الرئيس
الأسير والصليب الأحمر
د.
عوده بطرس عوده/مفكر عربي يقيم في القاهرة
تعترف هيئة الصليب
الأحمر الدولي ومقرها جنيف منذ تأسست في 1963
بأنه بموجب معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949
ينبغي أن يكون الرئيس العراقي صدام حسين،
الذي أسرته القوات الأمريكية وأعلنت عن ذلك
يوم 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي، تحت
رعايتها وإشرافها لضمان أنه يلقى الاحترام
والمعاملة الإنسانية المنصوص عليها. وقد قامت
هذه الهيئة الدولية المعترف بها بما يمليه
عليها واجبها، فأعلنت مبكرا بأن معاهدة جنيف
الرابعة تضمن للرئيس صدام حسين أن تتولى هي،
هيئة الصليب الأحمر، واجب الإشراف عليه لضمان
معاملته باحترام. ومؤخرا جددت رئاسة الصليب
الأحمر في جنيف مطالبتها للسماح لمندوبيها
بزيارة الرئيس الأسير للاطمئنان عليه
والاستماع إليه. ولكن بلا جدوى على مدى 4
أسابيع.
هذا الرفض الأمريكي لمطالب الصليب الأحمر
الدولي يعكس ما يلي:
أولا: الاستهتار من جانب الإدارة الأمريكية
التي يرأسها بوش الابن بهذه الهيئة الدولية
ومعاهدة جنيف الرابعة استكمالا لاستهتارها
وتحديها للمجتمع الدولي ومؤسساته ومواثيقه
وقيامها بالعدوان دون مبرر على دولة العراق
العضو في منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها.
ثانيا: خشية هذه الإدارة الأمريكية الإجرامية
من افتضاح الكيفية التي تمت بها عملية الأسر
وزمانها ومكانها فتبدو الرواية التلفزيونية
الأمريكية بأنها كانت ملفقة، على غرار أكذوبة
أسلحة الدمار الشامل فيصبح بوش بهما موضع
السخرية وهو يخوض معركة الرئاسة الثانية التي
ارتكب ومازال يرتكب في سبيلها الكثير من
الجرائم التي تجعله أشهر من والده وبقية
الرؤساء الذين سبقوه الاثنين والأربعين
استخداما لنظرية ميكيافيلي الانتهازية
الغاية تبرر الوسيلة!
ثالثا: خوف الإدارة الأمريكية مما يمكن أن
يصرح به الرئيس العراقي صدام حسين للجنة
الصليب الأحمر الدولي عن التجاوزات المتعمدة
في التعامل معه التي تشكل خروقات يعاقب عليها
القانون الدولي تجعل الرئيس بوش موضع
المساءلة وليس الرئيس الأسير.
في هذا الصدد هناك الآن اعتراف أمريكي رسمي
صدر يوم الجمعة التاسع من الشهر الجاري كانون
الثاني/يناير بأن الرئيس صدام حسين أسير حرب.
يترتب عن ذلك أن تعلن الولايات المتحدة
اعتذارا رسميا عن الإساءات التي اقترفتها
بحقه، وعن الأكاذيب والتلفيقات التي ادعتها
عليه، والأهم أن تضعه تحت رعاية الصليب
الأحمر الدولي ليلقى المعاملة التي يستحقها
رئيس الدولة، وأن تبدأ الإدارة الأمريكية
بالتفاوض معه توطئة لإعادة الأمور في العراق
إلى وضعها الطبيعي للاتفاق على خطة انسحاب
القوات الأمريكية البريطانية وأتباعها بعد
أن ثبت بالوجه القطعي بطلان الأكاذيب التي
بنى عليها العدوان الإجرامي!
إذا فعل بوش ذلك، وهذا يحتاج ألي شجاعة
أخلاقية ليست متوفرة فيه، فإنه ينقذ جنوده
الأمريكان والمرتزقة من أجواء الموت التي
يعيشونها حيث يتواجدون على أرض العراق، داخل
الدبابات أو الطائرات أو في ثكناتهم وراء
الأسوار والأسلاك، فقد اثبت المقاومون
العراقيون انهم قادرون على ملاحقتهم بالموت
ولو كانوا في أبراج حصينة عالية وطائرات
سابحة في الأجواء.
وبذلك وليس بأقل من ذلك يعود الاستقرار
والأمن والمساواة إلى أبناء العراق الذين
برهنوا انهم يختزنون تاريخ بلدهم المشرف
المتجذر في التاريخ، وسوف يجد بوش الابن
الذين راهن عليهم وصدق تبجحاتهم وارتضوا مذلة
العمالة للحاكم الأمريكي بريمر، بأنهم خانوا
الوطن وغدروا الشعب وولوا هاربين مع أول
دبابة تنسحب باتفاق أو بالإكراه. وليعلم
الرئيس بوش الابن: إن التراجع عن الخطأ فضيلة
تحسب له في معركته الانتخابية.