسي
الشعبي، حتى كانت اتفاقية أخرى من رحم كامب
ديفيد، تعلن عن أسم مولود جديد، هو "وادي
عربة" وهو اتفاق أكثر إيغالا من سابقه في
التنازل والتفريط، وكان عنوان هذه الصفقة في
تلك المرحلة، لا تدع خصمك يفكر في الرد، أو أن
يأخذ قسطا من الراحة، مما قد يدعوه إلى
التماسك، أو القيام بردة فعل وإن كانت يائسة،
استمر في توجيه اللكمات إليه لإنهاكه قبل
نهاية الجولة، وأخذ بعض الراحة أو تعليمات من
المدرب.
وهكذا،
توالت الضربات على الرأس دون هوادة، من مشكلة
إلى كارثة، ومن تراجع إلى تنازل أكثر مهانة،
ومن قاع إلى هاوية، والنظام العربي يوغل في
الاستسلام والاستجابة لإملاءات العدو
الأمريكي الصهيوني. وكان يترافق مع ذلك كله،
المزيد من القمع والقهر للشعب والجماهير،
فغصت السجون بالمناضلين، من مثقفين وسياسيين
وسجناء رأي، إلى تضييق الخناق على البعض
الأخر فأثر الهروب من قمع أجهزة السلطة إلى
خارج البلاد، وهناك كانت تقع الكوارث
والمصائب التي كان القناصون والصيادون في
انتظارهم، وبخاصة من ضعاف النفوس، وما
أكثرهم، وإن قال أحدهم، ليس الأمر كذلك،
فنقول: أو كان حال الأمة على ما هو عليه، لو لم
يكن ما هو أكثر من ذلك وأدهى؟؟
إلا
أن صعود النجم العراقي في سماء المنطقة، بعد
خروجه قويا من الحرب مع ايران، وعلى كل
المستويات، وبخاصة العسكرية منها، وتحديدا
في مجال التصنيع العسكري، أدخل على المعادلة
السياسية عنصرا مفاجئا، لم يكن بحسبان القوى
المعادية، باعتبار أن الحرب العراقية
الايرانية، ستنهك كل من الطرفين وتضعفهما،
مما يسهل التقدم في تحقيق المشروع الأمريكي
الصهيوني، في بسط السيادة المطلقة على أهم
منطقة نفطية في العالم، كاحتياط نفطي
استراتيجي. على العراق وايران والخليج الذي
أضحى هذا الأخير من آليات المشروع الأمريكي.
ولذلك
هناك محاولات دائمة ودؤوبة من الطرف الأمريكي
والبريطاني والأدوات المحلية في ما يسمى مجلس
الحكم المحلي، لإقناع الرأي العام الدولي
والعراقي، بأن ما يجري في العراق ليس سوى "تحرير
للشعب من الظلم والقهر الذي لحق به من نظام
البعث وحكم صدام حسين". إلا أن المدلولات
التي أخذت بالاتضاح كانت خلاف ذلك تماما، بل
ما كان يتضح حتى لعامة الناس ممن كان يرى في
غياب النظام البعثي إنما هو "فسحة من الأمل
في استنشاق أنسام الحرية"، ذهب كله أدراج
الرياح، ليحل محله شكلا من القهر والمهانة
لم يعهده الجيل الجديد على الأقل، وقد بعث
هذا الشعور عند العديد من هذه الفئات، إن ما
جرى ويجري ليس سوى كارثة وطنية وقومية.
خاصة
وأن ما يسمى بمجلس الحكم المحلي لا يملك من
أمره شيئا، رغم محاولات تجويف المحتوى من
مدلولاته الحقيقية، عندما أثار الاحتلال
الأمريكي أن السلطة ستنتقل إلى العراقيين
عندما يتأكد للاحتلال أن العراقيين أصبح
بمقدورهم إدارة شؤونهم بأنفسهم، وعندما كان
يواجه الأمريكان بسؤال كيف ذلك، والدولة
العراقية من الدول العريقة بالعالم وليس فقط
في المنطقة، كان الأمريكيون يكذبون وهم
يدركون كذبتهم هذه بأنها ليس سوى حرف الدلالة
عن حقيقتها، وهو أن أي حكومة لن تستطيع القيام
بمسؤوليات الحكم "ما لا يتم تنظيف المؤسسات
العراقية من فلول نظام البعث وصدام حسين"،
وكان أزلام المرحلة الأمريكية (مجلس الحكم
المحلي وتوابعه) يدركون أن ذلك ليس سهلا ولا
يمكن أن يكون، لمعرفتهم بطبيعة الدولة
والمؤسسة العراقية وبطبيعة الشعب العراقي،
ولذلك كانت دلالات ذرائعية لاستدامة
الاحتلال، ليتسنى له تحقيق مخططه الذي كان
معدا له منذ ما بعد الانتهاء من مصر وتحييدها
من خارطة الصراع مع العدو الصهيوني، لتليها
سوريا وثم ليبيا، ويكون الأمر بذلك خلي لهم
بالسيطرة المطلقة على المنطقة، وفي هذه
الحالة تكون ايران قد تم تمهيدها من خلال
صراعات داخلية ما بين المحافظين
واللبراليين، فتأخذ النصيحة بالتعلم من دروس
وعبر الآخرين.
ولم
يكتف المسمى بمجلس الحكم المحلي بدوره بل جند
العديد من الكتبة والثقافويين ومن فلول
الحاقدين على الأمة والوطن، بإبراز كل ما هو
مشين وغير لائق بحق الشعب العراقي وتاريخه
وفضائله، من أن المقاومة إرهاب، والاحتلال
صواب، و"أن الشعب العراقي ليس من صفاته مثل
هذه الأعمال"، أي مقاومة المحتل، وأن الذين
يقومون بهذه الأعمال إنما هم من "المتسللين
الغرباء"، وهم بذلك ينفون عن الشعب العراقي
كرامته ومروئته، انتمائه وصلابته، ويمسحون
بحذاء الجندي الأمريكي "الرحيم البريء"
الذي تجشم عناء السفر من بلاده لتخليص الشعب
من الظلم والقهر، تاركا عائلته وأولاده وقد
أنتزع من حضن زوجته لهذه المهمة الإنسانية
الجليلة!!، يمسحون تاريخه النضالي العريق
وإبائه الرافض لأي احتلال ودوس لسيادته، أي
كانت الدوافع أو المبررات، ولو سئل
البريطانيون في عام 1920، ما حل بهم على يد هذا
الشعب الذي يحاول من لا تاريخ له أن يسرقه من
تاريخه، بل يسرق تاريخه بكامله، رغم قساوة
الاحتلال العثماني، وما لحق بالعرب جميعا على
يد العثمانيين، وما كان يشفع في ذلك أيضا هو
التلفع والتظلل بالدين الإسلامي، وهو مرتبط
بنفس الوعي الدلالي في انقلاب المفاهيم ووعي
الدلالات التي كانت سائدة آنذاك أيضا.
وتأسيسا
على ما سبق، فإن الوعي بحقيقة ما يجري ليس
خافيا على أحد، إلا أن المصالح الإستراتيجية
الكبرى للدول العظمى والدول الإقليمية
الأخرى، ومطامع أمريكا والصهيونية الدولية،
وكيانها القائم في فلسطين، التقت مع مصالح
بعض العملاء والسماسرة والحاقدين من شعوبيين
وطائفيين وإثنيين.
وهنا
يكمن دور الثقافة والمثقفين، ودور الوعي
بالمفاهيم والدلالات، وانعكاس ذلك على الوعي
الشعبي، رغم حصانة الوعي الشعبي بتراكمه
المعرفي التاريخي، الذي لم يستطع أحدا أن
يتجاوزه رغم انفلات لحظات زمنية من تاريخه
المديد، لم يستطع في حينه أن يحقق إرادته
لطبيعة موازين القوى ولعوامل أخرى كما هي
اليوم من داخلية وإقليمية ودولية، إلا انه
سرعان ما كان يحرر إرادته من عقال التشوه
الدلالي والإخلال بموازين القوى، ليرمم
الثغرات في تاريخه الحضاري العريق.